الرئيسية | الوطن السياسي | رياض حاوي ـ التبونية وخطرها على الاقتصاد

رياض حاوي ـ التبونية وخطرها على الاقتصاد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.رياض حاوي 
 

اليوم يتم تنصيب الرئيس الجديد للجزائر، وامامه رهانين أساسيين الرهان السياسي حتى تعبر الجزائر إلى بر الأمان وتؤسس دولة الحق والقانون ونبدأ الخطوات الاولى الجادة نحو الانتقال الديمقراطي الهادئ والآمن.. والرهان الاقتصادي حتى تتمكن الجزائر من تحقيق معدلات نمو معقولة وتجنب الدخول في فخ المديونية الخارجية والمتوقع أن نصله بعد سنتين بعد أن ينضب الاحتياطي من العملة الصعبة لتسوية العجز في مداخيل صادرات النفط وهو العجز الذي لا يمكن تفاديه إلا إذا ارتفع معدل سعر النفط إلى أرقام قياسية جديدة. 
من الناحية السياسية تواجه الرئيس مشكلة أخلاقية تتعلق بابنه المقبوض عليه في قضية الكوكايين.. وهو الملف الذي سيضغط عليه باتجاهين سواء بقي في السجن بأحكام نهائية أو تم إطلاق سراحه مما يبعث شبهة التدخل السياسي الأمر الذي لم تعد تقبله الجزائر الجديدة.
الإشكالية الثانية تتعلق بالملفات السياسية الأخرى وعلى رأسها ملف الدستور والتعديلات الدستورية وشكل نظام الحكم وقانون الانتخابات والأحزاب.. وهذا يطرح اشكالية أخرى تتعلق بالابقاء على برلمان الأفلان والأرندي لمناقشة هذه القضايا المصيرية.. الأمر الذي يجب ان يجعله يخرج من دائرة التردد. ونأمل أن تتحقق بعض التسريبات التي تقول أن السلطة الفعلية حزمت أمرها على حل البرلمان ومجلس الامة في اجل اقصاه أفريل المقبل حتى تتفرغ لبعض الوجوه التي لا تزال تحتمي بالحصانة.. خاصة أن وجود اللجنة المستقلة للانتخابات وتعزيز دورها كاف للخروج المؤقت إلى برلمان جديد. وحتى نخرج من حكاية البيضة والدجاجة.
على المستوى النقاش الدستوري لست متفائلا كثيرا في بعض الجزئيات.. فعبد المجيد تبون من نفس المدرسة التي تعتبر استمرار النظام المختلط بشكله الكارثي وازدواجية السلطة التنفيذية بين رئيس جمهورية يأكل الكاكاو ويعمل فقط البوليتيك ورئيس وزراء يسير الشأن اليومي.. فإذا تدخل في نشاط رئيس الحكومة سنعود لازمة بن بيتور وبن فليس مع بوتفليقة.. وإذا لم يتدخل فستصبح البلاد في يد رئيس وزراء غير منتخب.. كما حدث مع اويحي والسعيد.. نحن في الجزائر في حاجة ماسة إلى الخروج من ازدواجية السلطة التنفيذية في أسرع وقت.. تخفيفا للميزانية العمومية من جهة واسناد المهام التنفيذية للرئيس المنتخب (نظام رئاسي واضح مثل تركيا او امريكا) او رئيس الوزراء المنبثق من أغلبية في البرلمان سواء اغلبية انتخابية او اغلبية نتيجة تحالف احزاب ويتولى الشأن التنفيذي.. مثل المانيا وبريطانيا وماليزيا وسنغافورة ومعظم الدول التي تحققت فيها نهضة حقيقية.
للأسف لست متفائل في هذه النقطة فتبون هو نتاج منظومة تعمقت في فكرة "الفوزيبل".. على الطريقة الفرنسية.. 
ولعلنا نتذكر قليلا ان عهد بومدين كان النظام رئاسيا كاملا فهو الرجل الأول في الدولة وهو رأس السلطة التنفيذية الذي يباشر المهام اليومية.. ولما قامت "الجماعة" بتعيين الشاذلي بن جديد اكتشفوا بعد فترة محدودية في التواصل وضعف في ملأ المكان الرئاسي والإلمام بالجوانب التقنية فاستنجدوا بالنموذج الفرنسي البائس واستحدثوا منصب رئيس الوزراء وسلم المنصب للمجاهد عبد الحميد الإبراهيمي خريج الجامعة البريطانية في الاقتصاد باعتباره رجل تقنوقراطي وكان يسموه عبد الحميد لاسيونس حتى يتجاوزوا نقاط ضعف الرئيس التواصلية والمامه بالجوانب التقنية في التسيير اليومي.. واستمر هذا الشكل الهجين.. فبوضياف كان مكلف بالواجهة السياسية بينما بلخير وبقية الفئران الاستئصالية المندسة في دواليب السلطة تقوم بالتسيير اليومي ونفس الأمر حدث مع زروال ولما جاء بوتفليقة أراد أن يستولي على صلاحيات رئيس الوزراء لمزيد من الحضور وملأ المكان فحدث صدام مع أحمد بن بيتور وفي رسالة استقالته وضح العبث البوتفليقي بالمؤسسات وتكرر نفس الأمر مع بن فليس.. ثم اكتشف لاحقا بوتفليقة اهمية النظام الديغولي الملكي المختلط.. فقام عبر مساره الطويل بتشكيل 20 حكومة بمعدل حكومة في السنة حسب بعض الصحفيين الذين تتبعوا عدد الحكومات التي استهلكها.. وما تبع ذلك من آلاف الوزراء.. بل وصل به الأمر العبث حتى بالاغلبيات البرلمانية بين جهازي السلطة.
باختصار لست واثقا أن تبون مستوعب لهذه التغيرات الواجب إدخالها بشكل جذري على الجهاز التنفيذي.. وحتى عامل السن فالرجل هرم وسيجد أن الاستعانة بخدمات رئيس حكومة أمر مهم جدا يساعده على تحمل رهانات التسيير اليومي.. وآمل أن يدرك الجميع أهمية إحداث قطيعة جذرية مع تجربة الفوزيبل الفرنسية، وجعل رئيس الوزراء مجرد واجهة يقوم بالتسيير ويتم تغييره لأي سبب.. 
ولعل من محاسن الصدف التأمل في التجربة البريطانية مؤخرا وكيف يتحمل رئيس الوزراء مسؤوليته كاملة.. وعندما لا يجد الدعم الكافي من البرلمان المختل يعود للشعب حتى حصل على الاغلبية المريحة انتخابيا لتنفيذ برنامجه.. في المقابل نجد النظام البهلواني الفرنسي على العكس تماما.. عندما انطلق حراك السترات الصفراء قبل سنة قدم رئيس الحكومة تنازلات عينية للسترات ولكن لم تعجبهم.. فبعدها ببضعة ايام قام ماكرون بتصريح جديد بالغاء الضرائب.. فماذا كان دور رئيس الوزراء مجرد بالون اختبار.. هذا العبث الدستوري يجب ان يتوقف.. ونفس الامر هناك ازمة سياسية وازمة ثقة في فرنسا تتفاقم يوما بعد يوم ويقف الرئيس عاجز عن الدعوة لانتخابات مبكرة لسحب فتيل الاحتقان.. وحتى لا يبدو ضعيفا امام الاغلبيات الجديدة التي تشكلت في الشارع الفرنسي.. في حين لو نفس الازمة انفجرت في بريطانيا لحسمت بالانتخابات كما حدث مع محاولة حزب العمال عرقلة البريكسيت في البرلمان بعيدا عن قرار الشعب..
وحتى النظام الهجين التونسي المعتمد بعد الثورة واثناء تطبيقه اصبح يشبه نوعا ما النظام اللبناني الغريب. نظام المحاصصة وهذه غلطة كبيرة ساهمت فيها النهضة مجاملة للسبسي. السلطة التنفيذية موزعة بين الرئيس المنتخب والبرلمان الذي تحوز فيه النهضة تفوقا وليس اغلبية وهاهو البلد معطل بدون حكومة رغم مرور اشهر.. الرئيس المنتخب بكثير من الحرارة هو ايضا عاجز عن التاثير في الاحداث. الفرقاء السياسيين متخاصمين.. ولولا هذا النظام الذي اعتمد في تونس بعد الثورة وتم تبني النظام الواضح برلمان مثل بريطانيا او رئاسي مثل امريكا كان يمكن دخول تونس عملية السير الطبيعي لو كان انتخاب الرئيس يعني انتخاب الجهاز التنفيذي نقطة إلى السطر بدلا من هذا البهلوان السياسي الذي يجعل الشعب في حالة احتقان والثورة في حالة ضياع. 
للاسف ساهم السبسي، واتوقع ان يساهم تبون مثل السبسي، في عرقلة تحول تونس إلى احد النظم الجديدة اما برلماني بحت أو رئاسي بحت.. برلماني بحت يعني الحزب الفائز بالاغلبية او مجموعة احزاب متحالفة على برنامج انتخابي يشكل الحكومة.. ونمر مباشرة للعمل بدلا من هذا السيرك السياسي الفرنسي المطبق في تونس والجزائر.. وعلينا ان نتذكر ان المافيزوي السعيد لم يدخل إلا من هذه الثغرة الدستورية.. 
هذا السيناريو يمكن تفاديه اذا اعتبرنا ان تبون هو جزء من مشروع السلطة الفعلية.. وان البرنامج برنامجها.. اما اذا ترك الأمر له فستكون خيبة كبيرة في هذا الجانب.
خيبة الأمل الثانية هي علاقة تبون بالملف الاقتصادي.. 
في هذه المرحلة اذا فشل تبون في تشكيل حكومة دينامكية وحاول فرض طرقه في التسيير كما رايناها في كوارث مشاريع السكن التي اشرف عليها وبعض ما سمعناه في حملته الانتخابية فانه يبعث على القلق.
الرجل خريج مدرسة الرداءة وعاصر أزمنة الرداءة والسرقات والعصابات.. واطلاعه على النماذج التنموية العالمية محدود والمامه بالتجارب الجديدة يبدو محدود جدا.. فهو من جيل يؤمن أن الدولة فاعل رئيسي في الاقتصاد.. والإدارة تخلق النمو.. الدولة تبني وتوزيع السكنات ويمكن ان تبني مصنع زيت في ادرار أيضا.. والدولة تملك المال.. هكذا يفكر..
ولذلك الأمل في الاقتصاد ليس في التبونية بل في الحكومة التي ستتشكل للتجاوز اشكالية نمط التسيير والادارة التبوني الذي رأيناه في مشاريع السكن التي مولتها الدولة باموال دافعي الضرائب وكانت النتائج متواضعة مقارنة مع المغرب مثلا الذي في نفس الفترة قام بتحديث نسيجه العمراني باموال اقل وفعالية افضل ومعروض سكني أجمل واحسن.
وطالما لا يزال يؤمن أن مشاريع السكن هي انجاز من انجازات رئيس العصابة فخامته بوتفليقة.. فان التبونية ستكون استمرار الكارثة والنزيف المالي الذي صاحب هذه المشاريع.. 
التبونية الاقتصادية اذا احسنا بها الظن فهي الكنزية التي تؤدي دائما إلى اختلال في التوازنات المالية للدولة، واذا قيمناها في ظل التجربة الجزائرية هي الكنزية المخلوطة بالعشوائية. تنشيط الاقتصاد عبر خلق العجز في التوازنات المالية.. التسيير بالعجز في بريطانيا او امريكا ممكن طالما ان امريكا يمكنها طباعة الدولار او اصدار السندات وبالمقابل تحصل على منافع وخدمات وسلع حقيقية لان الناس حول العالم يثقون ويحبون الدولار اكثر من سلعهم.. وطالما كان يردد ملتون مستنكرا للكنزية الامريكية.. لا اجد احسن من طباعة ورق والحصول على سلعة عينية..
لكن الكنزية التبونية المتوقعة لا تملك عملة يمكن استبدالها بسلع وإصدار أوراق الدينار وشراء سلع من الخارج لان 80% من احتياجاتنا نمولها بارباح شركة سونطراك من النفط بعملة الدولار.. فالدينار خارج الجزائر ليس له قوة تبادلية. 
من هنا يبدا مازق التبونية الاقتصادية.. والتي اذ طبقها بنفس جنون مشاريع السكن ومشروع مسجد الجزائر سندخل المديونية الخارجية باسرع مما يتوقع الخبراء..
الكنزية اعتمدت أساسا على فكرة تنشيط الطلب.. باعتبار ان الكساد (فائض في العرض) سببه نقص في الطلب. ونقص الطلب بسبب نقص السيولة لدى المستهلكين. وطبعا لا يمكن طباعة الأموال وتوزيعها على الناس من فراغ من اجل توفير السيولة.. لابد ان تكون تلك الاموال مقابل جهد.. وهنا جاءت فكرة مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تمتص البطالة وتخلق جهدا وعملا يتم تمويله بالانفاق الحكومي عبر العجز أو طباعة النقد أو خلق القروض وفقا لمعادلات رياضية دقيقة لتفادي التضخم وانهيار العملة. لا ننسى ان عمنا كينز قبل ان يكون رجل اقتصاد هو استاذ رياضيات اهتم بالاحصاء. 
وهنا ظهر مفهوم اثر التضاعف Multiplier Effect.. الانفاق الحكومي في البنية التحتية يؤدي إلى تضعاف الانفاق في بنية الاقتصاد مرة ونصف او مرتين. يعني كل دولار ينفق حكوميا على مشاريع البنية التحتية يؤدي إلى خلق ثروة بـ 1.5 دولار في السوق. وفهم هذا الأمر سهل. طبعا كينز متحكم في المعادلات الرياضية ويعرف ما يقول وليس مثل تبون. كينز كان يشتغل في اقتصاد متكامل ينتج كثيرا من حاجياته، فالمشروع الحكومي ينشط الاقتصاد الداخلي بالعملة المحلية. 
الكنزية تنجح بشرط واحد فقط.. أن 80% من احتياجات الاقتصاد تنتج محليا.. وهذا طبعا ممكن في الاقتصاديات المتكاملة مثل بريطانيا وامريكا وغيرها.
ولكن بمجرد دخول العملة الصعبة في المشهد تفشل الكنزية في تحقيق أهدافها بسبب الحاجة إلى استعمال رصيد العملة الصعبة وهذا يؤدي استنزاف الاحتياطي من العملة الصعبة.
ولكن عندما تكون كل المنتجات محلية فان الاصدار النقدي او التمويل بالعجز يلبي حاجة التبادل بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين المحليين ويحقق منافعهم. مع ضرورة التحكم في سعر الفائدة ونسبة التضخم حتى لا تنعكس الامور سلبا ويحدث انهيار في قيمة العملة.
ولفهم هذا نضرب مثالا توضيحيا
نفترض تقرر الحكومة بناء مبنى برلمان جديد..
هناك مشهدين
الأول:
مكتب الخبرة الهندسي جزائري يدفع له بالعملة المحلية
الاسمنت مصنوع في الجزائر اي بالعملة الجزائرية
الرمل
الاسلاك الكهربائية تنتج محليا
الحديد يستخرج من مناجم محلية وتدفع التكلفة بالعملة المحلية
النجارة
المهندسيين 
العمالة 
انواع رفيعة من الرخام محلية الصنع
الثريات وآلاضاءة
الخ من احتياجات المبنى كلها تمول بالعملة المحلية.
المشهد الثاني: التبوني البوتفليقي الذي تم تطبيقه في مشاريع السكن 
مكتب الهندسة والتصميم أجنبي يدفع له بالدولار
الشركة المنفذة اجنبية يدفع لها من الدولار
الاسمنت مستورد بالدولار
الحديد مستورد بالدولار
للاسف الشديد: العمالة مستوردة.. العمالة الرخيصة مستوردة.. بحجة ان الجزائري كسول لا يعمل..(وهذا نقيض الكنزية)
كل متعلقات المشاريع تم استيرادها..
استيرادها يعني أخذ اموال من مبيعات النفط وتحويلها للناس في الخارج..
وهذا ما لم يوص به كينز في حد ذاته..
من خلال هذين المشهدين نستطيع أن نفهم العقلية التبونية الاقتصادية وهي امتداد لعقلية زعيم العصابة بوتفليقة وامتداد للتقاليد الجزائرية منذ الاستقلال.. طالما النفط موجود فهو قادر على تغطية المصاريف.. وهذا ماحدث في مشاريع السكن.. ولم تستفد الجزائر من اثر التضاعف..
فكرة اثر التضاعف استفادت منها كثيرا من الدول، لانها لا تقوم فقط ببناء المنشئات بل كثير من الدول تلجا لها لخلق الخبرة الاجتماعية.. ملايين العمال المحليين والمهندسين والاطارات الادارية والبنايين واعوان الحراسة ومصممي البرامج يكتسبون المهارة والخبرة لما يتم توظيفهم في مشروع ضخم لمدة ثلاث او اربع سنوات وهذه الخبرة بعضهم يعمل في مجال الكهرباء وبعضهم السباكة وبعضهم البلاط وغيرها من المهن أي مرشة تدريب دقيقة باشراف دقيق وهذه يعود نفعها على المجتمع وتزدهر الخبرة الاجتماعية بداخله.. ولكن للاسف التبونية البوتفليقية استهلكت ملايير الدولارات لبناء السكنات على طريقة المفتاح في اليد وهذه الملايير بدلا من ان تخلق الاثر المضاعف في الاقتصاد تسربت خارج الاقتصاد الوطني وذلك باستيراد كل احتياجات الجزائر لانجاز السكنات بل حتى العمالة تم استيرادها من الخارج.. 
ورغم انه تم انجاز مليون وحدة سكنية حسب ما يقولون ومع ذلك المواطن العادي لا يجد سباكا قريبا من حيه لان حتى السباكين جلبهم تبون وبوتفليقة من الصين.. المبالغ المحولة لم تدخل لبنية الاقتصاد الجزائري وفقا للنظرية الكنزية بل تدفقت لانعاش الشركات الاجنبية وشراء البضائع الاجنبية.. وتقليص البطالة على الأجانب. وبعض التقارير تقول ان في الجزائر هناك حوالي 50 الف مواطن صيني، يتم دفع رواتب لهم بالعملة الصعبة بمعدل 300 اورو شهريا وفي تقرير متلفز في قناة اجنبية تحدث العامل الصيني انهم يدفعون له 400 اورو بينما زميله الجزائر يدفعون له ما يعادل 150 في ذلك الوقت حسب التصريحات.. يعني اهم هدف من اهداف الكنزية وهو تقليص البطالة وخلق الاثر المضاعف على الاقتصاد وتكوين الخبرة الاقتصادية والفنية لم يتحقق. بدلا من ذلك تاخذ العمالة الاجنبية الرخيصة حوالي 2 مليار دينار شهريا رواتب، وهي ليست عمالة راقية. وهذا لا يعني رفض العمالة الاجنبية، ولكن تلك التي يجلبها الخواص وليس التي تدفع رواتبها من أموال دافعي الضرائب فهذا غير معقول. خاصة أن هذه العمالة تضطر للقيام بتحويلات للعملة الصعبة للبلد الأصلي.. فنحن نخسر من عدة جوانب.. . 
هذا نموذج من التكفير الاقتصادي الذي يهمن على جيل تبون يجعلنا قلقين جدا من قدرته على التحكم في الملف الاقتصادي اذا اشتغل بنفس الطريقة التي ادار بها ملف السكنات.. ففي الوقت الذي مليون وحدة سكنية يمكن ان تخلق الاف المصانع الصغيرة والاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة كما يحدث في ماليزيا وكوريا وحتى الجارة المغرب نجد لا شيء من ذلك تحقق. مع خطورة تضخم الفواتير كما يررد هو نفسه في كل مناسبة. 
ويكفي ان نقارن نقارن بين كلفة السكن في المغرب وفي الجزائر.. فالسكن الاجتماعي المغربي يكلف جاهزا ما يعادل 25,987.53 دولار او 25 مليون مغربي وبمواصفات افضل من نظيره الجزائري مع حرية الاختيار للمواطن دون طوابير انتظار عبر تحريك النظام المالية ودورة التعمير المحلية بينما في الجزائر يكلف حسب تصريح قديم للرئيس تبون 4 مليون دينار او 400 مليون سنتيم أي في حدود 33,509.26 دولار بزيادة حوالي 7000 دولار. بل ان سكنا ينجزه مقاول صغير بمواصفات عالية لا يتجاوز 400 مليون سنتيم جزائرية بخبرة مغربية.
هذا العبث كان ممكنا في سنوات ماضية لما كان النفط فائضا ومداخيل الجزائر وصلت إلى 60 مليار في السنة.. اما الآن فان الميزانية العمومية سجلت عجزا سنويا طيلة الاربع سنوات الماضية.. ويتم تغطية العجز من احتياطي الصرف.
وباختصار شديد
تبون عليه ان يتفرغ لتهريج الملف السياسي.. ويغسل يده من الملف الاقتصادي فلا سنه ولا تكوينه ولا تجربته تسمح له بادارة جيدة لهذا الملف..
نأمل أن يكون رئيس الحكومة الجديد من جيل مختلف يملك مقاربة مختلفة تسمح بفتح ثغرة في جدار الانحدار الاقتصادي وتآكل توازنات الدولة المالية. ومخاطر المديونية الخارجية. اما اذا كان بنفس عقلية بدوي حيث أغرق البلاد في مزيد من المصاريف الشكلية عبر انشاء ولايات منتدبة وجامعات جديدة فان الكارثة تنتظر في اول منعطف..
وفي الملف الدستوري كل ما نملكه هو الأمل أن يستوعب الرجل خطورة المقاربة الدستورية الفرنسية واعتماد النظام المختلط على مالية الدولة العمومية وعلى التسيير اليومي للدولة. وان يعي اهمية تخليص الجزائر من الديغولية حتى ولو ادى الامر إلى تقليص عهدته الانتخابية بعد تمرير دستور التحول الديمقراطي.
 

 

شوهد المقال 451 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من
image

عثمان لحياني ـ "الجزائرالجديدة" أم "الجزائرالمستمرة"

عثمان لحياني  الوسم الصحيح للمرحلة الحالية بكل تجلياتها هو "الجزائر المستمرة" وليس "الجزائر الجديدة" ، العناوين الصلبة ل"الجزائر المستمرة " أكثر حضورا ووضوحا من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats