الرئيسية | الوطن السياسي | محمد حاجي ـ انتخابات على الطريقة الجزائرية

محمد حاجي ـ انتخابات على الطريقة الجزائرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد حاجي 

 من زاوية أخرى 

لعلَّ مُحاولة فهم ما يحدث اليوم من فرضٍ لانتخابات "على الطريقة الجزائرية"، وما يُرافقه من اعتقالاتٍ لوجوهٍ معارِضة، لا يمكن أنْ تستقيم دون استعادةٍ للكيفية التي قاربت بها السلطة الحَراك الشعبي منذ انطلاقه قبل واحدٍ وثلاثين أسبوعاً.

بالتأكيد، كان الحراك مفاجئاً للسلطة، خصوصاً من حيث حجمه وامتداده الجغرافي. لكنّها عوّلت - في البداية - على انحصاره؛ بدليل التصريحات المستفزّة التي راح سياسيّو "الموالاة" يطلقونها في أيامه الأولى.

ومن المؤكّد، أيضاً، أنَّه لم يكُن في وارد المؤسّسة العسكرية التدخُّل لصالح المتظاهرين؛ بدليل النبرة المتشدّدة إزاءهم في أولى خطابات الفريق أحمد قايد صالح الذي لم يرَ في المظاهرات السلمية سوى "نداءاتٍ مشبوهة ظاهرُها التغنّي بالديمقراطية وباطنُها جرُّ هؤلاء المغرَّر بهم إلى مسالك غير آمنة"، كما قال في أوّل تعليق له على الحراك، بتاريخ السادس والعشرين من فيفري الماضي.

ستتغيّر نبرة رئيس الأركان تدريجياً لصالح الحراك، لتصل إلى حدّ الدعوة إلى تطبيق المادّة 102 من الدستور (26 مارس)، ثمّ إلى تفعيل المواد 7، 8 و102 منه (30 مارس)، ثمّ إلى استخدام تعبير "العصابة" لأوّل مرّة (2 أفريل)، وهو ما انتهى بتقديم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة استقالته في اليوم نفسه.

كان واضحاً أنَّ هذا التحوُّل الجذري مرتبطٌ بنقطتَين أساسيّتَين: تتمثّل الأولى في إدراك السلطة الفعلية، بعد خمسة أسابيع من المظاهرات العارمة، أنَّ منظومة بوتفليقة انتهت فعلاً، ومن ثمَّ لم يعد هناك ما يبرّر مواصلة التمسُّك بها. يُشبه الأمرُ إنقاذ جسد مريضٍ باللجوء إلى بتر عضوٍ فاسد فيه. طبعاً فإنَّ الجسد المريض هو السلطة نفسُها.

أمّا النقطة الثانية – ولعلّها العامل الحاسم في تسريع الأحداث – فتتعلَّق بمعركة كسر عظامٍ دارت رحاها في الساعات التي سبقت الاستقالة بين قائد الجيش وشقيق الرئيس. وقد كان على الأوّل أن يتخلّص من الثاني بعد أنْ أدرك أنه سيسحب البساط من تحت قدمَيه.

تنازُل السلطة الفعلية عن "رجُل الإجماع" الذي جاءت به عام 1999 وأصرّت على التمسُّك به طيلة عشرين سنةً، حتّى وإنْ تطلّب ذلك ارتكاب واحدةٍ من أشنع الخطايا السياسية في تاريخ الجزائر المعاصر، والمتمثّلة في تعديل الدستور عام 2008، كان (التنازُل) آخر خيارٍ لها بعد أنْ استنفدت جميع خياراتها، وبعد أن أسقط الشارع كلّ مقترحات/ مناورات احتواء الحراك: مقترح بوتفليقة، في رسالة ترشُّحه بتاريخ الثالث من مارس، بإجراء ندوة وطنية تعقبها انتخاباتٌ رئاسية مبكرة لا يترشّح فيها، ثمّ إعلانه، في الحادي عشر من الشهر نفسه، تأجيلَ انتخابات الثامن عشر من أفريل وعدم ترشُّحه للانتخابات المقبلة، وهو ما كان يعني، عملياً، تمديد العهدة الرابعة أو الفوز بعهدةٍ خامسة دون انتخابات.

بعد التخلُّص من بوتفليقة الذي بات وجودُه عبئاً على جسدها المترهّل، ستعمد السلطة إلى التخلُّص مِن بعض رموزه، لكن بطريقة التقطير؛ بحيثُ تُتبع كلُّ جمعةٍ تقريباً بإضافة اسمٍ أو اسمَين إلى نزلاء سجن الحرّاش، بما يُعطي انطباعاً بتحقيق مطالب الحراك. استهدفت المتابعات القضائية أكثر الوجوه التي يرفضها الشارع (أويحيى، سلّال، حدّاد، سعيد بوتفليقة)، ويعتبرها سبباً في ما وصلت إليه البلاد من تدهورٍ على كلّ الصُّعد.

لكن، في المقابل، استمرّت وجوهٌ أُخرى لا تقلّ سوءاً في تصدّر المشهد؛ بدءاً برئيس الدولة والوزير الأوّل. لم يكُن في وسع الجسد المريض، الذي اضطرّ إلى بتر بعض أعضائه لكي يستمرّ في الحياة، أن يبتر أعضاءه الفاسدة جميعها؛ لأنّ ذلك يعني أنَّ النظام يتخلّص من نفسه، بينما المطلوب هو تجديد نفسه.

اللافت، هنا، هو الانقلاب السريعُ لكثير من الوجوه السياسية والاقتصادية والإعلامية التي تحوّلت من تمجيد الرئيس السابق إلى تمجيد قائد الجيش. وقد كان يُتوقَّع منها أنْ تُظهر بعضاً من الوفاء والمروءة، أو تصمت. اللافت أكثر أنَّ السلطة الفعلية بدت مرحّبةً بهؤلاء جميعاً، في وقتٍ تقمع المناضلين الحقيقيّين. وهذا ما يجعل من احتمال تبرئة رموز بوتفليقة وعودتهم إلى المشهد مستقبلاً أمراً غير مستبعد بالمرّة.

أمّا المثير للسخرية، فهو أنّ كثيراً ممّن كانوا يعارضون بوتفليقة سيجدون نفسهم في سلّة واحدةٍ من متملّقيه السابقين.

في الوقت نفسه، ستتغيّر طريقة التعامُل مع الحراك؛ بحيث تنسحب تدريجياً مشاهد الودّ المتبادل بين رجال الأمن والمتظاهرين ليحلّ مكانَها تضييقٌ لم تشهد مثلَه مظاهرات ما قبل استقالة بوتفليقة. بالنسبة إلى السلطة، فإنّ المطلوب من المواطنين هو العودة إلى منازلهم بعد "تحقيق مطالبهم" التي أصبحت تَعتبر جزءاً منها تعجيزياً.

ما فات السلطة هو أنَّ الجماهير التي خرجت منذ الثاني والعشرين من فبراير لم تُطالب فقط بزجّ مجموعةٍ من الأشخاص في السجون، إنما طالبت أيضاً بالقطع مع ممارسات الماضي، والانتقال إلى جمهورية جديدة يعيش فيها المواطن حرّاً وكريماً، ويُعبّر عن آرائه دون خوف، ويختار رئيسه وممثّليه دون أن تتدخّل جهةٌ تعتبر نفسها وصيةً عليه. ماذا سيستفيد المواطن إنْ دخل أويحيى وسلّال وحدّاد وسعيد بوتفليقة السجن وظلّ حاله على ما كان عليه؟

هنا، لا يُمكن أنْ نُغفل أنَّ السلطة تتعامل مع المظاهرات بمنطق عددٍي؛ فهي تكتفي بدور المتفرّج والمسيّر للحشود حين تتدفّق على الشوارع أعدادٌ مهولة من المتظاهرين، لكنها تلجأ إلى التضييق حين تنحصر الأعداد، ثمّ تستخفّ بمطالبهم وتعتبر المواطنين مجرّد "شرذمة". لنتذكّر أنَّ السلطة التي لم تعتقل مواطناً واحداً في أولى جمعات الحراك، هي نفسها التي اعتقلت مواطنين في "شارع موريس أودان"، خرجوا استجابةً لدعوة "حركة مواطنة" بعد يومٍ واحد فقط.

ستتّخذ الأمور منحىً آخر مع تحذير رئيس الأركان، في السادس عشر من جوان الماضي، مِن رفع أيّ علمٍ آخر غير العلم الوطني، وهو ما تبعته اعتقالاتٌ لمواطنين رفعوا الراية الأمازيغية التي لم يكُن رفعُها يثير أيّة مشكلةٍ في السابق. ستتأجّج حزازاتٌ وترتفع أصواتٌ لا تُخفي عنصريتها وكراهيتها لطيفٍ واسع من الجزائريّين، بل سيصل بها الأمر إلى درجة الاجتماع على مرأىً من السلطة ومسمع.

خطورة هذه المحطّة تكمُن في أنّها، من جهةٍ، فتحت جدالات على مسائل ثقافية ولغوية وأيديولوجية في وقتٍ كان يجب تأجيلها إلى وقتٍ لاحق والتركيز على مطالب الحراك الحقيقية، ومِن جهةٍ أُخرى أكّدت وجود من يُبرّر للقمع حين يتعلّق الأمر بالاختلاف، أيّاً كان نوعه.

المؤكّد ألّا أحد يتمنّى أن يذكر التاريخ أنّ مواطنين جزائريّين فوّتوا على مواطنين جزائريّين آخرين فرصة تحقيق تغيير سلمي إلى الأحسن، فقط لأنهم يختلفون معهم في الرأي.

لم تكن تلك المقدّمات لتؤدّي إلى نتائج غير هذه: بينما يمضي الحراك إلى جمعته الواحدة والثلاثين دون أنْ يُفرّط في أيّ من مطالبه، تزيد وتيرة التخويف والاعتقالات جنباً إلى جنبٍ مع مُضيِّ السلطة، بطريقة مثيرة للسخرية، إلى إجراء انتخاباتٍ وفق الأساليب القديمة نفسها. لكن، وعلى الأغلب، إنْ لم تتسبّب تلك الاعتقالات في إضفاء زخم جديد على الحراك، فإنها لن تُضعفه. إحدى نقاط ضعف الحراك هي عدم وجود ممثّلين له. لكن تلك نقطة قوّته أيضاً.

شوهد المقال 561 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..
image

اطلقوا سراح معتقلات مستغانم ـ بلجيلالي حسنية ، بن عومر فاطمة ، حنان بشكات

عين الوطن 1.بلجيلالي حسنية: متزوجة و أم لأطفال،أحدهم يحضر لشهادة البكالوريا من هذه السنة،تنحدر من أسرة مناضلة معتقلة مع أخيها،مناضلة شرسة لم تتخلف عن
image

شكري الهزَّيل ـ اشكالية الفلسطيني و"الفلسطرائيلي" !!

د.شكري الهزَّيل كثيرة هي المطبات الوطنية التي وقع او تعثر بها المسار التاريخي الفلسطيني منذ اغتصاب فلسطين واحتلالها عام 1948 وحتى يومنا هذا والحديث يدور
image

وجيدة حافي ـ ما محل الثقافة من الإعراب

وجيدة حافي  دائما ما نكتب في السياسة والإقتصاد، ونهتم بالواقع المُعاش للمُواطن العربي وننسى مجالا مُهما وقارا في بُلداننا، لأنه الوسيلة التي تُبين مدى وعينا وفهمنا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats