الرئيسية | الوطن السياسي | محمد هناد ـ ملفات الذاكرة ..استجداء الإعتذار من فرنسا

محمد هناد ـ ملفات الذاكرة ..استجداء الإعتذار من فرنسا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. محمد هناد 
 
 
 
عندما نسمع سلطاتنا تتحدث هذه الأيام، بنوع من الصلافة، عن علاقاتنا بفرنسا يُتهيأ للمواطن كما لو كانت هذه العلاقات مقتصرة على «ملفات الذاكرة» التي، صراحة، لا نفهم ما المقصود منها سوى مطالبة فرنسا بالاعتذار للجزائر على ما اقترفه احتلالها لبلدنا من جرائم. غير أن هذه «الملفات» تخص الماضي بينما مشكلات الحاضر أعقد وأشمل بل وأحق بأن يُعتنى بها قبل غيرها.
يجب أن ندرك جيدا أن أية خطوة تخطوها فرنسا في هذا الاتجاه سيكون الهدف منها تحقيق مصالح الحاضر وليس نيل صك غفران من عندنا. علينا أن ندرك أن ما يهم فرنسا، اليوم ودائما، هو تهدئة العلاقات بين البلدين خدمة لمصالحها، مثلما هو الحال مع أي بلد آخر، وليس مشاعر المودة التي هي ثانوية بين الدول لأنها ذاتية. إضافة إلى التعاون في معالجة المشكلات - التي هي في غاية التعقيد أحيانا - الناجمة عن تواجد جالية جزائرية كثيفة بفرنسا وكثرة التنقل لمختلف الأسباب بين البلدين. 
ثم إنه لمن حقنا أن ننتظر من سلطاتنا أن توضح لنا الفائدة التي تتوخاها من إصرارها على افتكاك الاعتذار من الدولة الفرنسية وليس الاكتفاء بالمطالبة به فقط. حسب تصريح وزير خارجيتنا، يتعلق الأمر بثلاث مسائل: «استرجاع كل جماجم المقاومين، الأرشيف والتفجيرات النووية في صحراء الجزائر». فإذا كان استرجاع الجماجم واجبا، بشرط أن يكون من دون إشهار بالنظر إلى طابعه المأساوي، فإن استعادة الأرشيف يطرح مشكلا حقيقيا : هل يتعلق الأمر بوثائق أصلية أم بنسخ ؟ هل مؤسسة الأرشيف عندنا قادرة على حفظها كما يلزم ووضعها في متناول الباحثين ؟ الخوف كل الخوف، أن يُغلق على الأرشيف المسترجع في صناديق إلى الأبد ! أما التفجيرات النووية فلعل الأمر يتعلق، أساسا، بتعويض المتضررين.
لاشك أن أغلب الفرنسيين اليوم لا يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن أحداث الماضي انطلاقا من أنه من الظلم أن يؤخذوا بجريرة أسلافهم وأن الأصح أن يكون بين البلدين مصالح متبادلة ولمَ لا مشتركة تجد ما يقويها في طبيعة العلاقات، ماضيا وحاضرا، بين البلدين. 
إجبار فرنسيي اليوم على ذرف دموع أمام جزائريي اليوم وطلب المعذرة منهم على ما اقترفه من جرائم أسلافهم ضد أسلافنا، يجعلنا كمن يريد أن يعوِّض آلامه الماضية أمام جلاده من خلال التموضع موضع الضحية (victimisation) الذي هو ميل إلى النحيب بغرض إجبار المتسبب في الضرر على الشعور بالذنب ومن ثمة، ربما، تحقيق مآرب منه، هي سياسية في هذه الحالة التي تخصنا، أي إسناد نظام حكمنا المهزوز. 
ومهما يكن، فإن المآسي التي تعرض لها الجزائريون على يد الاستعمار الفرنسي لن تمحي أبدا من الذاكرة الجمعية، عزاؤنا في ذلك أن أسلافنا، بشكل عام، لم يرضخوا أبدا لجبروت الاستعمار وكانوا دائما يقاومونه بحسب ما أوتوا من قوة على الرغم من التضحيات الجسيمة التي كانوا يقدمونها في كل مرة. أما اليوم، فعلينا أن نركز، بكل عقلانية، على مصالحنا في علاقاتنا بفرنسا عوض مواصلة التذكير بالماضي. لقد حان الوقت لأن نتحرر من الاستعمار في أذهاننا ولا شعورنا ونحاول، قدر المستطاع، أن نقف موقف الند في تعاملنا مع فرنسا. 
شخصيا، كنت دائما أعتقد أنه من الأحسن عدم مطالبة فرنسا بالاعتذار أصلا، لتُترك المبادرة لها، على غرار ما فعلته مع الضحايا من يهود فرنسا في عهد حكومة فيشي أثناء الحرب العالمية الثانية، علما أن هذه الحكومة لم تكن، مع ذلك، تمثل فرنسا لأنها كانت عميلة للمحتل الألماني. من المفروض أن يكون من صالح فرنسا أن تعتذر وليس أن نطلب منها أن تفعل لأنها في حالة رفضها سنكون قد أُهِنّا مرتين : احتلال بلدنا في الماضي، وعدم الاستجابة لطلب الاعتذار عنه اليوم. أضف إلى ذلك القانون الصادر بفرنسا سنة 2001 الذي ينص على "اعتراف فرنسا العلني بالإبادة التي راح الأرمن ضحيتها سنة 1915"، أي على يد قوة خارجية متمثلة في الحكم العثماني ! 
كذلك، من الخطأ الجسيم أن نطالب فرنسا بتعويضات مادية لعائلات الضحايا منا لأن ذلك سيكون تجارة بخسة بدماء الجزائريين ومعاناتهم، فضلا عن كونه عملية معقدة ستصر الحكومة الفرنسية على أن تكون في الاتجاهين، خصوصا تحت ضغط «الأقدام السوداء» والحركى وذوي حقوق كل من هؤلاء وأولئك.

شوهد المقال 263 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats