الرئيسية | الوطن السياسي | نجيب بلحيمر ـ حمروش ومحنة السياسة

نجيب بلحيمر ـ حمروش ومحنة السياسة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

تتشابه ردود الفعل على مساهمات مولود حمروش في وسائل الإعلام إذ تتراوح بين التذكير بتقاعسه عن النضال السياسي وتحمل المخاطرة المترتبة عنه، والقول بأن كلامه موجه إلى الجيش باعتباره السلطة الفعلية، واتهامه بتقديم عرض خدمة لمن يعينون الرؤساء ولذلك فهو يداهنهم ولا يتخذ موقفا واضحا منهم.
كان بالإمكان العودة إلى الموقف الصريح الذي عبر عنه حمروش منذ بداية الثورة السلمية، حيث أكد بأنه غير معني بتسيير أي مرحلة انتقالية، أو انتخابات ستجري، وقد أعاد التذكير بهذا الموقف مجددا بعد إدراج اسمه ضمن قائمة تضم شخصيات مرشحة للإشراف على الحوار الذي دعت إليه السلطة، كان بالإمكان الاعتماد على هذا الموقف لقراءة المقال الأخير لحمروش خارج سياق العروض السياسية، والاستفادة من التشخيص الذي يقدمه، والمبادئ التي يقترحها كأساس لخطة تغيير منظم وسلمي للنظام.
يقال إن حمروش لم يحمل أي جهة مسؤولية الانسداد الحاصل، والمؤكد أن الذين كانوا ينتظرون ذكر أسماء قد خاب ظنهم مرة أخرى، غير انه من المفيد التنبيه إلى ان تحليل حمروش لم يكن غارقا في التنظير كما قد يبدو من خلال استعماله لمصطلحات يعرفها جيدا دارسو العلوم السياسية، وقد سبق له ان توجه بصفة مباشرة إلى كل من بوتفليقة بصفته رئيسا للجمهورية والفريقين أحمد قايد صالح باعتباره رئيسا لأركان الجيش، ومحمد مدين كمدير لجهاز المخابرات، وقد حدث هذا خلال ندوة صحافية عقدها يوم 30 مارس 2014 وحمل الثلاثة مسؤولية التوصل إلى توافق لإحداث التغيير المنشود، فما الذي حدث؟
بعد خمس سنوات من تلك الدعوة المباشرة صار بوتفليقة حبيس بيته بعد أن خلعته الثورة السلمية، في حين يقبع توفيق مدين في السجن، ويظهر قايد صالح بصورة الحاكم الفعلي للبلاد، ورغم كل هذا لم يتغير النظام، بل صار خطرا حقيقيا على وحدة البلاد وانسجام المجتمع.
الشاهد في القصة هو أن ما يجري الآن يثبت أن التركيز على الأشخاص لا يخدم التحليل، ولا يساهم في التغيير، والنظام يبقى قادرا على استبدال أشخاص بآخرين بحثا عن الاستمرارية، واختزال المشكلة في شخص قايد صالح هو تكرار لنفس الأخطاء، ولو كان إسقاط شخص أو عصبة هو الحل لتوقع الذين عاشوا تحت حكم غير معلن لتوفيق مدين لربع قرن ان يكون دخوله إلى السجن نهاية للنظام، لكن الحقيقة غير ذلك، وما يزال مطلب تغيير النظام مرفوعا منذ ذلك الحين.
يعيدنا هذا التوصيف إلى نقطة الانطلاق وهي التركيز على المفاهيم التي يستعملها حمروش وأهمها النظام، وهو مفهوم ملتبس لدى كثير من الناس ومن ضمنهم دارسون للعلوم السياسية، وعلى عكس ما يعتقد البعض فإن التركيز على النظام لا يفتح الباب للهروب من تحميل المسؤولية للأشخاص بل يدفع إلى مناقشة عمق المشكلة وتشخيصها بدقة لوصف العلاج المناسب. 
في التعريف المختصر المتداول النظام السياسي هو شبكة من العلاقات يقوم من خلالها الحكم بإنتاج السياسات (المخرجات) استجابة للمطالب أو التأييد الصادر عن الجمهور (المدخلات)، وتحت هذا العنوان تأتي تفصيلات كثيرة يمكن الاطلاع عليها من المصادر التي هي في المتناول بكبسة على لوحة المفاتيح. 
هذا التعريف الموجز يساعدنا على إدراك أهمية التركيز على النظام بدل الأشخاص، تركيز يجد تبريره أيضا في المحاولات الظاهرة لتجديد النظام منذ اندلاع الثورة السلمية، وهي محاولات لم تنته برغم سجن مسؤولين كبار مدنيين وعسكريين، ولن تنتفي هذه القاعدة في حال تنحي قايد صالح اليوم أو غدا، بل إن ما يجري من محاولات لتشويه مفهوم النظام بربطه ببوتفليقة ورموز عهده هو في حد ذاته جزء من مساعي تمديد عمر هذا النظام.
لا يتوجه الحديث عن النظام إلى الجمهور فقط، وإنما هو أيضا رسالة صريحة موجهة إلى الممسكين بالسلطة الفعلية الآن، ومفاد الرسالة ان النظام يستعملهم هم أيضا، وأن المصير المأساوي الذي انتهى إليه أسلافهم يجب أن يكون درسا للجميع، لكن مستوى التنبيه يتصاعد ليشمل التهديد الذي بات يشكله استمرار النظام على الجيش والمجتمع والدولة. 
كيف يمكن أن نناضل من أجل التغيير؟ هذا سؤال كبير يكون حمروش قد انتبه إليه وهو الذي يواجه تهمة خصومه بالتقاعس وعتاب المتعاطفين معه لعدم المخاطرة، وقد نجد في قراءة حمروش للواقع السياسي الإجابة، ففي سنة 1999 وبعد الانسحاب من الانتخابات لازم أنصار حمروش مقرات حملته الانتخابية وطالبوه بتأسيس حزب سياسي لكنه رفض، وقد برر خياره لاحقا بأنه لا يرى فائدة في تأسيس حزب سيكون مجرد إضافة لقائمة من الأحزاب لا تفعل شيئا، ولا مفر من الاعتراف بأن ما جرى خلال العشرين سنة الماضية صدق هذا التشخيص.
لا يتعلق الأمر هنا بتأكيد صواب موقف حمروش بقدر ما يتصل بالتنبيه إلى محنة السياسة في الجزائر، محنة تتجلى في انقطاع الأحزاب والمنظمات عن المجتمع، كما تتجلى في عزوف قطاعات واسعة من المجتمع عن الاشتغال بالشأن العام، ولقد تجلت هذه الحقيقة بوضوح على الأرض بفعل الثورة السلمية التي تدفع باتجاه انبثاق جزائر جديدة تعيد المعنى للممارسة السياسية، ويبدأ ذلك من خلال فرض الشارع، الذي يمثل قطاعات واسعة من المجتمع غير مندمجة في الأطر التي يوفرها النظام، كفاعل أساسي، بل إن حمروش يضعها كطرف وحيد مع الجيش. 
قد يجد كثير من الذين قرأوا المقال الأخير لحمروش صعوبة في فهم تمجيده للثورة السلمية وانحيازه إليها، ودعوته الضمنية إلى استمرارها، وبين إشادته بقرار قيادة الجيش المعلن بمرافقة الحراك وحمايته من خلال تطبيق المواد 102 و 7 و8 من الدستور، ثم يزداد الأمر التباسا عندما يعتبر الذهاب سريعا إلى انتخابات أمرا منطقيا، وقد يكون تفسير الأمر في الفصل بين ما هو معلن من أهداف من جهة، والمنهجية المتبعة لبلوغها من جهة أخرى، وإذا كان المبدأ هو ضرورة الوقوف مع مطالب الشعب، فإن تحقيقها يجب أن يمر عبر خطة تحظى بالتوافق، كما أن الانتخابات التي يجب أن نذهب إليها بسرعة هي التي تفضي إلى تولي رئيس يحظى بشرعية كاملة ويكون حائزا على آليات التنفيذ فضلا عن الصلاحيات التي يمنحها له الدستور.
يتضمن مقال حمروش تحذيرات صريحة لقيادة الجيش من مغبة الخضوع لمساعي تجديد النظام التي تبذلها ما سماها "شبكات الولاء والإكراه والرشوة" وتترك هذه التحذيرات الباب مفتوحا أمام تأويلات كثيرة لكنها في النهاية تعني أصحاب السلطة الفعليين أكثر من غيرهم، بل إن المقال يذهب أبعد من هذا عندما يصر على التحدث عن الجيش بصفته المؤسسية قائما على الانضباط وهو ما لا يتفق مع أي شخصنة. 
من المهم وضع تدخلات حمروش في السياق الذي جاءت فيه، والذي تطبعه ثورة سلمية تهدف إلى تغيير النظام، وتخبر عن تحولات عميقة في المجتمع وهي في جزء منها تعبير عن طموحات جيل جديد لا ينتمي إليه حمروش الذي يبقى قادرا على تقديم النصيحة المفيدة لأبناء جيله، والمساهمة في إضاءة الطريق نحو تحول هادئ وسلمي يعزز وحدة الوطن وتماسك المجتمع ويرسي أسس دولة تعود مهمة بنائها حصرا إلى هذا الجيل الجديد.

 

شوهد المقال 166 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats