الرئيسية | الوطن السياسي | جلال خشيب ـ مُرشحّي النظام، نتيجة حتمية للعدمية، الإتكّالية وتجاهل قوانين الطبيعة والتاريخ.

جلال خشيب ـ مُرشحّي النظام، نتيجة حتمية للعدمية، الإتكّالية وتجاهل قوانين الطبيعة والتاريخ.

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


جلال خشيب

 

 

طبعا لن يختلف إثنان بخصوص الحال المؤسف الذّي بلغته البلاد بعد ثمانية أشهر ملحمية من حراك شعبي تاريخي يجد فيه الجزائريون أنفسهم يختارون بين أوجه خمس مهترئة يُعاد تأهيلها من قبل القوى المنتصرة داخل النظام.
لكن الأمر الذّي أُبدي إستعدادا مطلقا منذ البداية للإختلاف والجدل حوله مع الجميع هو سماح النخب العلمية والمثقفة بوصول الحراك إلى هذا النفق المسدود.
أجل، فقد وجّهنا جميعا نقدا كافيا لهذا النظام ورموزه وممارساته لكن الجرأة كانت شبه منعدمة لدى هذه النخبة في نقد الحراك أو محاولة تقويمه أو توجيه مسعاه حتّى يبلغ المنشود.
إنّه لمن المعلوم بداهةً بالضرورة لكلّ متعامل مع هذا الحقل الذّي يتكلم فيه (حقل السياسة ممارسةَ وعلماَ) أنّ القويّ يفعل ما يشاء وأنّ الضعيف ليس أمامه سوى أن يُذعن لقدَره كما عبّر عن ذلك صاحب "حرب البوليبوناز" في "حوار جزيرة ميلوس" الشهير قبل 25 قرنا كاملا. لذا، فإنّ التباكي المستمر الذّي تُمارسه "نخبنا العدمية" تجاه ما يفعله أصحاب القوة داخل النظام ليس إلاّ ضربا من ضروب الإذعان والإعتراف بالضعف والهوان الذّي تسبّبت فيه أساسا ذهنياتهم الإتكالية، ذهنيات تُحمّل "الآخر القوي" كلّ الذنب ثمّ تنتظر منه حلّا ولا تُبادر به هي... وقد كان الإستثناء بين جمهور المثقفين في نظري يسير.
لقد كنتُ من المشجعين دوما على تأطير وهيكلة قوى الحراك بشكل توافقي بل قد شدّدت مرارا على ضرورة البدء بإنقاذ المجتمع المدني ممّا لحق به من خراب بسبب الحقب الفائتة وإعادة الثقة بين أفراد المجتمع الجزائري، فهو الكتلة التّي من شأنها أن تُنتج دوما تلك الحلول المزعجة لأصحاب القوة داخل النظام، إنّها قوى الكبح التّي تحدّث عنها غرامشي من قبل، فلا يُوقف القوة إلا قوة تُناظرها على قولة مونتيسكيو، وقوة أيّ مجتمع مرتبطة بمدى قدرة نخبه المفكرة على التنظيم والتأطير والتوجيه ومن ثمّة إنتاج البدائل والمقترحات.
لَكُمْ إذن أن تفتخرو بهذا المنجز الكبير الذّي قادت إليه عدميتكم وإتكّاليتكم أيّها "المثقفون"، لَكَمْ نبّهتُ منذ بداية الحراك وحذّرت من فخّ العدمية التّي نادى بها بعض المشبوهين ووقع في مصيدتها كثير من المتحمسّين (أنظر منشور 1 مارس مثلا) ثمّ لخصّها شعار ذلك الشاب المقهور "يتنحاو قاع".. المشكلة أن يقع المثقف في ذات الفخ العدمي الذّي يجعله مجرد رقم عادي يُضاف إلى أرقام المتظاهرين في الشارع وفقط... يصرخ كلّ يوم جمعة كغيره من جماهير الشعب وفقط ثمّ ينصرف إلى شؤونه معتقدا أنّه أدّى كلّ ما عليه... لماذا تتباهى إذن بلقب المثقف؟ ما الذّي يُميّزك إذن عن عامة الجماهير التّي لا ننتظر منها طبعا غير الضغط السلمي كما كرّرت مرارا، بينما يُنتظر من هذا الذّي يُسمّونه مثقفا مهاما إضافية أهمّ تجعل منه جديرا بهذا اللقب الذّي يتباهى به.
لقد نبهّتُ دوما بأنّ الذّي يعيشه الجزائريون اليوم يُسمى يقضةً أو إستفاقة لا وعيا وإختلف معي الكثيرون.. والفرق بين المصطلحين كبير.. إستفاقةٌ صنعتها سنوات من القهر والحرمان والإنسداد، فحينما يستفق المرء ساخطا متحسما قد تأخذه الحماسة إلى حائط وقد تُوصله إلى برّ الأمان لكن بعد ثمن باهض يدفعه من دماءه وأرواح أبناءه.. لكن المثقف لوحده من بإمكانه أن يُحوّل اليقضة إلى وعي ويوجّه المُستفيق إلى الطريق المنشود بين عواطف الجماهير ومكر أصحاب القرار.. وحينما إكتفى المثقف بالصراخ إلى جانب الجماهير كلّ يوم جمعة صرنا إلى حائط ومارس صاحب القوة قوتّه بكلّ راحة كما يُخبرنا به حوار ميلوس تماما.

 

عزيزي المثقف، حينما تُطالب النظام بالتنازل عبر صراخك في الشوارع لا تنتظر منه أن يحمل حقائبه للرحيل بسهولة إستجابة لثقافتك الواسعة أو حرجا ممّا يفعل. عزيزي "المثقف الخيّر" إن لم تملئ الفراغ بذكاء سوف يملئه "غيرك الشرير" بكلّ وقاحة وقلّة حياء، ولا عزاء لك يوم التباكي.. لا يسألني أحدكم بعد الآن ما الحل، فقد كتبتُ كثيرا وتكلّمت.. ولا أحد يأبه.. لم يبق بحوزتي ما أقول.. إلاّ الله يجب الخير لهاد لبلاد.

شوهد المقال 569 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الخالق كيطان ـ ثلاث قصائد

عبد الخالق كيطان            ١. حقول الغريب إلى حد قريب كنت أنا صاحب الحقل والدجاجات  ولكن الغيث غاب وغابت الغيوم الصغيرة التي كانت تبكي على
image

خديجة الجمعة ـ رشة عطر

خديجة الجمعة    وأنا في طريقي للذهاب إلى مكان ما. تجذبني تلك الرائحة الزاكية . فأرى نفسي هناك بعيدا بعيدا. تحملني مخيلتي لمحل العطور،لتذوب معها كل المعاني
image

نجيب بلحيمر ـ القطار انطلق ولا مكان للنظام فيه

نجيب بلحيمر  القطار انطلق ولن يتوقف.. تتردد هذه العبارة كثيرا على لسان عبد المجيد تبون، اليوم أيضا رددها في لقائه مع الولاة. لاشك في أن
image

سعيد لوصيف ـ للتذكير وفي عجالة : التغنانت ومنحنى التوزيع غير الاعتدالي لتوهمات استمرار النظام..

د. سعيد لوصيف   التغنانت في توهم إمكانية استمرارية النظام عن طريق إعادة إنتاج أجهزته السياسية هي تمثلات شوفينية لعقل تآكلت خلاياه وأصيب بشلل التفكير وفقدان
image

حسين السماهيجي ـ الجانح

د. حسين السماهيجي             إلى أناي الأخرى ... تقتاتُ من أرقٍ يجترّ أخيلةً وتفلتُ القمرَ المجدولَ بالغسقِ صُلِبتَ فوق جدارِ الوهمِ وانكسَرَتْ زجاجةُ النَّصِّ لكنْ أنتَ
image

عبد الجليل بن سليم ـ هجرة الشباب : حل ،اختيار ، قرار

 د. عبد الجليل بن سليم  قبل مدة ركب الكثير من الشباب القوارب و توجهوا إلى الضفة الاخرى للمتوسط ، هذا السلوك هل هو حل أم
image

رشيد زياني شريف ـ التحريض مثل السياسة، ليس جريمة، بل فرض لأنقاد البلاد من منظومة الإفساد

د. رشيد زياني شريف   كلنا يتذكر قبل حراك 22 فبراير 2019، وطيلة احتجاجات المواطنين على مر سنوات عديدة، تنديدا بالظلم وسوء الظروف المعيشية والحقرة، والمطالبة
image

محمد هناد ـ علاقات الجزائر بهذا الكيان " الإمارات " تحتاج لإعادة نظر جادة

د. محمد هناد  نظرا إلى المنحى الذي اتخذته سياسة دولة الإمارات الاجتياحية منذ سنوات، أصبحت علاقات الجزائر بهذا البلد في حاجة إلى إعادة نظر
image

جباب محمد نور الدين ـ عصام العريان والإسلام المأمول

د.جباب محمد نور الدين   الجنرالات لما يستولون على السلطة يحولون الوطن إلى اكبر ثكنة، لكن جنرالات العالم العربي حولوا هذا "
image

حميد بوحبيب ـ لا لتكميم الأفواه لا لإسكات الأصوات الحرة الحرية لخالد درارني

 د . حميد بوحبيب  خالد درارني، من ذلك النوع من البشر، إذا لقيتهم مرة واحدة في حياتك، سيبقى مطبوعا في ذاكرتك ووجدانك إلى الأبد.المرة الأولى التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats