الرئيسية | الوطن السياسي | رضوان بوجمعة ـ الموظف السياسي ومهمة قتل السياسة!

رضوان بوجمعة ـ الموظف السياسي ومهمة قتل السياسة!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.رضوان بوجمعة 
 
 
الجزائر الجديدة 180

 

 

"إن قيادة الحزب كالقطار، بحاجة إلى سكتين، واحدة سياسية والثانية ايديولوجية، وإذا أكثر القطار من المنعرجات فإنه سينقلب، ومشكل الأحزاب الجزائرية هي أن أكثريتها لديها قيادات يسيطر عليها النواب والوزراء، وهذه الفئة تفضل الكراسي والريوع على مصلحة الحزب".
هذا مقتطف من حوار أجريناه مع المجاهد والدبلوماسي امحمد يزيد، نشر في جريدة "اليوم" في ربيع 1999، عشية إعلان الراحل محفوظ نحناح مساندة حركته السياسية لمن وصفه آنذاك ب "المجاهد الأكبر والدبلوماسي المحنك عبد العزيز بوتفليقة".
امحمد يزيد قال هذا بعدما اندهش من انقلاب محفوظ نحناح الذي خلف وعده بمساندة المترشح مولود حمروش، وفي انتقاده لمن خلف وعده حسبه، عاد امحمد يزيد لجزء من مسار نحناح، وانتقد أداء حزبه واداء الأحزاب الجزائرية في غالبيتها، والتي حولت الأحزاب إلى لجان مساندة عوض التنافس على تقديم مرشحين وإنتاج أفكار وتكوين إطارات.

 

الموظف السياسي.. من الحزب إلى الولاية، إلى الوزارة .. إلى القصر الرئاسي

 

تصريحات امحمد يزيد بعد عشرين سنة، تجد الكثير من تجلياتها ومؤشراتها في كل الأجهزة الحزبية، فإن حركة حمس تحولت بسبب موظفي السياسة من النواب والوزراء وغيرهم إلى مصدر للكثير من الانشقاقات، بدليل أن هذا الحزب عرف العديد من الهزات، وولدت من رحم الريع أكثر من أربع أحزاب بعض قيادييها في السجن وبعضهم محل متابعة، في حين يبحث باقي القيادات عن تموقع جديد للحصول على الريع في ظل المخاض الشعبي، لذلك تجدهم يتسابقون في كل الاتجاهات للمشاركة في إجهاض الوعي الشعبي وكسر وتفتيت الحراك الشعبي من أجل إنقاذ النظام الريعي...
كما أن كل الأجهزة الحزبية الأخرى عرفت صراعات وانقسامات بين وزراء ونواب ومنتخبين محليين، يريدون المحافظة على مصالحهم وريوعهم، وأسماء أخرى هدفها أخذ مكانهم، لذلك تحولت هذه الأجهزة إلى مجال لكل الموظفين السياسيين الباحثين عن الريع، يكفي في هذا المجال إجراء بحث امبريقي لكشف عدد الموظفين السياسيين في كل المستويات من الأجهزة الحزبية إلى كل صالونات السلطة، لنكتشف حجم الضرر الذي أدى إلى استئصال الفعل السياسي المنظم في المجتمع، إذ تحولت الأجهزة الحزبية وغالبية أجهزة السلطة إلى قبلة كل الموظفين الذين يعيشون من الريع، فكم من نائب في البرلمان لم يعش يوما واحدا في حياته من عرق عمله قبل دخوله البرلمان، وكم من وزير لم يعمل في حياته، وكم من مسؤول حزب لم يعرف معنى العمل، وكم من اسم تحول من حزب إلى آخر بسبب القائمة الانتخابية ومنافعها... وغيرها من المعطيات.. 
هؤلاء الذين يعيشون من الممارسة السياسية ويختصرون الفعل السياسي في الحصول على الريع، قتلوا فكرة النضال والسياسة في المجتمع، وكل هذا نتيجة خيار نسقي، بدليل أن التعيين في أعلى مناصب المسؤولية السياسية أصبح ممارسة ضمن "موظف" الوظيفة العمومية، فالاستوزار مثلا أصبح بابا يدخله رؤساء الدوائر والولاة، ولذلك غرق الكثير منهم في التسابق على توزيع العقارات والمصالح، ومن أجل تزوير كل الانتخابات بغرض إرضاء من يملكون سلطة التعيين في المناصب السياسية السامية. 
موظفو السياسة موجودون في الأجهزة الحزبية وفي أجهزة الدولة، وهم ولاة ووزراء ورؤساء حكومات، بل إن الاقتراع الرئاسي الأخير فرض موظفا سياسيا في القصر الرئاسي، وهو آخر ما وصل إليه الموظف السياسي، الذي فجر وأضعف الأجهزة السياسية، وغرس الرداءة والولاء في كل أجهزة الدولة، لأن الموظف السياسي هو سلاح دمار شامل يقتل السياسة ويستأصلها من المجتمع، كما يغرس الفساد والريع والرداءة والولاء ويضع لهما جذور أكبر وأعمق من جذور أشجار البلوط، وهي الجذور التي تقضي على جذور كل الأشجار المثمرة، الجذور التي تقتل السياسة وتلهب نيران الفتن في الأوطان كما يلهب الهشيم النار في أشجار البلوط، فمتى تحدث القطيعة مع الموظف السياسي الذي قتل السياسة، ونفتح المجتمع على النضال السياسي الذي يبني السياسة وينتج الأفكار ويبني الحزب والدولة.

 

 

تحرير و تصوير رضوان بوجمعة
الجزائر في 12 جوان 2020
 

 

شوهد المقال 420 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر
image

حكيمة صبايحي ـ التاريخ السخيف الذي نعيش في لحظتنا الراهنة ..من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟

حكيمة صبايحي  من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟ هل نعيش في مملكة، إذا لم يعجب أحدنا الملك وحاشيته، تبرأ منا، وسحب منا الجنسية؟ ويمكنه
image

عبد الجليل بن سليم ـ سحب الجنسية .. دولة هشة....fragile state

د. عبد الجليل بن سليم   سحب الجنسية ....يعني أنه هناك ..... دولة هشة....fragile stateعندما تحمل في يدك قطعة بسكوت و تريد أن تقسمها نظريا انقسامها سهل
image

نوري دريس ـ حول السلطة و منطقها

د.نوري دريس   تعتقد السلطة ان الحراك يقوم به سكان المدن ( الشبعانين), و ان سكان المناطق الريفية( الذين يشكلون ما تسميه السلطة سكان مناطق الظل) غير
image

عثمان لحياني ـ التطهير " التجريد من الجنسية الجزائرية "

عثمان لحياني  "التطهير" والتجريد من الجنسية أسلوب فاشي تلجأ اليه الأنظمة الفاشلة التي همين عليها العقل الأمني. خطورة القانون تتعلق بعدم وجود معرف قانوني وفلسفي واضح
image

العربي فرحاتي ـ " ماكان اسلامي ..ماكان علماني "

د. العربي فرحاتي   من باب ".. لا تقف ما ليس لك به علم.. " أو من باب ..لا تسأل عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .."فلو
image

حارث حسن ـ زيارة البابا وفكرة الأمة العراقية

د . حارث حسن   قرأت اليوم الكثير من الاراء العراقية حول زيارة بابا الفاتيكان الى العراق، تنوعت بين المحتفل والمرحب والمتشكك والرافض، لكن كنت مهتماً ان
image

نصرالدين قاسم ـ جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر حقوق ضائعة ليس وراءها مُطالب

نصرالدين قاسم اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعذيب الجيش الفرنسي الشهيد علي بومنجل واغتياله، ليضع حدا لادعاءات الاحتلال بفرية الانتحار.. ماكرون اعترف بذلك رسميا أمام أحفاد
image

محمد هناد ـ هل تريد السلطة تحويل الجنسية الجزائرية إلى ملكية، تهبها وترفضها لمن تشاء !

د. محمد هناد  علمنا أن وزير العدل قام بعرض قانون الجنسية 86-70 على اجتماع الحكومة بهدف تعديله في اتجاه «استحداث نظام التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats