الرئيسية | الوطن السياسي | العياشي عنصر ـ الدستور ليس مجرد مواد قانونية

العياشي عنصر ـ الدستور ليس مجرد مواد قانونية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. العياشي عنصر 
 
يلاحظ ان جميع اللجان المكلفة بإعداد مشاريع المتوالية للدستور تتشكل أساسا او حصرا من المتخصصين في القانون ، والقانون الدستوري بالذات. هذه نظرة تعتمد على تصور خاطئ لما يعنيه الدستور كوثيقة رسمية ترسم خارطة الطريق للمجتمع المنشود والأهداف التي يسعى مجتمع ما لتحقيقها.. اذا نظرنا الىً الدستور بهذه الرؤية فاننا نرتكب خطأً فادحًا بالاعتماد على القانونيين حصرًا ، وتكليفهم هم وحدهم دون غيرهم من المتخصصين بإعداد هذه الوثيقة. طالما ان الدستور وثيقة تحدد المعالم الأساسية لمشروع المجتمع المنشود في كل ابعاده وجوانبه، وهذا شيء لا يمكن للقانونين وحدهم القيام به، بل يتجاوز قدراتهم ومهاراتهم بكثير ، وبالتالي المهمة بحاجة الىً تضافر جهود متخصصين وخبراء من عدد من العلوم؛ بخاصة العلوم الاحتماعية ، أذكر بعضها على سبيل المثال وليس الحصر.؛ علم الاجتماع ، والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية، وعلم الاقتصاد ، وخبراء في التخطيط والاستشراف...الخ.
سأقدم نموذجًا عن هذاالقصور الذي اتحدث عنه بالنسبة للقانونيين ؛ استحضر هنا تبرير اللجنة المكلفة بإعداد مشروع التعديل الدستوري الحالي لاختيارها التركيز على تعزيز النظام الرئاسي بدلا من النظام البرلماني . حيث ورد في الديباجة ما يلي "كما استبعدت اللجنة فرضية النظام البرلماني الذي لا يشكل بديلًا حقيقيًا بالنظر الى السوسيولوجيا السياسبة للجزائر" 
يستدعي هذا التبرير عدة ملاحظات؛
اولا، هل أسست اللجنة موقفها على اساس علمي ؟ ان كان الأمر كذلك فنحن كمتخصصين في علم الاجتماع ومهتمين بالشأن السياسي لم نطلع على دراسات وابحاث حول الموضوع، ونطلب من اللجنة إفادتنا بها . أما إذا كان يقوم على انطباع شخصي وتقدير ذاتي للموضوع، فان ذلك غير مقبول اولا ، وثانيا هناك وجهات نظر اخرىً مخالفة ومواقف مغايرة وربما لها وزن اكثر من وجهة النظر هذه. بدليل ما كشفه الحراك الشعبي السلمي الذي دام اكثر من سنة كاملة وما أفرزه من وعبر عنه من مستوى عال من الوعي والمسؤولية والسلوك الحضاري!
ثانيا؛ في غياب دليل علمي يعتد به فانه لا يمكننا سوى اعتبار هذا التبرير انتقاصا من قيمة الجزائريين بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم العقائدية والسياسية، واعتبارهم قصرا غير مؤهلين لحكم أنفسهم من خلال اختيار ممثليهم بكل حرية ومسؤولية، وهو ما يكذبه الواقع الحالي والتجربة التي عاشتها الجزائر في الفترة الاخيرة ؛ اثناء الحراك الشعبي السلمي وبعده في ظل الظروف الصعبة للجائحة الحالية! 
ثالثا؛ تشكيل اللجنة يكشف ان ليس بينها متخصص في علم اجتماع ! ولا الأنثروبولوجيا ولا العلوم السياسية او الاقتصادية او النفسية ولا بينها خبراء في التخطيط او التنمية المستدامة، او الاستشراف. هولاء منطقيًا وعمليًا بفعل التكوين والخبرة والممارسة العملية الأقرب لمن يمكنهم إصدار مثل هذا الحكم وبتحفظ! 
ثالثًا؛ بعد كل هذا، لا تمثل الملاحظة التي أوردتها اللجنة ادعاءً غير مؤسس فحسب ، من المفترض تفاديه من طرف من يعتبرون انفسهم خبراء وأكاديميين، بل اكثر من ذلك انتقاصا صريحا من قدرة الجزائريين ومستوى وعيهم ، وكفاءتهم في اختيار ما يليق ويصلح بامور حياتهم ! 
بل أسوأ من ذلك تعبر هذه الملاحظة عن نزعة نخبوية في غبر محلها ، وعقلية أبوية مقيتة ، وعن روح الوصاية المتأصلة لدى شريحة من المتعلمين المنقطعين عن الواقع ! ليس غريبا ان تلتقي هذه الرؤية مع التصورات والأيديولوجيات المعبرة عن نزعة التمركز حول الذات، والتمركز العرقي الأوروبي العنصري الذي طالما اعتبر الشعوب الاخرى غير الأوربية غير مؤهلة للديمقراطية ولا تليق بها لأنها تفتقد المقومات الأساسية والضرورية لها!!
أخيرا ، سأذهب أبعد من ذلك بالقول إن القانونيين ليسوا مؤهلين لصياغة مشروع الدستور ، لأن الدستور ليس مجرد مواد قانونية فقط، بل أكثر من ذلك بكثير! وهذا ما يجعلهم غير مؤهلين، لكن ليس هذا العامل الوحيد رغم أهميته ، بل هناك عوامل إضافية ذات طبيعة موضوعية وذاتية، ، فهم بحكم تكوينهم يميلون إلى الشكلانية أو الصورية على حساب المضمون أو الأفكار ! يقدسون الجوانب الإجرائية على حساب الإبداع ، ولعل هذا ما يجعلهم بحكم تكوينهم ووظيفتهم ذوي نزعة قوية نحو المحافظة والامتثالية ، يخافون التغيير ويقاومونه، أي ليسوا مبدعين، بل يرفضون التغيير، ولا يرحبون به ويتجنبونه بقدر المستطاع. 
ختاما ؛ هذا التوصيف او التحليل يخص الشخصية النمطية أو الانموذجية لرجال القانون أو النخبة القانونية عمومًا ، ولا يعني بالضرورة أنهم جميعا يحملون هذه الصفات على المستوى الفردي ! 
لهذه الدواعي وغيرها ؛ أؤكد ان الدستور ليس مجرد مواد قانونية! بل ان الدستور أهم من ذلك بكثير، ولهذا لا ينبغي أن تترك مهمة صياغته لمجموعة من القانونيين ليعبثوا بها، كما فعلوا خلال كل الفترات السابقة !! 

 

شوهد المقال 534 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر
image

حكيمة صبايحي ـ التاريخ السخيف الذي نعيش في لحظتنا الراهنة ..من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟

حكيمة صبايحي  من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟ هل نعيش في مملكة، إذا لم يعجب أحدنا الملك وحاشيته، تبرأ منا، وسحب منا الجنسية؟ ويمكنه
image

عبد الجليل بن سليم ـ سحب الجنسية .. دولة هشة....fragile state

د. عبد الجليل بن سليم   سحب الجنسية ....يعني أنه هناك ..... دولة هشة....fragile stateعندما تحمل في يدك قطعة بسكوت و تريد أن تقسمها نظريا انقسامها سهل
image

نوري دريس ـ حول السلطة و منطقها

د.نوري دريس   تعتقد السلطة ان الحراك يقوم به سكان المدن ( الشبعانين), و ان سكان المناطق الريفية( الذين يشكلون ما تسميه السلطة سكان مناطق الظل) غير
image

عثمان لحياني ـ التطهير " التجريد من الجنسية الجزائرية "

عثمان لحياني  "التطهير" والتجريد من الجنسية أسلوب فاشي تلجأ اليه الأنظمة الفاشلة التي همين عليها العقل الأمني. خطورة القانون تتعلق بعدم وجود معرف قانوني وفلسفي واضح
image

العربي فرحاتي ـ " ماكان اسلامي ..ماكان علماني "

د. العربي فرحاتي   من باب ".. لا تقف ما ليس لك به علم.. " أو من باب ..لا تسأل عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .."فلو
image

حارث حسن ـ زيارة البابا وفكرة الأمة العراقية

د . حارث حسن   قرأت اليوم الكثير من الاراء العراقية حول زيارة بابا الفاتيكان الى العراق، تنوعت بين المحتفل والمرحب والمتشكك والرافض، لكن كنت مهتماً ان
image

نصرالدين قاسم ـ جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر حقوق ضائعة ليس وراءها مُطالب

نصرالدين قاسم اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعذيب الجيش الفرنسي الشهيد علي بومنجل واغتياله، ليضع حدا لادعاءات الاحتلال بفرية الانتحار.. ماكرون اعترف بذلك رسميا أمام أحفاد
image

محمد هناد ـ هل تريد السلطة تحويل الجنسية الجزائرية إلى ملكية، تهبها وترفضها لمن تشاء !

د. محمد هناد  علمنا أن وزير العدل قام بعرض قانون الجنسية 86-70 على اجتماع الحكومة بهدف تعديله في اتجاه «استحداث نظام التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats