الرئيسية | الوطن السياسي | مخلوف عامر ـ عز الدين ميهوبي تَحْيا السلطة، يموت الشعر

مخلوف عامر ـ عز الدين ميهوبي تَحْيا السلطة، يموت الشعر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. مخلوف عامر 
 
غَرضُ المدح شائع في الأدب العربي ما جعل كثيراً من الدارسين يعدُّونه صفحة سوداء في تاريخ هذا الأدب.لكن الشعراء يتفاوتون في مدحهم. فمنهم من يتذلَّل للحاكم إلى حد الانمحاء طَمعاً في منصب أو إمارة أو ينتظر أن يرمي إليه الحاكم بصُرَّة من المال كما تُرْمى العظام للكلاب.هذا إذا هو لم ينصرف يجرُّ أذيال الخيْبة.ومنهم مَنْ يمدح لكنَّه يسعى ما أمْكن للمحافظة على شخصيته المُميَّزة.فالمتنبي مثلاً كان يمدح (سيف الدولة) ،لكنَّه لم يتردَّد أن يقول في حضرته:
سَيعْلم الجمعُ ممَّن ضَمَّ مجلسنا... بأنني خيرُ مَن تسعى به قَدمُ
لكن ليس هذا هو الوجه الوحيد في التاريخ، بل تُطلُّ عليْنا منه وجوه رائعة تَحدَّت الحُكَّام الظالمين بجرأة نادرة،وراحوا ضحيَّة مواقفهم النبيلة منهم تمثيلاً لا حصْراً : ((غيلان الدمشقي وابن المقفع والحلاج والسهْرَوردي ))وغيرهم كثير.
الخليفة المنصور أزعجته ذبابة وكان معه الإمام جعفر الصادق فقال الخليفة:((لماذا خلق الله الذباب؟)) فقال له الإمام:((ليُذلَّ به الجبابرة)).وأفتى أبو حنيفة بأن الوزير لا تصحُّ شهادتُه لأنه يقول للخليفة أنا عبْدُك.وهكذا نجد في التراث ما لا نجده اليوم في أوساط المثقفين.
فأمَّا الدافع إلى المدح في هذا الزمن،فهو نفسه. إنَّه الطمع والانتهازية وحُبُّ الوصول.وعادة ما يقترن المدح بحاكم مُصاب بجنون العظمة وشُعْرور يدركُ أنَّه يتقرَّب وينافق ويصف المجنون بما ليس فيه.
بدأ (عز الدين ميهوبي) بنفحات شعرية رقيقة وواعدة في شبابه، ثمَّ ما لبث أن أخذ يشْحن خطابه بنبرة سياسية فجَّة تنتهي–حتْماً- إلى قَتْل الشعر.ثم انتقل إلى تجريب الرواية فكتب:(اعترافات أسكرام))وهو نص فيه جهدٌ واضح يستحقُّ التقدير بوصفه محاولة أولى. لكنَّه حين أصدر: ((إرهابيس))لاحقاً،وجدتُ أنْ لا علاقة لهذا النص بالكتابة الروائية إطلاقاً.
لعلِّي فهمتُ أنَّ (ميهوبي) أدرك بأنَّ الأدب وحده لا يدرُّ مالاً ولا يحقِّق جاهاً، ففضَّل الاندماج في السلطة والانغماس في دواليبها المُخادِعة، وهو مُتيقِّنٌ من أنَّ مريديه سيأتونه((رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)).لذلك ترى كثيراً ممَّن يسمُّون"مثقفين"يختبئون في جحورهم، يترقَّبون ما تسفر عنه الأزمة،طَمعاً في موقع لهم في ظلِّ الفائز.
إنَّ السلطة في جوهرها نقيض الإبداع،من حيث هي استبداد وتكريس لما هو قديم. بينما الشعر تمرُّدٌ دائم، والشاعر مسكونٌ بهاجس البحث عن صياغة مختلفة ومتجدِّدة للواقع كما للغة.لذلك يعلو الشعر على الزمان والمكان ليعيش في كل زمان ومكان.
فأمَّا أنْ يختار المرءُ ما هو ظرفي زائل ويجعل النَّظْمُ مطيَّة للقول الأدبي من أجل السلطة، فلا أظنُّ أنّه سيكون قادراً في المستقبل على أنْ يُنتج نصّاً أدبياً جميلاً. وفي اليوم الذي تفلت السلطة من بيْن يديْه،فلا أدب يأتيه، ولا سلطة تحميه.يومئذ ينطفئ بريق السلطة ويستمر الشعر حيّاً لدى أهْله.

شوهد المقال 484 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ حوار حول الأمازيغية ..المتجدد للإلهاء

د. العربي فرحاتي  " القايد " صاحب خطاب الثكتات وقد أفضى إلى ما قدم..أدخل الجزائريين في نقاش هامشي حول الراية الثقافية الامازيغية وربطها بالعلم الوطني..وأثار فتنة
image

وليد عبد الحي ـ نماذج التنبؤ بعدم الاستقرار السياسي

أ.د.وليد عبد الحي تشكل ظاهرة عدم الاستقرار السياسي احد الظواهر التي يوليها علم السياسة اهتمامه الكبير،وتتعدد اشكال ومستويات وحدة ومدة ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وقد بدأت
image

مرزاق سعيدي ـ واقع لا نراه!

مرزاق سعيدي  في الآونة الأخيرة، لاحظت وجود «ظاهرة إعلامية» لها حدّان، كلاهما غريب، وكلاهما مرتبط بـ»واقع» نراه، أو نقرؤه، أو نشاهده في التلفزيون.الظاهرة على شذوذها، وقلّة
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats