الرئيسية | الوطن السياسي | خديجة زتيلي ـ لا بديل عن الدولة المدنيّة لقيامة إنسان جزائري جديد ..مقال منع نشره في مجلة ثقافية جزائرية

خديجة زتيلي ـ لا بديل عن الدولة المدنيّة لقيامة إنسان جزائري جديد ..مقال منع نشره في مجلة ثقافية جزائرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. خديجة زتيلي 

 

في الأسبوع الأخير من شهر أفريل المنصرم اتّصل بي الدكتور اسماعيل مهنانة يستكتبني في مجلة ''انزياحات'' الصادرة عن وزارة الثقافة الجزائريّة بوصفه المسؤول عن الشأن الفكري فيها، وكان الموضوع عن ''فلسفة التغيير'' من زاوية الفلسفة السياسيّة، على شرط أن لا يتجاوز المقال 1000 كلمة ،، ووافقتُ ورحبت بالفكرة فأنا أعرف جهود الدكتور مهنانة الفكريّة الصادقة ونشاطه الدؤوب ودوره في محاولة تغيير واقع الثقافة في بلادنا،، وكتبتُ المقال وأرسلته له في نهاية الشهر، ولستُ أدري لماذا كان لديّ شعور قوي بأنّ المقال سوف لن ينشر، وقد تأكدّتْ حدوسي صبيحة هذا اليوم بظهور عدد شهر ماي من ''انزياحات'' من دونه وبعد الاتصال بالأستاذ مهنانة للتأكد من ذلك، والحقّ يقال لقد تفاجأ الرجل! ،، فقلتُ في نفسي لعلّ المقال ضعيف الديباجة سيئ الصياغة مهلهل اللغة، خارج عن الموضوع، ومن حقّ المعنيين بالأمر أن يرموا به إلى سلّة المهملات،، وبقي عزائي الوحيد أن أضعه بين يدي قرائي على صفحتي مستفيدة من ملاحظاتهم ونصائحهم التي سوف آخذها بعين الاعتبارفقد كنت دوما ولا أزال أرحب بالنقد النزيه ،، شكرا مسبقا وعذرا إذا كنت سأرهقكم بقراءة المنشور الطويل .. عنوان مقالي: 
''لا بديل عن الدولة المدنيّة لقيامة إنسان جزائري جديد''.. وفيما يلي نصه:
((لا يزال المشهد السياسي في الجزائر مُلتبساً ويحتاج إلى جهود كبيرة لإصلاح المشاكل والأعطاب التي تراكمتْ على مدار عقود من الزمن. لقد نَخَر الاسْتِفراد بالحكم والاستبداد السياسي البلاد العامرة بمُقَدّراتها وخيراتها الطبيعيّة وبلغ ذُروته في السنوات الأخيرة، ومع إكراهاته وقلّة الحيلة ازداد الناس يأسا وقنوطا ولم تَعُدْ الخطابات السياسيّة الجوفاء تُقنعهم. وكانت الحاجة ماسّة إلى استعادة الثقة والعيش بكرامة والتزوّد بجُرعة تفاؤل عالية فَنَزل الشعب إلى الشوارع قبل عام، في انتفاضات عارمة وغاضبة، لكنّها في الوقت عينه مُسالمة ومتحضّرة لم تُرَق فيها قطرة دم واحدة، يُطالب فيها بدولة مدنيّة تحفظ له حقوقه وتحقّق المواطنة الفعليّة للجميع، وهي مطالب مشروعة تأخّرتْ كثيرا. 
إنّ النُزوع نحو التغيير بكلّ أشكاله من سُنن الحياة، و هو ظاهرة حضاريّة مطلوبة لاستمرار الانسان وتَقدّمه ولبقائه في التاريخ لا خارجه، وتأتي النَكَبات والانكسارات من مُراوَحة المكان والانْغلاق على الذات وعدم الإطاحة بالمعتقدات الفاسدة والأنظمة الشموليّة المغلقة، وتلك هي قَضايانا الكُبرى المصِيريّة التي لم يتمّ الحسم فيها بعد في مجتمعنا و في المجتمعات العربيّة بوجه عام، وبقيتْ مُرتهنة إلى نظرة اسْتراتيجيّة مُستقبليّة وسياسات رشيدة. وسَندفع الثمن باهضا، فضلا عمّا دفعناه، ما لم نقرأ جيّدا أحداث التاريخ الماضية في شكليها المحلّي والعالمي ونتعلّم منها، وما لم نولِ اهتماما لحاضرنا ولمستقبل أجيالنا القادمة بتحليل منظوماتنا الفاسدة أوّلا وتفكيكها والوقوف عند مواطن الضُعف فيها. فلا تَقَدّم يحدثُ من دون الاعْتراف بخسائرنا وخيباتنا وفساد مشاريعنا الماضية وبلا مكاشفة للذات قبل طيّ الصفحة. 
كل انتقال تاريخي نحو بنيات سياسيّة جديدة يرتبط بالوعي ويستدعي إعادة ترتيب الأشياء وتحديد الأولويات، ولعلّ أوّلها في التحديث السياسي المطلوب هو الانتقال إلى دولة مدنيّة انتقالا فِعليّا، ودعني أسميه هنا مشروع اليقظة السياسيّة الضروري في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخنا، فقد باتت مرحلة التغيير غير قابلة للتأجيل في ظلّ إفلاس ما قبلها وعدم تمكّن الانسان فيها من تحصيل سعادته. سيبدو الأمر عصيّا على التحقيق في البدء لأنّنا لم نعرف الدولة المدنيّة في تاريخنا ولا نحن تعوّدنا على ممارساتها، ولكن الطريق إلى الحقيقة هو جزء من الحقيقة كما يقال. ولا يتسّع المجال هنا للتفصيل في مفهوم الدولة المدنيّة، ويكفي أن نقول اختصارا أنّها تلك التي تفصل بين الديني والسياسي، فلا يُستخدم الدين فيها لأهداف سياسيّة ولا السياسة لأهداف دينيّة، لا يتسيّس الدين ولا تتديّن السياسة، فكم من المآسي الفظيعة ارتكبتْ باسم ذلك التلفيق الذي يسعى للجمع بين مفهومين لا يقبلان التضايف، وكم من الدماء سُفِكت في العالم الإسلامي نتيجة لأهداف غير نبيلة. ولن يستفيد من ذلك في نهاية المطاف إلاّ الاستبداد الديني والاستبداد السياسي وهما يضعان يديهما في يد بعض عندما تستدعي المصلحة ذلك. ومن الأهميّة بمكان لفت الانتباه هنا إلى أنّ كلّ لغط عن إقصاء الدين في الدولة المدنيّة لا معنى له وهو لا يعدو أن يكون مجرّد ذرّ للرماد في العيون. 
وحدها الدولة المدنيّة، بوصفها مشروعا عصريّا لبناء دولة القانون والمؤسّسات، هي الضامن لتحقيق المواطنة الحاضنة للتنوّع، فجميع الأفراد يتساوون في ظلّها أمام القانون وفي الحقوق والواجبات، ولا يجب تصنيفهم على أساس اللّغة أو الدين أو العرق أو المذهب أو الجنس، إنّهم أحرار فيما يذهبون إليه طالما يخضعون للقانون. وهذا ما يُعزّز من قيّم التسامح والإيمان بالاختلاف والعيش المشترك والمساواة بين الجنسين وتوطين الحريّة والعدالة الاجتماعيّة. ولكن هذا كلّه لم يحدث في تاريخنا السياسي المعاصر بكلّ أسف! وظلّ الجُرح نازفاً غائراً في الروح، فما عرفْنا سوى الممارسات غير الرديفة لمبادئ الدولة المدنيّة، شكّلت مع مرور الوقت اهتزازات واختلالات في عقولنا ونفوسنا، وما شاهدنا قطّ، على مدار الأعوام الماضيّة، حكم الشعب يتجسد في الواقع العملي رغم أنّه الفيصل في الأنظمة الديمقراطيّة. ويبدو أن تطبيب الداء يحتاج إلى دواء فعّال ومُطبّب ماهرٍ.
يستدعي التغيير السياسي في الدول، لا محالة، إعادة النظر في جميع المنظومات: الاقتصادية والصحيّة والصناعيّة والإعلاميّة وغيرها بفحص بنياتها وآليات عملها، لكن المنظومة التربويّة والتعليميّة، فيما أرى، هي الأكثر إلحاحا ويجب أن تحتلّ الصدارة في سلّم الأولويات في كلّ نظام سياسي وعندنا بشكل خاصّ، نظرا لحساسيتها وأهميّتها في آن معا. فالتعليم في بلادنا وفي المنطقة العربيّة عموما يشكو من علل كثيرة لا يُحسد عليها، مع بعض الاستثناءات بطبيعة الحال، ففضلاً عن طبيعة البرامج التي تعتمد على التلقين وحَشْو الأذهان بالمعلومات التي ينساها التلميذ بمجرّد الخروج من باب المدرسة، فإنّ المناهج تقليديّة وهي لا تتماشى مع المناهج الحديثة للعصر ولا تولي أهميّة للفهم وأخلاقياته. كما يُلاحظ أنّ كثيرا من النصوص الموجّهة للناشئة ذات اتّجاه إيديولوجي أو عنصري أو طائفي أو تحرّض على كراهيّة الأخر، ما يعني أنّ الكثير من مُخرجات التعليم بائسة وأنّ المدرسة تشهد على إخفاقاتنا. سيقول قائل، ماهي العلاقة بين هذا الكلام وموضوع الدولة المدنيّة في هذا السياق؟ 
لا شكّ أنّ العلاقة بينهما وطيدة، نعم وطيدة ! فقيم المواطنة هاهنا مبعثها الأوّل، ففي المدرسة يجب أن يُلقن الطفل الدروس الأولى لمعنى التسامح والعيش معاً وشرعية الاختلاف بمفاهيم بسيطة تتناسب وعقله، وفيها يجب أن يتعلّم احترام زميلته لكي لا تكبر الذكوريّة المرضيّة عنده فيشعر بالمركزيّة والفوقيّة وعدم المساواة بينهما التي تترسّخ في طباعه لاحقا، في المدرسة أيضا يجب أن يتعلّم الطفل كيف يستخدم عقله ويتدرّب على الاستدلال والاستنتاج والمنطق لكي لا يَجْري تدجينه بسهولة في قادم أيامه ويُساق إلى تبنّي إيديولوجيات وعقائد مُتطرّفة وعُنْصرية تُضعف من قيم المواطنة لديه. نعم هنا وفي المدرسة تحديدا تولد اللبنات الأولى للمواطنة الحقّة ومبادئ الدولة المدنيّة، بالتدريب على كشف الوهم وتبجيل العقل واحترام الآراء الأخرى المختلفة والتوسّل بالنقاش الهادئ الرصين. ولكن هل تنهض مدارسنا بهذه المهمّات على أكمل وجه، وهل تُساهم بشكل فعليّ في ترسيخ قيم المواطنة التي هي عصب الدولة المدنية؟ لا شكّ أنّ إصلاح التعليم وإعادة النظر في محتوياته وفي المقرّرات الدراسيّة، لهو مسألة ضروريّة في الوقت الحاضر لبعث قيم جديدة تُزاوج بين المحلّي والعالمي، وتصنع إنسانا متوازنا قادرا على مواجهة مختلف التحديات المعاصرة. إنّ قيم المواطنة الناتجة عن مفهوم الدولة المدنيّة لا تتشكّل بين عشيّة وضُحاها بل هي ممارسة وحياة تبدأ من الأسرة مرورا بالمدرسة ثمّ المجتمع، وهي خليقة بأن تُوَطّن لكي تُنقد إنسانيتنا من التوحش والوهم، ففيها وبها خلاصنا السياسي)).. انتهى..

 

شوهد المقال 178 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats