الرئيسية | الوطن السياسي | رضوان بوجمعة ـ العبث الدستوري وممارسة الحكم خارج القانون

رضوان بوجمعة ـ العبث الدستوري وممارسة الحكم خارج القانون

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. رضوان بوجمعة 

 

الجزائر الجديدة 185

 

 

جرت نهار اليوم بمقر المجلس الشعبي الوطني، جلسة التصويت على مشروع التعديل الدستوري، بشكل سريع، وهي الطريقة التي تبين من الناحية الشكلية - على الأقل- العبث والاستهتار الذي يتواصل منذ سنة 1963، منذ أن تم إفراغ المجلس التأسيسي من محتواه من قبل من قرروا الانقلاب على الحكومة المؤقتة بمنطق القوة، وبفرض ثقافة الإقصاء والكراهية.
مهزلة جلسة التصويت ستتبعها خلال 24 ساعة القادمة مهزلة أخرى في مجلس الأمة الذي عين بوتفليقة أغلبية أعضائه، في حين انتخب آخرون بالمال الفاسد في المجالس المحلية في ديسمبر 2018، وسيتفنن رئيس المجلس بالنيابة منذ أفريل 2019 صالح قوجبل في التملق لتبون كما تملق لبوتفليقة والقايد صالح، ليكون دستور عبد المجيد تبون جاهزا لفرضه على الشعب بعد احتفالات أول نوفمبر 2020.

 

شنينن ورفع الأيدي كمقياس للوطنية..

 

رئيس المجلس سليمان شنين أظهر سعادة لا مثيل لها بعد التصويت، جعلته يصف من صوتوا بأنهم "وطنيون عبروا عن وطنية كبيرة"، وهو خطاب ينفي الوطنية ضمنيا عمن عارض أو قاطع أو رفض هذه الوثيقة التي حضرت خارج أي نقاش سياسي، بل تم تحضيرها اعتمادا على توجيهات واضحة، وقال بيان الرئاسة يوم تنصيب لجنة لعرابة" انها الاطار الذي بجب ان لا يخرج عنه دستور 2020".
رغم أن قياس الوطنية برفع الأيدي تذكرنا بعهد بوتفليقة الذي استدعى البرلمان بغرفتيه على مرتين لتعديل الدستور في 2008 وفي 2016، وقد تفنن آنذاك عبد العزيز زياري والعربي ولد خليفة في التملق لعبد العزيز بوتفليقة الذي وصف بكل الأوصاف، فهو المجاهد الأكبر الذي أرجع الجزائر إلى الساحة الدولية ولا يجب التفكير إلا في استمراريته في الحكم، لأن استمراره هو ضمان لوحدة الجزائر وسلمها المدني ولاستمرارية المشاريع. 
سليمان شنين الذي يعتبر من القوى غير المهنية في الساحة الإعلامية والذي استفاد كغيره من مدراء النشر من ملايير الإشهار العمومي وريع الولاء والتملق، وهو صاحب جريدة يومية لا يقرأها حتى رئيس تحريرها، وجد نفسه منذ العاشر جويلية 2019 رئيسا للمجلس الشعبي الوطني رغم أنه كان منتخبا في قائمة حزب عبد الله جاب الله تراسها حسن عريبي - المقرب من شبكات توفيق مدين -، الذي أصر عبد الله جاب الله اليوم على القول بأن نواب حزبه قاطعوا جلسة التصويت.
شنين عينته السلطة الفعلية لرئاسة المجلس كما عينت غيره، وهو نظريا لا ينتمي لا إلى الأغلبية المفبركة ولا إلى الأغلبية الفعلية التي تعبر عنها الأمة الجزائرية منذ 22 فيفري 2019 على الأقل، لذلك نجده يعمل كل شيء من أجل أن ترضى عليه الشبكات والقوى التي فرضته لرئاسة بناية زيغوت يوسف، وهو الموضوع الذي يجعل الكلام عن الدستور مهما كانت قوته وأهميته ومصداقية من صنعه مجرد عبث دستوري، لأن ممارسة الحكم في الجزائر لا يخضع لا للقانون ولا للدستور كأم القوانين، فمنظومة الحكم تفعل ما تشاء وهي تعتقد أنها تحتكر الحقيقة والوطنية وترى ما لا تراه كل القوى الاجتماعية.

 

القرار السياسي يصنع خارج الدستور والمؤسسات..

 

منظومة الحكم في الجزائر لا تحتاج إلى دستور ولا الى قانون، ولا حتى إلى مؤسسات، لأن ممارسة السلطة تتم خارج القانون وخارج الدستور، والدستور والقانون لا يتم استحضاره، إلا بغية تبرير الإقصاء والكراهية والعنف، لأن المنظومة قائمة على ذلك وتأسست على ذلك وضمان استمراريتها مرتبطة بكل ذلك.
فعندما نعود للماضي القريب، كلنا يتذكر أن وزير الدفاع الأسبق خالد نزار صرح لقناة فرنسية ومن قاعة استقبال الضيوف في بيته، أن قرار إلغاء المسار الديمقراطي في جانفي 92 واقتراح دعوة المعارض محمد بوضياف لرئاسة المجلس الأعلى للدولة كانت في بيته، مما يبين أن القرار السياسي يتخذ خارج المؤسسات، كما أن كل القرارات التي كانت تتخذ في عهد بوتفليقة كانت تتم بالشكل نفسه، بل إن شقيقه حسب شهادات الكثير من المتهمين من المسؤولين كان يعين ويقيل ويحاسب ويقرر بالهاتف خارج المؤسسات، كما أن الكل يعرف أن عبد القادر بن صالح مدد له لرئاسة الدولة مؤقتا رغم أن الدستور لا يسمح له بذلك، كما أن قائد الأركان الراحل أحمد قايد صالح كان يتخذ القرارت خارج المؤسسات، وهو من أمر باستدعاء الهيئة الانتخابية لاقتراع 12 ديسمبر 2019 رغم أنه لا يملك أي صفة دستورية ولا قانونية ولا الصفة السياسية، هو الذي كان أيضا نائبا لوزير الدفاع في حكومات بوتفليقة...
لذلك كله وغيره، فإن الحديث عن الدستور في منظومة حكم تسير خارج القانون وخارج الدستور وخارج المؤسسات هو شبيه بالنقاش حول شكل الديكور، وبصرف الملايير على دهن وتزيين عمارات مهترئة مبنية على رمال متحركة.
تسيير منظومة الحكم خارج الدستور وخارج المؤسسات، هو النقاش الأساسي الذي يتفاداه القطيع السياسي الذي صنعته أجهزة منظومة الحكم، والذي يريد أن يفرض نقاشا هوياتيا مصطنعا لمواصلة ممارس التضليل والإلهاء لضمان استمرارية منظومة حكم انتهت تاريخيا وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي وعلى استمرارية الحد الأدنى من مقومات الدولة.

 

شوهد المقال 406 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats