الرئيسية | الوطن السياسي | مرزاق سعيدي ـ محاذير سوسيو-سياسية تعود الى الواجهة!في الجزائر

مرزاق سعيدي ـ محاذير سوسيو-سياسية تعود الى الواجهة!في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

مرزاق سعيدي 
 
عندما كتب الصديق والزميل إيدير دحماني تعليقا على راي كتبته عنوانه "الحضرو-ريفيين يحيونكم"، أثنى فيه على أسلوب الكتابة وقوته، وعارضني في المقاربة، فهمت انه اعتقد انني كتبت رأيا "في الحراك" كحركة شعبية، لا غبار عليها في الشرعية الشعبية والمطلبية..
من عادتي أن لا اتسرع في الكتابة عن ظاهرة في أوج عنفوانها، او ردة فعل تكون فيها المجاهيل كثيرة، كواحدة من الأوجُه التي تُقابل الحراك وتتحرك معه في اتجاهات تَحسِبُ لها، ثم تسقط، دون إيذان مسبق أو صوت "آآآي" أثناء السقوط.. وأرفض الكتابة على اللعاب المتقاطر على اللحظات الحاسمة في عمر الأمة والبلد، حتى لا أشجّع عُقابا يأكل من الجيفة ويكشط مخالبه ويستبدل مواضعها بـ "أحمر شفاه"..
بعيدا عن يوميات الحراك، ومن يصنعه، ما قادني إلى الكتابة عن "الحضرو-ريفيين" وعنهم في هذا الزمن، هو ما لاحظته من دور لهم في تدني مستوى التعليم، الذي بات يختار الوزراء والمسؤولين، من القمة الى القاعدة، من هذه الفئة الغالبة سوسيولوجيا وكميا، والتي أمضت ثلاثة عقود، وهي تعيش في المدن والتجمعات السكنية، على الاقل، دون ان تنجح في الإندماج كليا.. بقيت "مُعلّقة" بين عالمين، وثقافتين، وميراثين، على الأقل من حيث العادات والتقاليد، وما يرتبط بهما من تصانيف، تُحييها العصبية والجهوية عن طريق ثنائية بغيضة، هي قمة التفاعل في عالم الحضرو- ريفيين: جبلي- حضري، وليد الحومة- قروي، متحضر- بدوي، عربي- قبائلي، مواطناتي- رجعي، وغيرها من الأوصاف الثنائية، التي تُخبرنا ان العمل من أجل "الغد الأفضل" نفسيا وسوسيولوجيا، ينبغي أن يُعادَ النظر فيه في المدرسة من أخمص سنة أولى، الى "شوشة" البكالوريا، والجامعة التي لم تعمل بتخصصاتها في الثقافة الشعبية على تقريب هذا من ذاك في صورة فسيفسائية جميلة تسقط منها رعونة الخلاف، وتبقي مزايا الإختلاف..
وتتم المراجعة دون تأثير مباشر من حضروريفيين جرت ترقيتهم الى درجة مفتش او مدير، وهم لا يملكون من التكوين إلا "قيل وقال"، وشهادة مدرسية بالية وضعتهم في أول السلم "معلمين".. 
في العقود الأخيرة، تداول وزراء من الفئة المذكورة وإطارات، على مسؤولية "صناعة تلميذ جزائري موحد"، لكن من ابو بكر بن بوزيد الى نورية بن غبريت، لم نحصُل إلا على كمّ هائل من "الكتب المدرسية" بلا هوية، ولا نصوص تذكر مطالعيها على الأقل مرة في السنة، انهم جزائريون في المأكل والملبس واللسان والتفكير والرغبة في تغيير المستقبل بعيون المتعلم، لا من يتحكم في المتعلم بالشرعية الثورية وما شابهها من عاهات السياسة في العصر الحديث.
ومثال التعليم مثالٌ صالح للتدليل على غفلة كبرى وقعنا فيها ونحن نحاول التشبه بالآخر، إستهلاكيا، فعمّرنا بطوننا وأفرغناها بسُرعة تحويل الدولارات الى الخارج في عمليات استيراد- استيراد بحجة "تموين الشعب"، واستفاق الجزائريون على رقم مرعب: من 1999 الى 2018، انتقلت الجزائر من 11 مليار دولار قيمة مستوردات العام، إلى 70 مليار دولار سنويا.. يعني ان بذخ البطون تضاعف سبع مرات في عشرين سنة، وفي تلك المدة نُهبت "العامة للإمتيازات الفلاحية" وارتمي الفلاح على أقرب طاولة مقهي يشرب قهوة بمنخريه ويستنشق دخان سيجارته بشفتيه وهو غارق في كيفية الحصول على رغيف خبز وكيس حليب.. علما انه رأى "حضرو-ريفيين" بشاركونه الحقول بعيونهم الجشعة، وفي لمح البصر صار من يعرف وزير داخلية يصبح من كبار الفلاحين، الذين يتحكمون في أرزاق الناس بالتخزين والمضاربة، حتى بلغ زبى السيل مناخير وزير تجارة رحمه الله بكى وهو يتحدث عن "حضرو-ريفي" ملك الدنيا والموانئ، لكنه لم يملك من حظ العلم غير "معالي الوزير قال"، "فخامة الرئيس أمر.."، أو أضعف الإيمان "أنا صديق السعيد.."
الفئة التي اتحدث عنها وألاحقها بملاحظاتي هي الفئة التي كبرت من جيل "التراباندو" وأصبحت سيدة التجارة ووسيطا مخيفا بين الدولة والشعب، تشد الحزام من الوسط وتضغط عليها بتتصاعد الدينارات حُبلى بأنين مفارقة الفقراء الى أعلى حيث الحسابات البنكية المعرفة باسم، وتلك التي لا إسم واضح عليها، او هي موجهة الى عالم الجنات الضريبية وراء البحار..
هذه الفئة، بما فيها رجال الأعمال المسجونين حاليا، هي التي خلقت "مهنا" تشبه عمل "القرادة"، عن طريق التجارة الموازية التي لم يتبناها أحد وبقية كالمومس، التي يركبها من له سطوة الكونتينير، ومن تفتح له الابواب المغلقة، وفي النهاية علمت الشعب كيف "يسترزق من البنان"، وكأن بيع البنان الهائم في الطرق وفي التلال، ويشيع المسافرين في كل مكان.. مهنة؟ وكأن "نفخ العجلات" برنامج يخلق مناصب عمل وينمي ثروة ويضيف قيمة مضافة للمسارقة التجارية، قبل الحديث عن الإقتصاد، الذي ظل عاقرا، وكل وزير ينكحه بالمنصب يقول إنه يملك حلا جنسيا رهيبا لـ"يبوسة" الإستثمار في هذا البلد..
يا سادة، الحضرو-ريفيين، الذين حذر منهم المفكر مضطفى الأشرف مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهو يدير ندوة وطنية حول التنمية، ليسوا هم المصنفون في هذه الفئة اجتماعيا، بفعل وقوعهم ضحية هجرات سلختهم من القرى والبادية واقعدتهم في المدن، وهم غالبية ساحقة، تجد نفسها معلقة بين العالمين، من حين لآخر، بعدما تحولت الجملة المفتاحية من "أبي في الحقل، وأمي في المطبخ" الى "ابي في البيت وأمي في السوق"..
وددت لو ان استاذا متخصصا في العمل والسوسيولوجيا يشاركنا هذا النقاش، وقد أرسلت له مقالتي الأولى عن هذه الفئة، ولم يتفاعل، أو كان مشغولا والله أعلم..
الحضروريفيين، في مكان ما ودون أن يعلموا بتأثيرهم السلبي على المحيط المباشر لهم متى اكتسبوا المادة، هم ايضا أحد اسباب نكوص الصناعات التقليدية، التي كانت تتطلع لان تصبح "اقتصاد عائلات" ومن ثمة تتحول الى ورشات ومصانع و"علامات تجارية"، لكن الذي حصل من عهد الإنفتاح ووصولا الى عهد بوتفليقة، أنهم ابعدوا الإيرادات الخيرة من الطريق، وسعوا الى خوصصة كل شيء، حتى يتحول صانع السلع الى مستهلك لها، وهكذا، وجدت فئة الحضرو-ريفيين نفسها وجها لوجه مع صناعة القرار الإستهلاكي، وفي عصرها صارت 80 بالمئة من الأجور تذهب الى جيوبهم، و20 بالمئة للنقل والصحة والتعليم وغيرها من اساسيات يوميات الجزائريين.
وحتى الآن لا أحد يمكنه الجزم أن المصالحة الوطنية طبعة بوتفليقة نجحت بسبب هؤلاء، مع أن الفئة الضعيفة منهم نزلت من الجبال وذابت وسط الجموع، ومنها خرجت مشاريع "حضروريفيين- رجال أعمال" أو مقاولين وتجار يقال إنهم كبار، يختبئون وراء الحاويات التي لم يعد يسالها أحد عن ما في بطونها هل هو حلال أم حرام؟
سياسيا وإعلاميا..
هي الفئة المستهدفة سياسيا وإعلاميا بشكل مكثف، وكل المتدخلين في العملية السياسة والإعلامية اصبحوا يركزون على هذه الفئة المستهلكة لبضائع ربراب وحداد وكونيناف، ومرددة لخطابات "نزوجوكم بأموال لونساج"، وغارقة في أحلام شقق عدل وما جاورها من الجحور الحديثة الى يسمونها عرضا f2 وf3، خصوصا في فئة السكن الاجتماعي الايجاري.
يخاطبها الرئيس كلما لمح الى "شراء السلم الجتماعي"، وتحسب لها اجهزة الامن الف حساب كلما لاح في الأفق احتجاج اجتماعي عن السكن او الطريق، او حتى "على دودانة"..
إعلاميا، تتكالب القنوات والصحف الصفراء على شد هذه الفئة من خلال حصص ينتقدها الناس في المقاهي والميترو وفي "النقل الحضري" و"شبه الحضري"، كتقسيم اعتباطي زرعته الحكومة في أذهان الناس، يوم كانت تكرس عنصرية اجتماعية ببهارات الجغرافية ومحتوى دوغمائي عن "خارج المدينة"..
العناوين العريضة عن الطابوهات و"قضايا الشرف" وعالم المراهقين، التي تخصصت فيها صحف وقنوات، لا تعرف متى تتوقف عن خدش الحياء العام، هي مادة موجهة للحضرو-ريفيين بالدرجة الاولى، وتخاطب فيهم المساحة الموجودة بين الريفي والحضري، وتغرز فيها سموما تزيد من ابتعاد هذه الفئة عن الاندماج في المدينة، وتؤجل لحظة ميلاد جيل ثالث من الحضرو-ريفيين، قد يمتص معوقات الإندماج، ويبتلع في طريقه نحو المستقبل كليشيهات الماضي.. 
وقبل وضع نقطة نهاية، لابد من التنبيه الى خطابات التخويف الإعلامية والدعائية، التي تستهدف هذه الفئة، بالذات، كلما رغبت السلطة في تمرير انتخابات، أو تجديد مجاديف سفينة النظام، التي اهترأت وهي تحاول توظيف "موتور" الدستور، الذي لم يعد يحتمل جر ما لا يتوافق مع المرحلة..

 


ملاحظة: عارض الاشرف سياسة بومدين في اقتلاع الفلاح من بيئته، وحذر من تلك الظاهرة التي كانت تشجعها الدولة، والتي خلفت فيما بعد ما يسمى "زحف الريف" وما ارتبط به من آفات اجتماعية وأزمات متلاحقة في السكن والصحة والتربية وغيره.. ونفس التاثير مارسته سياسة "الصناعات المصنعة" الى زلزلت المنظومة الإجتماعية وخلقت لنا بوابا مؤثرا اكثر من الرئيس المدير العام.. وما يعرف الآن على أنه الرغبة الأولى في التوظيف لدى الشباب ! agent de securité

شوهد المقال 357 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ حوار حول الأمازيغية ..المتجدد للإلهاء

د. العربي فرحاتي  " القايد " صاحب خطاب الثكتات وقد أفضى إلى ما قدم..أدخل الجزائريين في نقاش هامشي حول الراية الثقافية الامازيغية وربطها بالعلم الوطني..وأثار فتنة
image

وليد عبد الحي ـ نماذج التنبؤ بعدم الاستقرار السياسي

أ.د.وليد عبد الحي تشكل ظاهرة عدم الاستقرار السياسي احد الظواهر التي يوليها علم السياسة اهتمامه الكبير،وتتعدد اشكال ومستويات وحدة ومدة ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وقد بدأت
image

مرزاق سعيدي ـ واقع لا نراه!

مرزاق سعيدي  في الآونة الأخيرة، لاحظت وجود «ظاهرة إعلامية» لها حدّان، كلاهما غريب، وكلاهما مرتبط بـ»واقع» نراه، أو نقرؤه، أو نشاهده في التلفزيون.الظاهرة على شذوذها، وقلّة
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats