الرئيسية | الوطن السياسي | العياشي عنصر ـ الجزائر تعود إلى عهد الملكيات المطلقة

العياشي عنصر ـ الجزائر تعود إلى عهد الملكيات المطلقة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. العياشي عنصر 
 
فاجأ مشروع الدستور الجديد الذي جاء على خلفية توقع فيها الجميع من القوى السياسية والمجتمع إحداث تغيير محسوس في منطق ومضمون الدستور بعد الأزمات الجادة التي عاشتها الجزائر، وعلى خلفية أكثر من سنة كاملة من ثورة شعبية سلمية كان مطلبها الرئيس بعد إبعاد الرئيس المريض من الحكم، ضرور تغيير النظام السياسي وآليات عمله. وحصل ما حصل من انتخابات رفضتها أغلبية المجتمع وقاطعتها، ومع ذلك جرى "انتخاب" رئيس جديد في ظروف يعفها الجميع. المهمان الرئيس الجديد نفسه وعد بتقديم دستور جديد يقطع مع الإرث القديم الذي أوقع النظام في أزمات متعددة حادة بسبب الاختلال الكبير بين السلطات ومنحه صلاحيات سبه امبراطورية لرئيس الجمهورية الذي جمع في يده معظم إن لم نقل كل الشلطات.
لكن المفجأة هي أن مسودة الدستور الجديد كما سميت خالفت كل التوقعاتوأحدثت مفاجأة لا أحد كان ينتظرها لأنها لم تقلل من صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية، بل رسختها وأكدتها وزادت عليها. وهي بذلك تعيد الجزائر إلى المربع الأول الذي عاست فيه طوال الفترات السابقة وخاصة في العقدين الأخيرين. لقد كرس مشروع الدستور الجديد الذي وعد بافتتاح عهد جديد! كرس رئيس الجمهورية بصفته الحاكم المطلق بصلاحيات امبراطورية تتجاوز صلاحيات الملوك في الملكيات الدستورية بكثير، بل جعلت منه ملكا مطلقا يجمع بين يديه جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وحتى سلطات المراقبة. كيفحدث ذلك؟ لنرى ذلك بالتفصيل:
1- يسيطر رئيس الجموهرية على الجيش، حيث هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزير الدفاع الوطني، ويخول له الدستور إرسال قوات جزائرية للعمليات خارج الوطن (هذا تغيير جذري في عقيدة الجيش الوطني الشعبي).
2- يسيطر رئيس الجمهورية على السياسة الخارجية، حيث يمنحه الدستور سلطة تقرير وهندسة الالسياسة الخارجية للدولة وتوجيهها، ولا يملك البرلمان (ممثل المجتمع) حق مناقشة هذه السياسة إلا بطلب من رئيس الجمهورية نفسه أو من رئيس المجلس الشعبي لوطني، أو رئيس مجلس الأمة.
3- يسيطر رئيس الجمهورية على القضاء بصفته رئيس الجلس الأعلى للقضاء، وله صلاحية تعيين عضوين في المجلس، وهو الضامن لاستقلالية القضاء( وهذه مفارقة عجيبة حيث المتحكم في القضاء هو الضامن لاستقلاليته)، وهو الذي يعين رئيس المحكمة العليا، ورئيس مجلس الدولة، والقضاة في المناصب القضائية التي يحددها القانون العضوي.
4- يسطر رئيس الجمهورية على الحكومة، حيث له سلطة تعيين رئيس الحكومة والوزراءن وهو ليس مجبرا أن يعينهم من الحزب الذي يتمتع بالأغلبية في البرلمانن لكن يكتفي باستشراته فقط، ثم يفعل ما يريد.
5-يسيطر رئيس الجمهورية على السلطة التشريعية، حيث يتمتع بحق التشريع بأوامر في حا شغور المجلس الشعبي، رغم وجود مجلس الأمة (المادة 146).يتمتع يسلطة استئثارية بإصدار القوانين التي يوافق عليها البرلمان. (المادة 153). له سلطة الاعتراض على فوانين يصادق عليها البرلمان ويطلب إجراء مداولة ثانية بشأنها مع ضرورة حصولها على الأغلبية المشددة, (المادة 154).يحق لرئيس الجممهورية حل البرلمان، كما يحق له التشريع من خلال التصديق على المعاهدات الدولية (المادة 156). وتجدر الإشارة إلى تغيير جهري جاء به مشروع الدستور يتعلق بمنح الأولوية والمرجعي في تطبيق القوانين للمعاهدات الدولية على حساب القوانين المحليةأو الوطنية. حيث تنص المادتان 158-159على ان القضاء ملزم وجوبا بتطبيق المعاهدات الدولية ومنحها الأولوية على القوانين الوطنية، وهو ما يكرس تبعية القضاء الجزائري للخارج، إنها بادرة غريبة تكرس الهيمنة الخاجية على السيادة الوطنية للدولة. يتمع يس الجمهورية بسلط التشريع من خلالالمصادقة على المعاهدات الدولية، وفي ضوء ما سبق فإن ذلك يعني تقييدا صريحا للبرلمان والحد من صلاحيته في التشريع في موضوعات محددة تغطيها هذه المعاهدات. أكثر من ذلك وأغرب منه هو تفويض المحكمة الدستورية ليس بمراقبة مدى دستورية القوانين الوطنية، بل بمراقبة مدى مطابقة هذه القوانين الوطنية للمعاهدات الدوليةالتي يكون قد صادق عليها رئيس الجمهورية!! ما يعني أن المرجعية لست الدستور الجزائري، بل المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي يصادق عليها الرئيس. 
6- يسيطر رئيس الجمهورية على الأجهزة الرقابية، حيث يمنح مشروع الدستور الجديد للرئيس سلطة تعيين رئيس مجلس المحاسبة، (الماد 96)، وكذلك حق تعيي أربعة أعضاء من المجكمة الدستورية، ورئيس المحكمة الدستورية (المادة 194). كما نلاحظ، فإن رئيس الجمهورية لا يسيطر على السلطة التشريعيةة والتنفيذية والقضائية فحسب، بل أكثر من ذلك يمتع بسلطات رقابية واسعة على جميع هذه السلطات، ويراقب مدى دستورية عمل هذه المؤسسات والأجهزة.
7- يسيطر رئيس الجمهورية على السلطات المحلية، فهو الذي يعين الولاة (المادة 96)، كما يسيطر على المصالح الأمن لأنه صاحب السلطة في تعيين مسؤؤلي الأمن. (المادة 96)، ويسيطر على سلطات الضبط لأنه صاحب الحق في تعيين رؤساء هذه السلطات (المادة 96). 
لعل ما هو أكثر إثارة في هذا المشروع ، هو أنه بالإضافة إلى السلطات الواسعة وغير المحدوة تقريبا التي يمنحها لرئيس الجمهورية، فإن هذا الدستور يخلي رئيس الجمهورية أو يعفيه من أية مسؤؤولية سياسية أزو قضائية. بمعنى أنه في الوقت الذي يمنحه سلطات خيالية أشبه ما تكون بسلطات السلاطين والملك في عهود الملكيات المطلقة ، فإن الدستور لا يخصص اية أليات لمراقبة ومحاسبة الرئيس ومقاضاته في حال ارتكاب خطأ جسيما مثل جريمة الخيانة العظمى، أوأية جنحة جريمة تستدعي محاسبته ومقاضاته. وهذا موقف مخالف تماما للقاعدة القانونية المعروفة والصريحة التي مفادها؛ حيث تكون السلطة تكون المسؤولية. أو بقدر ما لك من سلطة بقدر ما عليك من مسؤولية!! لأن المادة (191) التي تقضيبإنشاء محمكمة عليا لمقاضاة الرئيس ورئيس الجكومة في حال ارتكاب ما يستدعي المحاكمة والجزاء القضائي، لا يمكن تفعيلها في غياب القانون العضوي الخاص بهذه المحكمة، وهي قضبة مطروحة في المادة (177) من الدستور الحالي وتعود إلى 1996ومنذ ذلك الحين تنتظر القانون العضوي ، وسوف تبقى في الانتظار إلى ما لانهاية لأن النظام لا يضع في الحسبا إمكانية أو احتمال محاسبة أو مقاضاة رئيس الجمهورية.
في مقابل كل هذه السلطات والصلاحيات هناك شيء غريب فعلا، هو أن رئيس الجمهورية ينتخب بالأغلبية المطلقة للأصوات المعبر عنها ، ولا يحدد مشروع الدستور أية نسبة للمشاركة في الانتخابات مثلا، أو حد أدنى من المشاركة الت تعطي الئيس المتخب شرعية دستورية. وبالتالي يمكن ان ينتخب الرئيس بتصويت 3 أو4 ملايين من مجمل 20 مليون ناخب يمثلون الهيئة الانتخابية.بل يمكن حت أن ينتخب بأغليية مطلقة أقل من ذلك طالما أن المشروع لا يحدد اية نسبة تمثل الحد الأدنى للمشاركة. ومعة ذلك يعتبر رئيسا شرعيا لكل الناخبين ، بل لكل المجتمع!!
في المقابل ، لا يستطيع الناخبون أو الشعب عموما (صاحب السيدة الحقيقية والفعلية) أن يفعل شيئا لرئيس فاسد او متسلط غير انتظار مرور 5 ستنوات حتى يعاقب الرئيس بعدم الانتخاب عليه وتجديد عهدته. أما إذا كان في العهدة الثانية فإنه لن يتعرض حتى لهذا النوع من الجزاء، لأنه سيتخلى عن السطة بشكل طبيعي عند انتهاء عهدته. ولن يتعرض له احد بالمساءلة والمحاسبة مهما فعل ، ولدينا مثال حي في الرئيس السابق المعزول الذي هدم البلاد وخرج دون محاسبة.
ختاما وفي ضوء ما سبق لنا أن نتساءل ؛ هل هذه هي الجزائر الجديدة التي خرج ملايين من الشعب خلال اكثر من سنة كاملة للمطالبة بها ، وبتغيير النظام؟ هل هذه الجزائر الجديدة التي تتحدث عتها السلطة اليوم؟ هل هذه الجزائر الجديدة التي لا تخلو من ذكرها خطبة من خطب المسؤولين في النظام اليوم من أبسط موظف حكومي إلى رئيس الجمهورية؟؟
كل هذه الدلائل تشير إلى عودة الجزائر إلى عهود الملكيات المطلقة التي عرفتها المحتمعات قبل قيام الدولة الحديثة منتصف القرن الثامن عشر .

 

شوهد المقال 321 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats