الرئيسية | الوطن السياسي | طيبي غماري ـ الإنسان التابع والإنسان المواطن والإنسان المريد

طيبي غماري ـ الإنسان التابع والإنسان المواطن والإنسان المريد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.طيبي غماري 
 
يظهر لنا الوضع الوبائي الذي يسود العالم اليوم ملاحظة مهمة يمكن من خلالها قراءة ردود أفعال الناس اتجاه هذا الوباء.
تتمثل هذه الملاحظة المهمة في إمكانية تقسيم العالم إلى ثلاثة مجموعات كبرى: مجموعة الشرق التي تتميز بالانضباط ومجموعة الغرب التي تتميز بالوعي ومجموعة تتوسط الشرق والغرب وهي عالقة بين محاولة الانضباط ومشاريع التوعية.
اما مجموعة الشرق المنضبطة فتبدأ من الصين ليزداد هذا الانضباط قوة وشدة ليصل الى الذروة مع اليبان وكوريا. ثم يتناقص شرقا مع الهند وإيران لينعدم تماما مع دول الشرق الاوسط وافريقيا التي تمثل دول مجموعة الوسط. هذا الانضباط الطبيعي أو لنقل على الأقل التاريخي المتجذر في عقلية شعوب هذه المجموعة أنتج الإنسان التابع الملتزم بما يطلب منه من المرة الأولى، لأنه يدرك أن ما يطلب منه حتى وان كان مناقضا لميوله ولمنطقه فانه مفيد ومنقذ لجماعته.
عند الحديث على الانضباط لا يمكننا الحديث عن الديموقراطية وحقوق الإنسان بل يكون الحديث عن الفعالية فمهما كانت هذه الدول من حيث السياسة وحقوق الإنسان المهم انها ناجحة إلى غاية اليوم في تسيير مجتمعاتها علما انها كلها دول ذات تعداد سكاني هائل وموارد ضعيفة مع ذلك تمكنت من ضمان العيش الكريم لشعوبها بل تمكنت من التربع على عرش الاقتصاد العالمي. فتسيير دولة بتعداد يقارب المليارين لتصبح قوة عسكرية واقتصادية واجتماعية تهدد العالم، سينسينا كلية في نظريات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحداثة. ساعد منطق الانضباط هذا في تنفيذ الاستراتيجية التي وضعتها هذه الدول للتغلب على الوباء فكانت النتائج إيجابية وسريعة وصارمة.
اما مجموعة الغرب الواعية فتبدأ من المانيا وتتجه شمالا ليزداد الوعي قوة ويصل إلى ذروته مع الدول الاسكندنافية وغربا وجنوبا فيتناقص ليصل إلى أدنى مستوياته مع دول جنوب أوروبا الأمريكيتين. تنبني هذه الدول على قوة القانون وعلى الحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية وهذا ما أنتج لديهم الإنسان المواطن الذي يتصرف بحرية تحت طائلة ردع القانون لأي تجاوز لهذه الحرية علما ان حتى القانون يقع تحت طائلة قوانين أخرى كحقوق الإنسان والدستور والمجتمع المدني. معادلة من الصعب تنفيذها الا بوجود دولة قوية وسلطة شرعية تحوز على ثقة الشعب، الشيء المهم في هذه المجموعة أن الوعي الذي يظهره المواطن هو وعي قصري ناتج عن فرض القانون بقوة السلطة، ما يعني أن اي غياب للقوة سيعيد مجتمعات هذه الدول إلى وضع أسوء من وضع مجموعة الوسط. عند تعاملها مع الوباء التزمت أنظمة هذه الدول بنفس البرتوكول تقريبا الذي اعتمد في مجموعة الشرق، لكن النتائج لم تكن مشابهة بل كانت كارثية وهذا لأن الإنسان المواطن يتميز عن الإنسان التابع بعدم الاستجابة من المرة الاولى، فهو لا يستجيب الا بعد التجربة وبعد أن يعي فعلا أن الأمر خطير، وفعلا بدات الامور تتحسن بعد نقاش ديموقراطي حاد وساخن، ومن ثم لم تبدأ نتائج البرتوكول الإيجابية في الظهور الا بعد خسائر بشرية كبيرة.
اما دول مجموعة الوسط التي لم تنتج لا الإنسان المواطن ولا الإنسان المنضبط فتتربع على جغرافية تحتل منطقة الوسط بين الشرق والغرب وتمتلك معظم احتياطات العالم من الموارد المختلفة. وربما لهذا السبب ظلت في معظمها دولا ريعية تهتم بتسيير الريع أكثر مما تهتم بتسيير مجتمعاتها ولهذا أنتجت الإنسان المريد الذي لا ينفذ انطلاقا من انضباطه كالانسان المنضبط ولا انطلاقا من وعيه مثل الإنسان المواطن بل ينفذ انطلاقا من إيمانه، فهو يؤمن بأن شيخه الذي جعل منه مريدا افضل ما أنجبت الأرض والسماء ومن ثم فهو أفضل من يصلح لتسيير افضل دولة واقوى قوة اقتصادية وعسكرية وجدت بين السماء والأرض. لا يمكن اقناع المريد بعكس ما يؤمن به لأن عقله يحتمل إيمانا واحدا، ولذا تجده عدوا للوعي والديموقراطية وعدوا للانضباط والديكتاتورية معا لأنهما يهددان قناعاته وإيمانه فهو يفضل الموت على أن يثبت خطأ إيمانه. مصيبة المريد الذي يرفض تغيير إيمانه انه يقبل بكل سهولة تغيير شيخه، فمن يملك الريع هو من يملك روح المريد وعقله. ولأن علاقة المريد بشيخه والتي تبدو روحية في الظاهر الا انها مادية في الأصل والواقع، فهو دائم الشك في شيخه، ولهذا تولد نوع من المريد التابع للشيخ والشاك فيه فهو يصدقه احيانا ويكذبه احيانا اخرى يبجله ثم يلعنه. 
عند تعامل هذه المجموعة مع الوباء كان الخلل كبيرا في استراتيجيات الدول وفي استجابات الشعوب ومن ثم أصبح الغموض هو المسيطر على الوضع برمته فلا أحد يعلم حجم الكارثة، ففي دولة تفتك بها الحرب والكوليرا والمالاريا يعلن عن تسجيل ثلاث حالات مؤكدة ووفاة واحدة!!! وفي دولة أخرى تتوفر على الأمن وعلى كل الاماكانيات الصحية والطبية يعلن عن آلاف الحالات ومئات الوفيات!!! معظم دول هذه المجموعة فشلت في مواجهة الوباء ومعظمها يرجع السبب إلى المريد الذي يرفض تطبيق إجراءات البروتوكول الصحي. المهم التاكيد هنا على أن المريد الذي تعود على بيع مواقفه لشيخه مقابل حصة معينة من الريع، لا يمكنه بل لا يعرف كيف يستجيب للبروتوكول الصحي بالمجان، وهنا من المهم لدول هذه المجموعة أن تجد مكانا لمتغير الريع في مقاربتها لمحاربة الوباء.
اذن بين تابع يخضع بشكل أو بآخر للديكتاتورية ومواطن يخضع بشكل أو بآخر للديموقراطية يبقى المريد خاضعا للديكتاتوقراطية يعيش وهم المواطنة ويدعي التحرر من التبعية، انه وبكل أسف وضع ما قبل الإنسان، ولذا لا يمكن محاسبته على أخطاء شيوخه الذين أخطؤا الطريق منذ زمن بعيد.

 

شوهد المقال 399 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats