الرئيسية | الوطن السياسي | رضوان بوجمعة ـ الرئيس يسجل ضد مرماه !

رضوان بوجمعة ـ الرئيس يسجل ضد مرماه !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. رضوان بوجمعة 
 
 
 
الجزائر الجديدة 150 

 

 

اللقاء الذي جمع الرئيس عبد المجيد تبون بمدراء ورؤساء تحرير الاجهزة الإعلامية العمومية والخاصة، أمس، كشف عن وجود استخفاف كبير برئاسة الجمهورية كمؤسسة وبالصحافة كمهنة، وهو ما يشير لوجود مأزق كبير في فلسفة الاتصال المؤسساتي والسياسي، وفي تصور مهنة الصحافة لدى الكثير ممن ينتسبون لها. 
تعريف الاتصال المؤسساتي في الدرجة الصفر هو مجموع النشاطات والآليات والأدوات الاتصالية التي يتم تطويرها من أجل الدفاع عن سمعة وصورة المؤسسة أو أشخاص في المؤسسة أو أحداث تنظمها أية مؤسسة، ولذلك من هذه الناحية فإن فيالق خبراء الاتصال في كل مؤسسات الدنيا التي تتواجد في كل بلدان المعمورة تعمل على تنظيم الندوات الصحفية أو اللقاءات مع الصحافة مع مسؤوليها في الدرجة الأولى عندما تكون هناك أشياء مهمة يتم العمل على إخبار الناس بها، ولهذا حتى تصل هذه الأخبار يعمل فيالق الخبراء على تحضير كل الأدوات وعمل كل ما يمكن لإزاحة ما يشوش على وصول الرسالة إلى المتلقي، كما يعمل هؤلاء الخبراء على تحضير المسؤول لمواجهة كل الأسئلة، حتى غير المرغوب فيها، في محاكاة يقوم عبرها هؤلاء الخبراء بلعب دور أشرس الصحفيين. من هذا المنطلق اين يمكن وضع لقاء أمس؟ الأكيد أنه من ناحية الاتصال المؤسساتي والسياسي ما حدث أمس تفنن فيه القائمون في الاتصال على صناعة الكثير من عناصر التشويش على الرسائل التي يكون الرئيس مع فريقه قد عمل على ايصالها، وعناصر التشويش كثيرة، أولها اللقاء المسجل، فالكثير من البلدان حتى المتخلفة تتفادى مثل هذه الخيارات الاتصالية مع شخص الرئيس، ولذلك فاللقاء المباشر هو الذي يعطي انطباعا للمتلقي بوجود تلقائية وشفافية في الحوار وهو ليس صحيح في غالب الأحيان، لكن يتم اعتماد ذلك لإقصاء عنصر من عناصر التشويش حتى تصل الرسالة التي يراد ايصالها، والعنصر الثاني في تشويش أمس كان تركيب هذا اللقاء، والواضح أن الذي قام بالمونتاج يكون تحت ضغط الوقت وضغط فريق الاتصال الرئاسي الذي أول بعض التصريحات والإشارات والحركات وزوايا التصوير على أنها قد تضر شخص الرئيس، ولذلك تحت هذا الضغط حدث الذي حدث من مونتاج المونتاج، والذي أعطى صورة سيئة عن المتحدث وعن المؤسسة التي يتحدث باسمها، وعن الجزائر الذي من المفروض أن تكون صورة الرئيس جزء من صورتها. 
العنصر الثالث المشوش على وصول ما كان من رسائل مفترضة، هو الديكور، وهو خيار أقل ما يقال عنه أنه لا يقوم به حتى الهواة، وهو ما يفسر تعشش الرداءة في كل الأجهزة، فالوان الزرابي وكثرتها وزاوية الطاولة بكراسي خضراء فارغة.. وغيرها، كلها عناصر تجعل المشاهد لا يستمع للرسالة ولكنه يهتم بكل هذا الكرنفال في الديكور. 
العنصر الرابع المشوش، هو تركيبة مدراء و رؤساء التحرير الذين التقوا الرئيس، فأول ملاحظة عدم وجود أية صحفية رغم أن مهنة الصحافة في الجزائر تأنثت، وما حدث أمس أعطى الانطباع بأننا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كما أن غالبية هؤلاء المدراء الكثير منهم معروف عنهم الدعاية لكل خيارات السلطة من زروال إلى بوتفليقة إلى بن صالح... وغيرهم، كما ان إيماءات وجوه الكثير منهم كانت تعطي صورة لملحقين صحفيين أكثر منهم صحفيين مهمتهم التعبير عن انبهار بما يقول الرئيس وهو أكبر تشويش على كل رسالة يتم العمل على ايصالها، ولذلك فأسئلة هؤلاء وطريقة كلامهم أعطت الانطباع بأن مهنة الصحافة في الجزائر مرادفة للدعاية ولا علاقة لها بالمهنة، بدليل أن أسئلة من تحدث أو ما بث على الأقل اطنبت في شكر الرئيس والتنويه بفتح قصر الرئاسة أمامهم، ولم يتردد بعض الصحفيين بطأطأة الرؤوس تأييدا لما يقول المتحدث.
العنصر الخامس في لقاء أمس هو غياب الرسالة، بمعنى أن ظهور الرئيس كان هدفا في حد ذاته، تماما مثلما كان الاقتراع السابق هدفا في حد ذاته، لذلك فإنه لم تكن هناك دواعي للقاء من حيث استراتيجية الاتصال المؤسساتي، لأن هدف الاتصال المؤسساتي لم يتحقق، وهذا يعود إلى غياب الرؤية، رؤية الدولة وغياب المشروع، بل العكس هو الذي حدث، حيث أن خرجة أمس تحولت إلى إساءة لشخص الرئيس وللمؤسسة التي يمثلها ولصورة الجزائر ككل، حيث ما كان لخصوم الرئيس أن ينجحوا في ذلك حتى ولو صرفوا الملايير، لأن الرئيس أمس أعطى مرة أخرى صورة لمنظومة ماتت وانتهت، فصورته أمس تشبه صورة فريق كرة قدم يلعب مقابلة في عقر داره بحكم موالي له، وفي غياب كامل لأنصار الفريق المنافس، ويفشل في تسجيل أي هدف رغم أن الشباك كانت فارغة، بل والذي حدث أن هذا الفريق سجل ضد مرماه رغم كل ما جُند لضمان نجاحه، باختصار لأن روح الفريق غائبة بسبب غياب المشروع والرؤية، و باختصار لأن الفراغ لا يمكن ملؤه بالفراغ. 
الجزائر في 22 جانفي2020
 
 


 

شوهد المقال 182 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats