الرئيسية | الوطن السياسي | محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. محمد هناد 

 

 

 

تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل نشأت منذ الاستقلال وما فتئت تتفاقم منذ ذلك التاريخ إلى درجة صار معها مصير البلاد، اليوم، محلا لكثير من الشكوك والمخاوف.

الأطراف المسؤولة عن هذه الأزمة هي ثلاثة أساسا. فهناك، أولا، القيادة العليا للقوات المسلحة التي تظل تتدخل في الشأن السياسي، كما يؤكد ذلك دورها في كل أزمة نظام حكم عرفتها الجزائر إلى اليوم، بدءا بالأزمة التي اختلقتها قيادة الأركان، في 1962، بغرض الاستيلاء على السلطة. واليوم، تريد القيادة العسكرية تفويت فرصة تاريخية أخرى على البلاد، فرصة الحراك العظيم، مثلما فعلت مع «العقد الوطني» الصادر عن اجتماع روما سنة 1995 والذي رفضته «جملة وتفصيلا».

الدافع وراء تدخل قادة الجيش في السياسة هو حرصهم على الانفراد بالكلمة العليا حتى يستطيعوا مواصلة العيش كعصبية منتفعة التي لا رقيب عليها ولا حسيب. ومن أفضال الحراك أنه أفضى إلى الكشف عن الحجم الذي بلغه الفساد على أعلى مستوى في الهرم العسكري إلى درجة أن مشرفيْن على أمن البلاد (الأمن الوطني والدرك الوطني)، وهما برتبة لواء، أحدهما قابع اليوم بالسحن والأخر في حالة فرار بسبب إدانتهما بالفساد على أوسع نطاق. وحتى الفساد في الأوساط المدنية لم يكن ليتفشى بذلك الحجم لولا ضلوع ضباط فاسدين. ومع ذلك، لابد من الإشارة إلى أن هناك ضباطا يمتازون بالكفاءة والنزاهة، مثلما هي الحال على مستوى المجتمع ككل، لكنهم أغلب الظن أنهم أحيلوا على التقاعد بحجة قانون الخدمة العسكرية، وذلك قبل ترقيتهم إلى رتبة جنرال كي لا يصبح لهم دور في احترافية قيادة القوات المسلحة وانسحابها من الساحة السياسية.

ثانيا، ما يسمى بـ «العائلة الثورية» ممثَّلة في منظمة المجاهدين التي تطورت إلى جماعة مصالح قوية حتى تحوَّل المجاهدون الذين قبضوا، وهم أصحّاء، إلى مرتزقة. وعوض أن يظل همُّ هذه المنظمة متصلا بمصير البلاد، انصرف إلى المطالبة الدائمة بمزيد من الامتيازات لأعضائها. هكذا تحولت المنظمة، مع الزمن، إلى وكر فساد مكّن عشرات الآلاف من المزورين من انتحال صفة الجهاد ؛ منهم من استطاع أن يحصل على صفة معطوب حرب بنسبة 100 % وهو سليم ! كما تسبّب فساد هذه المنظمة في منع البلد من النمو السياسي بسبب تدخلها في طبيعة نظام الحكم وفي تعيين مسؤولين على أساس اعتبارات أخرى غير مقياسي الكفاءة والنزاهة.

ثالثا، حزب جبهة التحرير الوطني وظلُّه التجمع الوطني الديمقراطي. ظلت الجبهة، منذ الاستقلال، عبارة عن كيان لافقاري، لا دين له ولا ملة غير الوقوف وراء الواقف وحشد التأييد الشعبي له، باستثناء فترة الراحل عبد الحميد مهري قبل أن يُطاح به بطريقة خسيسة. هكذا، أصبحت الجبهة آلة رهيبة للفساد والتزوير. وقد تمثّل أوج هذا الفساد في ذلك الاحتفاء الهستيري الذي وقع بالقاعة البيضاوية بمناسبة ترشيح الرئيس المخلوع لعهدة خامسة.

واليوم، هناك أصوات تدعو إلى إحالة الجبهة على المتحف. هذا مطلب غير وجيه لأن المتحف لا توضع فيه إلا التحف الجميلة اللهم إلا إذا كان المقصود هو متحف للفظاعات. ثم إن حلّ الجبهة بقرار فوقي غير مستساغ أصلا، وإن حدث سيجعل منها ضحية. فعلى الرغم من كون الجبهة وكرا للتزوير والفساد ومفرخة للعصابات، فما يجب هو حرمانها من أي امتياز ومعاملتها مثل باقي الأحزاب. عوض حلّها، يجب إجبارها على تغيير اسمها كي لا يقع أي لبس مع الجبهة المذكورة في النشيد الوطني.

تجدر الإشارة إلى أن الأطراف الثلاثة التي أتيت على ذكرها تتغذى كلها على ثقافة وطنية يغلب عليها الطابع القروي وعلى ممارسة دينية أكثرها خريفات. سبب ذلك وجود نخبة، يغلب عليها الطابع التقليدي هي الأخرى، منقسمة على ذاتها على أساس أمور كان من المفروض أن تتفق بخصوصها لتنوير المجتمع، عوض تخديره، وتمكينه من تفتيق طاقاته الكامنة والكف عن توهُّم مؤامرات خارجية تحاك ضد البلد كلما كان هناك نداء من أجل التغيير. لذلك فإن مواجهة القوى الثلاث المذكورة لابد أن تشمل أيضا النضال على مستوى المجتمع من أجل ترشيده وحمله على رفض استغلال الدين أو حرب التحرير أو غير ذلك من «الثوابت» في السياسة.

مما تقدم، يجب أن ندرك جيدا أن لا حل لمشكلاتنا إلا بمواجهة هذه القوى الثلاث مواجهة صريحة ومتواصلة لإجبارها على رفع يدها عن الجزائر. كما يجب الإلحاح، بجميع الوسائل السلمية المتاحة، في المطالبة بالتغيير وفي التنديد الدائم بكل سوء تصرف أو تقصير صادر عن السلطة. كلاّ، الحراك لم يمت ولن يموت ! المسيرة التي قامت بها جاليتنا يوم أمس بباريس علامة على ذلك.

شوهد المقال 444 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

محمد في 05:40 22.09.2020
avatar
كدكتور كنت أنتظر تحليلا علميا أعمق من هذا يكشف العوامل التي ظلت تعيد إنتاج الأزمة ، أما ماجئت على ذكره في مساهمتك فيعتبر نتائج لا عوامل و أسبابا فالجميع يعرفه حتى بدون تأهييل علمي .

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حارث حسن ـ أفكار عن الازمة التي اثارتها الرسوم الفرنسية

د. حارث حسن ليس جديداً القول ان تعامل البعض في فرنسا واوربا مع "أزمة الإسلام" المفترضة يتسم بالتبسيط، وان الطلب من "المسلمين" ان يتصرفوا كالمسيحيين واليهود
image

العربي فرحاتي ـ نتخابات " الريح والهواء" / الغباء ..في مواجهة الذكاء والدهاء

د. العربي فرحاتي  بعد تجاهل السلطة الفعلية لمرض الرئيس وتأكد تعذر حضوره الاستفتاء.. وبعد تكاثر الموت بالكوفيد..ومع ذلك مضت في تنفيذ اجراءات كرنفال الاستفتاء دون اعتبار
image

محمد هناد ـ أهو استفتاء أم استهتار ؟

د. محمد هناد  غدا، الفاتح من نوفمبر، سيجري الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد. ربط الاستفتاء بهذه الذكرى يوحي بما فعله الفيس في انتخابات ديسمبر 1991 حين
image

رياض حاوي ـ لماذا أشجع مارين لوبان كي تصبح رئيسة فرنسا

د. رياض حاوي  انا من انصار المقاربة البنابوية أن الاستعمار هو نتيجة القابلية للاستعمار، وأن الحضور القوي للارادة الفرنسية في الساحة الجزائرية هو بسبب وجود بقايا
image

جباب محمد نور الدين ـ اللقاء مع ماكرون يتلخص في جملة واحدة : أعبد إله الإسلام كما تشاء ولا مكانة لشريعة الإسلام

د. جباب محمد نور الدين  يبدو أن جيشا كاملا من المتخصصين والخبراء كانوا وراء تحضير لقاء مكارون مع قناة الجزيرة ولا استبعد أن
image

عبد الجليل بن سليم ـ شعب عاطفي شعب عنيف شعب سخون ماذا نحن بالضبط ؟!!

د.عبد الجليل بن سليم  دائما عندما التقي بشخص غير جزائري و يكون من المشرق، عندما نقولو بلي أنا جزائر يقول أهل الجزائر دمهم حامي، شعب سريع
image

وليد عبد الحي ـ اليمين الأوروبي والعنف

أ.د.وليد عبد الحي ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل محفزات
image

نوري دريس ـ الحل السحري للسلطة في الجزائر

د. نوري دريس   الأمر الذي يزعج السلطة منذ بداية الحراك, هو رفض الجزائريين للانخراط في احزاب قائمة او تأسيس احزاب جديدة تمثل وتتحدث باسم الجزائريين
image

عثمان لحياني ـ صدفة المفارقة بين أكبر مسجد في افريقيا ورئيس يعالج خارج الجزائر

عثمان لحياني  الصدفة التي تجمع في يوم واحد ، بين افتتاح جامع الجزائر الأعظم للصلاة ، وهو منجز لاشك قيم في عنوانه وعمرانه. وبين نقل الرئيس
image

رشيد زياني شريف ـ عندما لا تعني أكثر من نعم

د. رشيد زياني شريف  السياسة ليست علوم دقيقة ولا تنجيم ولا ...نوايا فحسب، بل قراءة متأنية بناء على تجارب متراكمة ونظرة اسشرافية، من اجل تحقيق الهدف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats