الرئيسية | الوطن السياسي | رضوان بوجمعة ـ الدولة المدنية وتجار "البولتيك"

رضوان بوجمعة ـ الدولة المدنية وتجار "البولتيك"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. رضوان بوجمعة 
 
 
 
الجزائر الجديدة 155

 

 

"دولة مدنية ماشي عسكرية"، هذا الشعار الذي يواصل الحراك الشعبي ترديده منذ عشرة اشهر، ولد بعد إقالة أو استقالة الرئيس بوتفليقة في بداية أفريل من السنة الماضية، عندما انتقل الإعلام آنذاك من تأييده لخامسة بوتفليقة إلى التسويق لخطاب "الشعب يفوض الجيش".
هذا الشعار كان ولا يزال واضحا في لغته وفي مغزاه وفي سياقه، وردده الجزائريون والجزائريات ولا يزالون يفعلون ذلك إلى اليوم، وهو هتاف واضح ودقيق، فالشعب رد على خطابات قائد الأركان الراحل الذي أصبح يلقي ثلاثة خطابات أسبوعيا، مع حملة إعلامية رهيبة حولته من قائد أركان، إلى شخص مرادف للجيش بل وإلى شخص لا يمكن للجيش أن يستمر دون استمراره، وراحت الدعاية تختصر كل ما حققه الحراك في قرارات قائد الجيش!

 

ديمقراطيو العسكر ومحاولة الاستيلاء على الشعار

 

الشعب الجزائري رد بهذا الشعار الذي وصفه قائد الجيش الراحل بالشعار المسموم، وهو رد عنيف لكنه مفهوم، لأن الشعب الجزائري بهذا الشعار كان يطالب بتغيير شامل لمنظومة الحكم القائمة على الأمننة والعسكرة.
لكن تجار "البولتيك" الذين لا يعرف الكثير منهم ما معنى العمل، بدليل أن الكثير منهم كان راتب النائب أو الوزير أو المستشار في الوزارة... أول راتب يحصلون عليه في حياتهم، حاولوا الاستثمار في هذا الشعار بما يخدم استراتيجياتهم للتموقع الانتخابي، وفي هذا انقسم هؤلاء بين من يعشق ويتغنى به مع محاولة تحويل الشعار نحو مساره، ومن يعاديه باسم الدفاع عن الدين من أجل التموقع مع أصحاب القرار الذين يعادون مطالب الثورة الشعبية.
وفي هذا وليكون الأمر واضحا، فبين قيطو ما يسمى بالبديل الديمقراطي، الذي تشكله الكثير من الأجهزة الحزبية والوجوه التي ساعدت العسكر في تسعينيات القرن الماضي في الانقلاب على المسار الديمقراطي، والتي تعتقد أن هذا الشعار هو تزكية لمسارها ولتوجهها، رغم أن هذه الوجوه الكثير منها لا علاقة لمساراتها مع مدنية الدولة، لأنها صنيعة منظومة العسكرة، بل والكثير منها كانت تدعو لحمل السلاح لمساندة خيارات العسكر الرافضة لأي توافق سياسي، بل والكثير منها واجهت أرضية العقد الوطني الموقعة في روما سنة 95 بعنف وكراهية لم تشهدها الجزائر من قبل، وفي هذا المجال يمكن العودة إلى الأرشيف للاطلاع على تصريحات الكثير من هؤلاء، من سعيد سعدي إلى رضا مالك والهاشمي شريف... وغيرهم الكثير من ديمقراطيي الثكنات الذين كانوا يدافعون عن خالد نزار والعربي بلخير وتوفيق مدين... برا وبحرا وجوا، وفي كل الصالونات والأجهزة في الداخل والخارج.

 

إسلاميو الأجهزة لتشويه الحراك وأدلجته

 

مقابل هذا، بدأت تتحرك ما يسمى وجوه التيار الإسلامي من إسلامي الأجهزة الذين كان الكثير منهم يتاجرون بالدين وعملوا إما على تبرير قمع إسلاميي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في التسعينيات أو السكوت عن ذلك، ولم يقم بالدفاع عنهم بالأساس إلا علي يحيى عبد النور وحسين ايت احمد وعبد الحميد مهري وغيرهم من الوجوه غير المحسوبة عليهم ايديولوجيا، ويعودون اليوم، ليجدوا أن شعار الدولة المدنية شعار علماني انتج في فرنسا، وهو تصريح يبين أن هؤلاء خارج الحراك فعليا، ولا يعرفون أن هذا الشعار يقوم بترديده الجزائريون والجزائريات عند خروجهم من المساجد، من مساجد باب الوادي إلى مساجد قسنطينة وهران تيميمون وواد سوف، ويعرفون جيدا ما يريده الشعب، لكن هذا التشكيك وهذه الحملة تستهدف خدمة السلطة في طريق التسابق على الكوطات الانتخابية لتجار "البولتيك" الذي لا يعرفون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قدوة، والقدوة هي العمل، وهؤلاء يعيشون في الريع وبالريع و من أجل الريع، ولم يعرفوا في حياتهم متاعب الحياة، لأنهم ببساطة لا يعملون، ويعيشون من ريع النيابة والاستوزار والتمويل الخفي. الدولة المدنية التي ينادي بها الحراك هي دولة القانون والمؤسسات.. هي دولة تحول الجزائري والجزائرية من رعايا إلى مواطنين، ومن هدف من أهداف منظومة العسكرة والأمننة، إلى فاعلين في مجتمع مفتوح يحترم الاختلاف والتنوع، ويتفادى تحول الاختلافات إلى بؤر صراعات والتنوع إلى دائرة لصناعة هويات قاتلة مهما كانت طبيعة هذه الهويات.
لذلك يعلم ديمقراطيو واسلاميو العسكر الذين صنعتهم الأجهزة، أن هذا الشعار هو مطلب لتغيير طبيعة المنظومة، و لذلك يعملون سويا على تشويهه إما بإعطائه مضمونا أيديولوجيا محددا، أو بمعاداته والتشكيك فيه بفرض عودة الثنائيات القاتلة التي سادت في التسعينيات، التي أججتها قيادات من التيارين وأعطت للسلطة المجال للاستمرار بسيادة الانغلاق والعنف والفساد والاستبداد.
هذه القيادات السياسية المتاجرة بالبولتيك، والتي تقتات من تضحيات الشعب، تعرف أن هذه الثورة تسير نحو إنتاج نخبها، وبأنها هي من الماضي المؤكد، ومن أجل ذلك تعمل ودون هوادة على تكسير الحراك وقتل الأمل، لانها ببساطة تكره العمل وتعيش في الريع والغموض، وتسعى للعمل على صناعة التواطؤ من أجل قطع الطريق أمام التوافق التاريخي الذي يعيد الأمة للتاريخ في بناء الجزائر الجديدة المفتوحة والمتصالحة مع ذاتها وتاريخها والتي تفتخر بماضيها وتتحمل أخطاءه لكنها لا تتنكر لأي طرف، لأنها الجزائر التي ستقصي الإقصاء وتكره الكراهية.

 

الجزائر في 5 فيفري 2020

 تحرير وتصوير رضوان بوجمعة

 

شوهد المقال 133 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فوزي سعد الله ـ من قلب الوباء...نتذكَّر عظماء العشَّابين المسلمين في الأندلس والأطباء

فوزي سعد الله   لم تتوفر عند أهل الأندلس شركات متعددة الجنسيات لإنتاج الدواء واحتكاره بدافع الجشع لتعظيم الأرباح.كانت الأندلس تتداوى ذاتيًا بمختلف الأعشاب والفواكه وما نفع
image

محمد هناد ـ تبرعات المسؤولين السامين في الجزائر

 د. محمد هناد  طبعا، من حق سلطات البلد أن تطلب من السكان الإسهام، ماليا، في مواجهة الوباء الحالي. لكن المثل الذي جاءنا من الرسميين (عسكريين
image

وليد عبد الحي ـ أولوية السيناريو الأسوأ في مواجهة " كورونا"

 أ.د. وليد عبد الحي  في مقال سابق هنا : عن السيناريو الأسوأ يتعزز بهدوء .. السيناريو الاسوأ يتعزز بهدوء وليد عبد الحي عند المقارنة بين نسب الاصابة
image

عثمان لحياني ـ نحن الأفارقة.. وفرنسا العريانة

 عثمان لحياني  هل كان على الجزائريين والأفارقة انتظار أزمة كورونا وتصريحات أطباء فرنسيين بشأن اجراء تجارب لقاح مضاد لفيروس كورونا أولا على الأفارقة
image

وفاة الأديب العماني مبارك العامري ..رحمه الله

الموت هو مرحلة الواقع الوحيد الذي لايتغير في هذه الحياةوهو يوم موالي لما بعده...لكن من أثره باقي وفعله قائم "لايموت"مرهق ومؤلم جداً هذا الخبر ومع
image

رضوان بوجمعة ـ ذهب بوتفليقة و بقي النظام الذي فرضه...

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 174   يمر اليوم عام كامل على تنحي عيد العزيز بوتفليقة من رئاسة الجزائر بعد 20سنة من ممارسة الحكم،
image

عثمان لحياني ـ مراجعات الضرورة ..الصحافة والثرثرة

عثمان لحياني  وجدت نفسي أسأل مجرد سؤال ، كم حظي بونجمة وولد عباس مثلا من مقابلة في القنوات والصحف وبكم حظي عالم النازا نور الدين
image

العربي فرحاتي ـ في هذه الذكرى ..كم كنا سنكون سعداء ؟؟

د. العربي فرحاتي   نحن اليوم على مسافة سنة كاملة من فرض تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور على الشعب والالتفاف على مشروع الحراك وتحريفه عن
image

عثمان لحياني ـ من ثقب ابرة .. بوتفليقة

 عثمان لحياني اختار بوتفليقة لنفسه هذه النهاية غير موفقة سياسيا برغم تاريخ حافل ، بعدما أرسى على مدار 20 سنة تقاليد حكم هي خليط سياسي
image

السعدي ناصر الدين ـ فكرت..ترددت..ثم قررت ان أقول : المحاكمات الجائرة للأحرار

 السعدي ناصر الدين  كانت الجمعة 56 المصادفة لـ13مارس2020 فرصة كبيرة لتوسيع وتعميق النقاش الذي بدأ في اوساط الثورة السلمية قبل ايام لوقف المسيرات من اجل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats