الرئيسية | الوطن السياسي | رشيد زياني شريف ـ صناعة الواجهات السياسية الوظيفية Political contractors

رشيد زياني شريف ـ صناعة الواجهات السياسية الوظيفية Political contractors

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رشيد زياني شريف 

 

 

في أعقاب انتفاضة أكتوبر 88، شعر الحكم الفعلي بنيران الثورة تقترب منه وتهدد كيانه، وبعد ملاحظته أن جم غضب الثائرين انصب على قسمات "الحزب العتيد" جبهة التحرير وكل ما يتصل بها، باعتبارها رمز الفساد وسبب معاناة الشعب، كونها تشكل الواجهة السياسية لنظام للنظام العسكري المخابراتي، قامت السلطة بمكر ودهاء، في خطوة استباقية، بالتضحية بأمين عام جبهة التحرير الوطني آنذاك، شريف مساعدية، ككبش فداء لامتصاص الغضب واحتواء الأزمة. 
وبعد دستور 89، في إطار الانتقال إلى التعددية الحزبية، كخطوة "تستجيب" لمطالب انتفاضة الشعب، هندستْ السلطة المجال السياسي بتفريخ العشرات من الأحزاب، لتمزيق النسيج الوطني وإنشاء كيانات اصطناعية من دون أي واقع حقيقي في الساحة، بهدف منع بروز قوى سياسية اجتماعية ثقافية ممثلة فعلا لأطياف الشعب الجزائري، تكون بديلة شرعية وفعلية لنظام الحكم السائد منذ 62، ويرفع الغطاء عن الحكم الفعلي المهيمن من خلف الستار. 
وبعد تكشف نتائج انتخابات جوان 90 (المحلية) وديسمبر 91 (التشريعية) بما خيب ظن السلطة وأخلط حساباتها وهزم حيلها، وأظهرت أن المواطنين كانوا أذكى مما اعتقدت السلطة بحيث اسقطوا في تلك الانتخابات كل المغامرين السياسيين المرتزقة، والتف الشعب في معظمه حول ثلاثة أحزاب رئيسية، لم يجد أصحاب القرار "الفاعلون" (Les décideurs) بدا من الانقلاب على خيار الشعب ومنع تشكل سياسي بديل حقيقي، يرفض دور الغطاء وشاهد الزور. 
كان هذا الانقلاب بوابة نحو جحيم فتح البلاد على حرب قذرة كلفت الوطن دمارا بشريا وخراب ماديا، فاق ربع مليون قتيل وآلاف السجناء والمختطفين والمعتقلين في محتشدات الصحراء والمعذبين والمشردين والمنفيين. وفي هذه الجريمة المهولة، تورطت معظم الأحزاب والتنظيمات والشخصيات التي صنعتها مخابر السلطة، في دعم الانقلاب وبيعه، محليا ودوليا، على أنه ضرورة لإنقاذ البلاد. وتم إعادة الاعتبار من جديد لجبهة التحرير الوطني ودفعها إلى الواجهة واستخدامها مجددا كغطاء سياسي لحكم العسكر المخابراتي، لكنها هنا أيضا أخطأت سلطة الظل الحسابات، واضطرت هذه المرة، تصيوبا لخطئها في التقدير، إلى الانقلاب على قيادة جبه التحرير الوطني، برئاسة المرحوم عبد الحميد مهري، عقابا له على رفضه أن يوّظَف الحزب كواجهة لنظام الأمر الواقع، عن طريق انقلاب حجار، الذي أصبح يسمى بالانقلاب العلمي، ثم إنشاء بديلا لجبهة التحرير، التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة أويحيى، الذي هيمن على المجالس بعد3 أشهر فقط من ولادته، حتى أصبح يعرف الـRND بالحزب الذي ولِد بشلاغمو.
واليوم، وخاصة بعد حراك22 فبراير، وثورة الشعب على منظومة الفساد، التي أجبرت السلطة على التضحية (كعادتها لتنجو بنفسها) ببعض رموزها واعتقالهم لتجنب تفكك المنظومة برمتها، وسجن رؤساء أبرز أحزاب الائتلاف، جبهة التحرير الوطني، الأرندي، حزبي غول وعمار بن يونس، إدراكا من السلطة، بان هذه الأحزاب أصبحت عبء عليها وإرثا ثقيلا برواسبه الكارثية، وأن الشعب لن يغفر ولن يسمح لها بالعودة أبدا، بما يسحب عن السلطة غطاءها السياسي الوظيفي. هذا الوضع الحرج (بالنسبة لسلطة)، يدفعها من جديد إلى contre خطة، حسب وصف تبون، لترميم الواجهة، واستبدالها، بوكيل جديد، يكون مستحدثا ويتماشى مع روح العصر، بنكهة حراكية مباركة، من خلال التشجيع على ولادة حزب أو أحزاب ترفع شعار الحراك، وتنفذ أجندة السلطة الفعلية، وبشروطها وامتيازاتها، تماما مثلما سبقتها الأحزاب المعارضة بكل توجهاتها بعد مشاركتها في خطة الانقلاب، بحجة رفض سياسة الكرسي الشاغر والتحلي بالعقلانية وتفضيل "التغيير من داخل السلطة" (أو لنقول تفضيل موائدها على سخطها الظي يودي بأصحابه إلا السجون وقطع الرزق)، وتهيئها لملء مقاعد المجلس التشريعي، المرتقب، لدعم حكم تبون، تعويضا عن أحزاب الائتلاف المستهلكين.
ترمي الخطة، أو الكنر خطة، بالأساس إلى اعتراض طريق هبة الشعب، ومنعه من تحقيق الغرض الذي خرج من أجله، لبناء دولة مدنية، وإرساء قواعد دولة العدل والقانون. نحن الآن، في مواجهة بين إرادتين، الغلبة فيها تكون لصاحب الحق والشرعية والإرادة القوية وروح التضحية وطول النفس، أي من ليس له خيارا بديلا عن المضي قدما نحو تحقيق جزائر الحرية والكرامة والرفاهية، وطي صفحة قاتمة من البؤس والظلم والتعسف، عمرها قرابة 60 سنة.
 

 

شوهد المقال 375 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats