الرئيسية | الوطن السياسي | محمد هناد ـ في «محاسن الاستعمار»

محمد هناد ـ في «محاسن الاستعمار»

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. محمد هناد
 
اللافت للانتباه أنه كلما طالبت السلطات الجزائرية، أو مواليها، فرنسا بالاعتذار (لدواعٍ ذات صلة بالسياسة الداخلية عادة)، تعالت أصوات هناك تشيد بـ «محاسن الاستعمار» والمطالبة بتعويضات هي أيضا ! في الواقع، تلك هي الطريقة التي تنظر بها الحكومات الفرنسية وقطاعات من المجتمع المدني هناك إلى الموضوع حيث الهدف هو افتكاك اعترافات وتعويضات مقابلة من الجانب الجزائري في فائدة المعمرين والحركى على وجه الخصوص، إضافة إلى امتيازات أو تسهيلات أخرى. ذلك هو المعنى الذي يجب أن نفهمه من عبارة «العمل على الذاكرة» الذي يجري حوله الحديث منذ مدة بين الحكومتين. علما أننا، في الجزائر، نستعمل عبارة «الذاكرة الوطنية». لكن إذا كانت هذه الذاكرة وطنية، فما دخل الحكومة الفرنسية فيها ومتى كان للمستعمِر والمستعمَر ذاكرة مشتركة ؟ وفي ما يتعلق بالاعتذار في حد ذاته، هل نحن في حاجة إليه أصلا ؟ ثم علينا أن لا نبالغ في تصورنا للمكانة التي تحتلها الجزائر في رقعة الشطرنج الفرنسية.

 

صحيح، لقد ارتكبت فرنسا في الجزائر من الفظائع ما يعجز اللسان عن وصفه ونحن به مرضى إلى اليوم. (وحتى جبهة/جيش التحرير الوطني ذاتها انساقت أحيانا إلى ارتكاب أعمال عنف ضد الجزائريين). ومع ذلك، يجب أن لا ننسى أن فرنسا استعمرت الجزائر في وقت كانت جميع القوى العظمى تَستعمِر، كما أن الجزائر لم تكن البلد الوحيد الذي تعرَّض للاستعمار إذ هناك شعوب مستضعفة أخرى كثيرة عرفت ويلاته. في ذلك الزمان، «السيادة الوطنية» لم يكن لها معنى إلا إذا كان البلد قادرا على الذود عنها. لم يكن هناك لا قانون دولي ولا منظمة أممية.

أي نعم، فرنسا نقلت حضارتها إلى الجزائر، لكن مفرَغة من حقوق الإنسان وفي صالح المعمرين أصلا، معتبرة أنها احتلت أرضا من دون شعب، أو بالأحرى شعب عمومه غارق في إعادة إنتاج صيغ الماضي البالية. ورغم ذلك، لو قارنا ما بنته فرنسا في أقل من قرن ونصف وما بناه العثمانيون الجباة – الذين سلَّموا الجزائر مكتوفة الأيدي لفرنسا - خلال أزيد من ثلاثة قرون لاستحالت المقارنة.

من معالم الحضارة التي أتت بها فرنسا إلى الجزائر العمرانُ، عكس الدواوير التي بنيناها نحن بعد الاستقلال. مثلا حديقة الحامة – التي تعدُّ من أهم حدائق التجارب في العالم - أسستها فرنسا سنتين فقط بعد احتلالها الجزائر. متحف الفنون الجميلة الذي يضم لوحات لأشهر الرسامين والذي بُني أواخر القرن التاسع عشر وكذا معهد باستور ومستشفى مصطفى باشا الذي شُيِّد سنة1854 (أقل من ربع قرن بعد الاحتلال) وجامعة الجزائر سنة 1909. أما في ما يخص عصب الحضارة العصرية، فقد شقت فرنسا الطرقات في كل مكان ومدَّت خطوط السكة الحديدية إلى غاية الصحراء ؛ طبعا بعرق الجزائريين ودمهم. هذه الخطوط التي انحسرت بعد الاستقلال وتدنت خدماتها إلى الحضيض. كما أوصلت الكهرباء إلى مختلف أرجاء البلاد وطورت الزراعة فيها حيث كانت فرنسا تفخر بأجود المنتجات المجلوبة إليها من الجزائر. وبعد الاستقلال، تردّت أوضاع هذا القطاع وأكلت الخرسانة أكثر أراضيه خصوبة. انظر، مثلا، كيف هي حال سهول متيجة اليوم ! جريمة في حق المجتمع !

إنك لتجد، اليوم، الكثير من الجزائريين يقرّون بذلك، على الخاص طبعا، ويأسفون على أننا أفسدنا ما بنته فرنسا من منشآت وصيغ تنظيم عوض أن نبني عليها. وقد تجد من يختصر لك هذا الإخفاق في مثال توقّف الساعات العمومية والمصاعد مدة قصيرة بعد مغادرة المعمرين الجزائر. طبعا، يبقى من حق كل قائل أن يقول إن ما بنته فرنسا كان لها وإننا لم نطلب منها شيئا. كان عليها أن تتركنا وشأننا.

عوض تسخير موارد الأمة بعد الاستقلال، راح الحكام المتسلطون ممن لم يعرفوا قدرهم يمتهنون الإقصاء، بعد انقلابهم على الحكومة المؤقتة الشرعية التي كانت تتضمن كفاءات عصرية عالية، مشبعة بأخلاق الدولة. هكذا حولوا الموارد إلى ريوع على أساس المشاركة، الفعلية أو المزعومة، في حرب التحرير فكان التهافت عليها لاسيما من طرف الانتهازيين. انظر الأموال الطائلة التي استهلكتها وزارة «المجاهدين» منذ الاستقلال وكذا الامتيازات المخزية الممنوحة لذوي الصفة ! علما أن الجهاد لا يُجزى عليه، ومن قبض مقابلا فهو ليس بمجاهد بل هو مسترزق، ماعدا معطوبي الحرب وأرامل الشهداء وأبنائهم القصَّر. هكذا، صارت مشروعية الحكم لا تُكتسب من خلال رضا المواطنين وحسن إدارة الشؤون العامة، بل عن طريق ما يسمى بـ «المشروعية الثورية» المزعومة المسلَّطة على رقابنا منذ الاستقلال إلى اليوم. وكل من ثار ضد ذلك وجد نفسه متّهَما بالخيانة !

طبعا التاريخ لا يُعاد، لكن لابد من أن نعترف أن كثيرا ما يقع لنا أن نتساءل، على الخاص دائما، ما هي الصورة التي كان من الممكن أن تكون عليها الجزائر اليوم لو طُبِّقت اتفاقيات إيفيان ؟ عروس المتوسط، لاشك في ذلك ! وكذا الحال في ما يخص مختلف البنى التحية من طريق سيار، ميترو وسكك حديدة. وليس ذلك الطريق السيار الأعوج الذي لم ننته منه بعد.

البعض من الجزائريين يتأسفون اليوم، على الخاص مرة أخرى، لما وقع من توترات سياسية وأحداث عنف فور توقيف النار لأنها منعت من بتطبيق اتفاقيات إيفيان، لاسيما في ظل حكم ديغول الذي لابد من الإشارة إلى أنه بدأ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يتحدث عن تصور جديد تماما لعلاقات فرنسا بمستعمراتها. وبعد عودته إلى الحكم، سنة 1958، بسبب أزمة الجزائر أصلا، صار يتدرج في استعمال بعض المفاهيم المحورية في حديث عن القضية الجزائرية مثل «سِلم الشجعان»، «التساوي في المواطنة» بين سكان الجزائر، أصليين وأوروبيين، «تقرير المصير بالمساعدة الأخوية لفرنسا»، «الجزائر الجديدة»، إلى أن بلغ الأمر به حد إنهاء خطبه بعبارة «تحيا الجزائر» قبل عبارة «تحيا فرنسا» أثناء زياراته العديدة للجزائر. لذلك، وبالنظر إلى ما آلت إليه أمورنا اليوم، نستطيع القول إن تطبيق اتفاقيات إفيان، مقترنا بوجود شخصية مثل ديغول في الحكم، كان فرصة أضاعتها الجزائر. مثلا، استمرار وجود الأوربيين في الجزائر بحسب الاتفاقيات المذكورة كان الضمانة الأكيدة آنذاك لمنع الطغيان والوسيلة الأنجع نحو مواصلة المسيرة الحضارية بعد تصحيحها. بطبيعة الحال، هذه الاتفاقيات لم تكن نصا مقدسا بالنسبة إلى الجزائريين، بل كانت قابلة للتعديل كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

أما بالنسبة إلى بعض الجزائريين الآخرين، فيظلون مقتنعين أنه لو كُتب التطبيق لاتفاقيات إيفيان لانطمست هوية البلاد وكأن الهوية أصنام منتصبة لا تعرف التحول ! ثم هل نسينا أن فرنسا لم تستطع طمس هويتنا مدة 132 سنة كاملة من الاستعمار، فكيف لها أن تطمسها، من خلال الاتفاقيات المذكورة، بعدما صرنا أحرارا ؟ وقبل فرنسا، لم يستطع العثمانيون طمس هويتنا على الرغم من أنهم مكثوا هنا أكثر من ثلاثة قرورن ؟ بالعكس، التواجد مع عنصر بشري قوي، مغاير في العرق و/أو الدين، من شأنه أن يفرض عليك التمسك بهويتك ومنافسته، إضافة إلى الاستفادة المتبادلة.

شوهد المقال 61 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats