الرئيسية | الوطن السياسي | العربي فرحاتي ـ الحراك ..والوعود بالجنات النعيم

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والوعود بالجنات النعيم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. العربي فرحاتي 
 

الندوة الصحفية للرئيس المنتخب من بعض الجزائريين - في إطار تجديد سلطة الأمر الواقع دستوريا- يبدو أنها كانت فرصة لاستدراك ما لم يستطع تبليغه في حملته الانتخابية التي أجريت في غرف مغلقة وتحت المطاردة الشعبية
..ووعد الرئيس الجديد الجزائريين بوعود كثيرة..أبرزها: الحوار مع" الحراك الشعبي"
وتنظيم الانتخابات التشريعية والمحلية وتشكيل الحكومة من الشباب.. وتعديل الدستور .وأرسل رسائل بأنه متشوق لزيارة بجاية وتيزي وزو .الى آخر ذلك من الوعود التي بدت للكثير انها وعود بالجنات النعيم.. والوعود السياسية عندما تكون جديدة على التجارب والمشاريع والبرامج السياسية تستحق الانتظار قبل الحكم عليها ..حيث تطرح في الحملة الانتخابية ولكن لم يسمعها إلا ذوي الأرحام من العائلة السياسية الموالية..ومع ذلك إذا تأملنا هذه الوعود وحملناها على محمل الجد - رغم أنها مجرد تصريحات صحفية - وافترضنا أنها في متناول الرئيس الجديد ..فإننا نجدها ليست بدعا من القول ولا هي بالجديدة ولا هي بمشروع متميز..ولا هي في مستوى تطلعات الشعب والشباب منه خاصة..وأعتقد أنه لا يمكن لأي رئيس جديد أن لا يعد بهذه الوعود التي ألفناها وألفها الشعب في كل المحطات الانتخابية منذ الاستقلال..وأنها قد تكون في احسن حالاتها مجرد " إصلاحات " أكثرها في حكم تحصيل حاصل قبل أن تحصل.. كتغيير الحكومة والدعوة إلى انتخابات محلية وبرلمانية وتعديل الدستور ..ولا أعتقد أنه مر على الشعب الجزائري رئيسا جديدا ولم يعده في أول خطاباته بهذه الوعود وينفذ بعضها في أحسن الأحوال بطريقته وبحسب الظروف السياسية..وقد سمعنا بها كثيرا في البوتفليقيا..أما عن الحوار
مع الحراك الشعبي وإن هو وعد إيجابي من حيث هو الاعتراف المبدئي بالحراك .. فهو كذلك ليس بوعد جديد فقد أطلقه الرئيس المخلوع بداية ثم أطلقته القيادة العسكرية حين أعلنت منذ البداية أنها ترافق الحراك ومازالت تدعي أنها ترافق الحراك ..والكل يعلم أنها مجرد مناورات وأخذت من الحراك ما تريده من تصفية حساباتها مع العصابة وأدارت الظهر كليا لكل المبادرات الآتية من صلب الحراك أو من هوامشه.. وفرضت أجندتها الانتخابية بمنطق " حب من حب وكره من كره" وعينت بالانتخابات مرشحها "تبون " وهذا هو الوجه الساطع في المشهد السياسي المناوراتي..وكل مشهد آخر يقدم للشعب غير هذا الساطع هو ضبابي بالضرورة ..فهذه الوعود إذا هي مجرد تجديد وعود السلطة السابقة تأتي من قبل رئيس جديد انتخب من بعض الجزائريين في ظروف استثنائية تفتقر إلى أدنى شروط الانتخابات الحرة والنزيهة .. وهي مجرد تجديد السلطة الفعلية ولا أعتقد انها تستطيع فتح حوار جاد للانتقال الديمقراطي الا على تسيير حوار مثل هذه المهازل الانتخابية .. وبالتالي لا أعتقد أن الرئيس الجديد ستكون له استقلالية في قراراته.. وأنه على الأرجح سوف يكون رهن الطلب للسلطة الفعلية وللمسار الذي أتى به إلى المرادية من حيث هو مسار مضاد لمسار الحراك ..ومسار مناوراتي..وتذكرني هذه الوعود بوعود السلطة التي أبرمت كاتفاق مع الجبهة الإسلامية لفض الإضراب والاعتصامات..ونقضتها كلها مباشرة بعد الاعلان عن توقيف الإضراب..مما يدل على أن الجهة التي تحاور لا قرار لها ..ونتمنى أن لا يعاد تكرار سياسات الكذب على الشعب والوعد بالجنات النعيم والحوار مع جهة لا تملك القرار ..وعليه كان الحراك الشعبي في أول رد على مخرجات الانتخابات هو الخروج بقوة في الجمعة ٤٣ الى الشوارع ورفضها لان الشعب لم يعد يؤمن بوعود الجنات النعيم..وأحالت العملية الانتخابية على الماضي .. ويتعامل الحراك مع مخرجاتها كأمر واقع وكأن شيء لم يتغير ..ومهما يكن فإنني أعتقد أن الحراك ليس كما يفترى عليه أنه عدمي لا يقبل الحوار ..بل هو مفتوح على كل الأراء.. وبل من العدل أن نقول السلطة التي لم تعترف به كجهة تفاوضية لعشرة اشهر هي العدمية .. ولذلك فعلى الرغم أن الرئيس الجديد لم يتغير وضعه السياسي من حيث هو وضع مازال في نطاق السلطة الفعلية وأغلب الظن أن دعوته للحوار هي لاستحداث فتنة داخل الحراك .. فإن الحراك مع ذلك لا يرفض الحوار معه من حيث المبدأ . .فالحراك غير عدمي وواضح في أطروحاته وشخص الأزمة وطرحها بشكل جدي منذ البداية في أنه يريد تغيير النظام السياسي ..وهو مطلب واضح ولا وغبار عليه في كل شعاراته منذ ٢٢ فيفري ٢٠١٩.وهو ما يقتضي شرطا أساسيا لا يمكن تجاهله ..وهو أن يعترف الرئيس الجديد ب "الحراك كمسار" وليس مجرد البحث عن الممثلين والجلوس معهم في غرف مغلقة لربح الوقت..وأؤكد على ما اعتقد " أن الحراك مسار" ويحب الاعتراف به بما هو كذلك ..وبغير هذا الاعتراف سيكون مجرد حوار الالتفاف وضياع فرصة التغيير على الشعب كما ضاعت من قبل بل قد يكون لإفلات باقي العصابة من العقاب الشعبي ..إذ من المعلوم أن مسار الحراك لتغيير النظام يتضاد مع مسار الانتخابات لتجديد السلطة والتسويات. ولعل أول إجراء يؤسس لنجاح الحوار الذي وعد به الرئيس.وننتظره ان كان صادقا. هو مبادرة حسن النية باطلاق سراح المساجين السياسيبن الجدد والقادمى ورفع التضييق على المتضاهرين
..وإشراك الجالية الجزائرئة وفتح الاعلام ووضع مهمة الجيش في الزاوية دستورية محددة ..وهو ما يقتضي بداية أحياء العمل بالمادة ٧ و٨ . أو بأية إجراءات أخرى دستورية ممكنة . كما يقتضي ذهاب كل رموز الفساد ولا يمكن القبول بهم في أي حوار أو إدماج لهم في الوضع السياسي القادم ..وأن الحوار مع السلطة الفعلية هو حوار لتسليم السلطة للشعب.. ومن ثمة يجب أن لا يكون الحوار الذي يدعو له رئيس الجمهورية مونولوجي مع الشخصيات والاحزاب بشكل انفرادي فوقي كما هو مألوف .الحوار الذي يدعو له الحراك ويصر عليه يجب أن يكون في مسار الحراك من حيث هو مسار انتقالي فعلي للسلطة بإرادة شعبية حقيقية ليست التي تختزل في نسب الانتخابات. وهو يختلف عن مسار الانتخابات من أجل تداول السلطة بين أطراف السلطة بحساب النسب.. ويجب أن نعيد إلى الاذهان ونذكر أن الحراك بوصفه ثورة ليس من مسؤوليته تحديد الحلول وإجراءاتها العمليةالسياسية ..فهو ليس بحزب سياسي أو نقابة يقدم مطالب مرتبة لجهة معينة..بل هو ثورة تدعو إلى تنظيم التفاوض بين أبناء الجزائر حول تسليم السلطة للشعب ومناقشة شفافة في مرحلة انتقالية للتوافق على نمط النظام الجديد الذي يختاره الشعب بكل حرية.. تستكمل بناء الدولة كما رسم معالمها بيان نوفبر وفي ضوء تطلعات الشباب وحاجات الشعب الجزائري الحضارية ..هذا هو تحقيق الشعار الأكثر ترديدا "الاستقلال" بعيدا عن وعود "الجنات النعيم" فلنكن في مستواه ويكون الشعب هو " الاعلون" ..نأمل أن يتحقق ذلك بعزم الجزائريبن وتوافقهم ..فإلى ذلك الحين الحراك مستمر.

شوهد المقال 430 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر
image

العربي فرحاتي ـ ندوة العائلات المعذبة للسجناء السياسيين في الجزائر ..28 سنة بركات

 د. العربي فرحاتي  في هذه اللحظات من يوم (١٨ جانفي ٢٠٢٠ ) تجري في مقر جبهة القوى الاشتراكية (الافافاس) بالعاصمة فعاليات ندوة "بعنوان " ٢٨
image

محمد الصادق مقراني ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

محمد الصادق مقراني سليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران
image

سعيد لوصيف ـ الثورة و التوافق المجتمعي الذي يستشف من المسيرات...

د. سعيد لوصيف   مرّة أخرى تثبت الثورة في أسبوعها 48 ، أنّها ثورة تتجاوز كل الاختلافات، و أن القوى المجتمعية الفاعلة فيها، بالرغم
image

صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

 صلاح باديس   بالصُدفة... وصلني رابط فيديو تتحدّث فيه امرأة شابّة عن والدها السّجين منذ تسعينات القرن الماضي. "سُجناء التسعينات" هذا الموضوع الذي اكتشفه الكثيرون
image

وفاة الدكتور عشراتي الشيخ

 البقاء لله.توفي اليوم والدي د. عشراتي الشيخ عن عمر يناهز 71 سنة بعد مرض عضال ألزمه الفراش.عاش عصاميا متشبعا بعروبته متشبذا بأصله بدأ حياته في
image

فوزي سعد الله ـ أول مستشفى في مدينة الجزائر خلال الحقبة العثمانية أُنجِز قرب باب عزون...

فوزي سعد الله   عكْس ما رددته المؤلفات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص طيلة قرون زاعمة عدم وجود مستشفيات في مدينة الجزائر العثمانية وفي هذا البلد
image

وليد عبد الحي ـ تركيا والتمدد الزائد

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن تطبيق نظرية المفكر الامريكي بول كينيدي حول " التمدد الزائد" على القوى الاقليمية في الشرق الأوسط (غرب آسيا)
image

سعيد لوصيف ـ تصويب "ساذج" لتفادي زنقة لهبال...

د. سعيد لوصيف  اعذروا سذاجتي... واعذروا ما قد يبدو أنه تطرفا في الموقف... لكن الامر الذي انا اليوم متيقن منه، هو أنني لست

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats