الرئيسية | الوطن السياسي | العياشي عنصر ـ الجيش؛ بناء الدولة وحلم السلطة

العياشي عنصر ـ الجيش؛ بناء الدولة وحلم السلطة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. العياشي عنصر 

 

 وجد الجيش نفسه مرة اخرىً في قلب العاصفة ؛ وفي مواجهة خياريات صعبة ، وأمام رهان تاريخي؛ ليكون إما طرفا في بناء الدولة الحديثة كما أراد دوما ان يكًون ، أو ادعى أن يكون! وإما الانفراد بالسلطة والحفاظ على نظام استبدادي ولو كان وراء قناع، وكذا الحفاظ على موقعه في قلب ذلك النظام باعتباره العمود الفقري الذي قام عليه وما يزال هيكل النظام ، بإلاضافة إلى ما يضمنه الموقع من امتيازات مادية ومعنوية لا يستهان بها! . 
يدور اليوم نقاش حاد عن دور الجيش ومسؤوليته فيما حدث ويحدث ، وعن دور الثورة السلمية و انحرافها عن مسارها وأهدافها، بل وتوظيفها من قبل جهات تريد تقويض الدولة. قيادة الجيش  كاتت أول من اشاع هذه التهم ورمى بها شباب الحراك ، وتبعها في ذلك جيش من الخبراء المزعومين المحسوبين على الثقافة والعلم والجامعة، فضلا عن ترسانة ثقيلة من وسائل الإعلام المأجور . 
يدعي كثيرون ان الجيش اليوم هو المؤسسة الوحيدة الواقفة والقادرة على وقف السقوط نحو الهاوية. كما يشاع ان قيادة الجيش تحملت هذه المسئولية وقامت بالمحافظة على الدولة ، ورافقت الحراك ، كما تدعي هي ويدعي كثيرون غيرها، وتخلصت من العصابة الحاكمة، وحضرت لانتخابات تعيد للبلاد شرعيتها الدستورية.
باعتقادي ان هذا الرأي يتضمن مغالطات جوهرية مبنية على قراءة مجتزئة للوقائع ، وتشويه للأحداث، وتزوير للحقائق ، وتلتقي جميعها في عملية تضليلً واسعة و ممنهجة للرأي العام الوطني والدولي! .
نعم الجيش هو المؤسسة الوحيدة القائمة فعلا ، لكن ينبغي القول حتى هي ليست متماسكة تماما، بل عرفت وما تزال انقسامات وصراعات ، وتصفيات . ومع ذلك لنفترض أنها بخير وهذا ما نتمناه لأسباب واضحة ومعروفة. 
ان السؤال الجوهري في كل هذه الأحداث هو لما ذا اختار الجيش الانفراد بالقرار ، وفضل المناورة من خلال خطة طريق قائمة على تهميش الحراك الشعبي وجميع القوى التي يمكن ان تساهم في صياغة خطة طريق توافقية يكون الجيش طرفا فيها الىً جانب جميع القوى التي تنشد التغيبر ؟ لما ذا أصر الجيش على تجاهل هذا المسعى التوافقي ورفض ان يكون طرفًا فيه. علمًا أنه الطرف الذي بيده القوة الفعلية؟ لما ذا فضل الجيش ممارسة هذه القوة باتجاه اعادة انتاج النظام بكل الأساليب التقليدية البالية من سيطرة على الإعلام ، الىً تخوين خصومه السياسيين، الىً الزج بالنشطاء والمناضلين والمتظاهرين في السجون؟ لما ذا يلجا الجيش اليوم الىً تعبئة وحشد جزء من المجتمع بطرقه التقليدية المعروفة التي يستخدم فيها النظام موارد الدولة لهذا الغرض أي اعادة انتاج النظام؟ لما ذا لم يختر الجيش طريق التغيير، واختار طريقا معاكسًا هو منع التغيير والوقوف في وجه، ومحاولة كسر قوى التغيير ؟ 
جميع هذه التساؤلات الإجابة عنها واضحة وواحدة؛ وهي ان الجيش لا يهمه التغيبر، بقدر ما يهمه الحفاظ على النظام ! الجيش يعارض التغيير لأنه لا يخدم مصلحته، لأنه يبعده عن السلطة ، لأنه يقيده ، لأنه يقلص امتيازاته ليس كمؤسسة ، فحسب، في مقابل مؤسسات الدولة الاخرى (التشريعة، والقضائية والتنفيذية ومنها الرئاسة) ، بل لان التغيير ينهي سطوة وامتيازات الجيش كأفراد وجماعات ضغط مستفيدة من النظام القائم ! هذه هي الحقيقة التي ينبغي ان تقال ، ويعرفها الجميع ! 
نعم كان بإمكان الجيش أن يقف الىً جانب قوى التغيير وتنظيم حوار جدي وحقيقي، ويتم التوصل الىً توافق على برنامج الحد الأدنى، برنامج مرحلي يهيئ لعملية تغيير حقيقي في المستقبل. لكن الجيش رفض ذلك بحجة رفض مرحلة انتقالية مليئة بالمخاطر والتعديدا الىً حسب مزاعمه . نعم رفض الجيش المرحلة الانتقالية ، لكنه فرض على المجتمع مرحلة انتقالية من صنعه هو وبقايا النظام وأعاد فيها ترتيب الأمور وحضر فيها لانتخابات على مقاسه. فرض على المجتمع مرحلة انتقالية دامت تسعة أشهر ، لتتوج بانتخاب رئيس منقوص الشرعية يضاف الىً بقية المؤسسات غير الشرعية الموجودة الان. كان بامكان الجيش لو أراد خيرا بالبلاد حقا، وليس كلاما، ان يكون طرفًا في معادلة التغيير فعلا، وتجنب حالة الانسداد والاحتقان والمخاطر التي ما زالت قائمة وهي عديدة ومتنوعة. 
لكن قصر النظر وغلبة المصالح الفئوية الضيقة ، وغياب قيادة مستنيرة و على قدر من المسؤولية، وفي مستوى الرهانات المطروحة هي التي أوصلت البلد الىً ما هي عليه اليوم، والقادم أسوأ، كما تدل جميع المؤشرات!!! 
خلاصة القول، ان المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على قيادة الجيش الذي فضل اعادة ترميم نظام فاسد متهالك فاقد للشرعية. ، ثم ثانيا، الأحزاب السياسية والنقابات المهنية كونها تنظيمات المجتع المدني التي لم تقف بقوة مع الحراك ولم تتخل عن ترددها، وضيق أفقها ومصالحها الآنية، بل فضلت لعبة المواقع والانتظار حينا ، كما فضل بعضها الانخراط في مسعى الجيش احيانا ، سعيًا وراء حصتها من الريع والمنافع والمناصب!. وقد تحالف الجميع بشكل واع او دون وعي على اجهاض الثورة السلمية، لكن هيهات لأن الشعوب لا تقهر أبدا، وان حدث فسيكون لوقت محدود،. هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن بعرفها الجميع.

 

شوهد المقال 279 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats