الرئيسية | الوطن السياسي | نوري دريس ـ الجزائر: ِنظام في مواجهة ديناميكية نزع الشخصنة والسرية عن السلطة السياسية..

نوري دريس ـ الجزائر: ِنظام في مواجهة ديناميكية نزع الشخصنة والسرية عن السلطة السياسية..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.نوري دريس 

 

 

هنالك تهافت لاقتراح الحلول، كما لو أن الجزائر تعيش أزمة تقنية او أزمة ظرفية، حلها يأتي به أكثر الاشخاص ذكاءا أو وطنية أو كفاءة...
في الواقع ما يمكن مناقشته تحت عنوان ( اقتراح
حلول، او اقتراح ورقة طريق) هو الجانب التقني لبعض المسائل المتعلقة بضرورة استمرار عمل مؤسسات الدولة في ظل سحب الشعب للشرعية من السلطة ورفضه لاعادتها دون ضمانات بعد المظاهرات التي انطلقت يوم 22 فيفري و لا تزال مستمرة، والتي انتجت مجموعة من الانعكاسات و الاثار الظرفية على اشتغال الجهاز التنفيذي للدولة....

 

وهذا الوضع أنتج أزمة شلت النظام السياسي، بحيث نزع المشروعية عنه( ولو انها كانت شكلية..لانه في الاخير الاعتراف بالشرعية الشعبية شكليا في الدستور، سوف ينتهي مع الزمن بملأ الشكل بالجوهر، وكل شيء يبدأ شكليا ليصبح جوهريا)، و اصبح عاجز حت عن تعيين مسؤولين في مناصب شاغرة بعد حملة الايادي النظيفة التي فضحت عمق الفساد... وزراء الحكومة اصبحوا مظازدين في كل مكان و يصفهم الشارع باللاشرعيين لان العصابة عينتهم...

النظام السياسي الذي يسير الدولة اصبح بلا شرعية، عار، حيث بسبب تعسفه المطلق في استخدام الشرعية السياسية التي كانت بحوزته، (شرعية هجينة تتكون من خليط من الشرعية الانتخابية، والثورية، يقوم النظام بصيانتها باموال الريع و شبكات الدعم الزبونية)، خرج الشعب، الذي انتزع اعترافا شكليا بأنه مصدر السيادة منذ دستور 1989، خرج ليسحب هذه الشرعية وهذا بالمطالبة برحيل النظام و تغيير قواعد اللعبة السياسية، وقانون الانتخابات قبل تنظيم انتخابات تمنح الشرعية لاي كان ليسير مؤسسات الدولة والشأن العام...

 

ثمة وعي متنامي بمسألة الشأن العام، و ضرورة تقييد السلطة التي تسيره و محاسبتها، وتجلى بأشكال مختلفة في التاريخ. 
في بداية التسعينات انتخب الجزائريون الجبهة الاسلامية للانقاذ لانها اقترحت تقييد السلطة باخضاعها للنظام الاخلاقي الديني الإسلامي...وهذا الاقتراح كان متجانسا مع المخيال الاجتماعي و التمثلات الثقافية للاستقامة و الكفاءة في المجتمع الجزائري...في الواقع شعار تطبيق الشريعة يعكس ارادة لتقييد السلطة بتطبيق حدود ( الله) حتى و ان كان متناقضا مع الهيكلة القانونية الحديثة لتقييد السلطة..

 

تجربة حكم بوتفليقة علمت الحزائريين انه لا ثقة لا في المجاهد و لا في الاسلامي و لا في الدكتور و لا في الإمام لتسيير الشأن العام دون رقابة ومحاسبة... تعلم الجزائريون ان الكفاءة في تسيير الشأن العام غير مرتبطة فقط بنزاهة الشخص و استقامته الخلقية، ولا بتاريخه الثوري ولا شهادته الجامعية و لا مكانته كإمام أو داعية...الفاسدون ينحدرون من هذه الفئات جميعها...

الكفائة و الفعالية مرتبطة بتوفر مجموعة من الشروط الموضوعية المستقلة عن خصائص الافراد، وهي مرتبة في اذهان الناس بطرق مختلفة لكنها تلتقي عموما حول: 1.نزاهة و شفافية طريقة اقتراع و اختيار الشخصيات العمومية. 2، وجود قضاء مستقل يحاسب المسؤولين الذين انتخبهم الشعب.3. وجود حرية تعبير وحرية تجمهر وحرية نقابية تسمح للمجتمع بالنقاش العلني لقضايا الشأن العام لتقليل تفرد الرأي الواحد و تقييد مفعول الدعاية التي يمارسها كل شخص في السلطة...

المسألة اذا يمكن ان نختصرها في ادراك المجتمع من خلال التجربة، أنه يجب تقييد السلطة، سواء بالفصل بين السلطات على المستوى المؤسساتي، وذلك باعطاء دور اكبر للسلطات المضادة و الموازنة في المجتمع ( النقابات،) من خلال تحرير الفضاء العام لها...

ولدت الازمة الحالية بسبب تعارض منطقين: منطق السلطة القائمة، ويقوم على البحث عن الاستمرار ومواجهة الضغط والسخط، و الإفلات قدر الامكان من سعي المجتمع الى تقييدها.

و منطق الثورة السلمية، الذي يقوم على استخدام مبدأ السيادة الشعبية ( المادة 7 و 8) لفرض قيود على السلطة، و اخصاعها للعقاب الانتخابي، و توفير ضمانات شفافية عملية الاقتراع...

 

باختصار، هنالك بين ديناميكيتين: 
ديناميكية خوصصة السلطة و احتكارها، وعدم الرضوخ للمطالب بتحويلها الى موضوع للتنافس الانتخابي الشفاف والرقابة المؤسساتية...
و ديناميكية شعبية تريد القضاء على الطابع المشخصن للسلطة و الطابع السري و الخفي لها. و اخراجها الى العلن وجعلها موضوعا لتنافس انتخابي وفق قواعد محددة شفافة وواضحة...
في هذا الصراع بين ديناميكيتين ليس هنالك منتصر و منهزم....صحيح سيفقد اشخاص معينون سلطتهم و منصبهم و يمكن ان يتعرضوا للسجن...هذا ليس انهزام للديناميكية بل هزيمة اشخاص يمكن ان تطيل من عمر الديناميكية او تحفزها...

 

لانه في الاخير لن يفقد كل المسؤولين الذين كانوا يتمتعون بسلطات غير محودودة او واسعة مناصبهم بين عشية وضحاها..ولكن ستقلص قدرتهم على التعسف بالسلطة التي شرع الجزائريون في تقييدها منذ استيراد نموذج الدولة الأمة الحديث بعد الاستقلال...منطق الدولة يقتضي ان يستمر نفس الاشخاص في ممارسات مهام تنفيذية...

في المقابل، سيستمر الشعب في وضع قيد تلوى الاخر لهذه السلطة، حسب الموارد التي يمتلكها...

 

عملية نزع الطابع الشخصي و السري ( الخفي) عن السلطة تأخذ وقتا طويلا، ولا تكتمل ابدا...لان السلطة تخترع دائما ادوات دعاية و مقاومة مهما كانت درجة نضج المؤسسات..
ولكن هنالك الحد الأدنى الذي لا يستسلم اي مجتمع قبل بلوغه، وهو المستوى الذي تفقد السلطة طابعها الافتراسي اولا، وتكون موضوعا للتداول و التنافس، ومهمتها الاساسية هي حماية الحريات الفردية و الجماعية....اي سلطة في خدمة المصلحة العامة 
السلظة التقليدبة تمنح لنفسها مهمة قمع الخريات الفردية لضمان التوزيع العادل للثروة...وقد فشلت في ذلك بسبب تزايد عدد السكان و اتساع الجهاز البيروقراطي للدولة...
انا السلطة الحديثة فهي تتأسس لحماية الحريات الفردية وهذا لا يمكن الا بتقييدها و تحديد مجال تدخلها في المجتمع..

 

 

في نظري هذا هو الذي نعيشه اليوم في الجزائر...
الشعب يريد اخراج السلطة من جحورها الى صناديق الاقتراع، لمراقبتها وتقييدها و محاسبتها...فهل يمكن الحديث عن فشل لهذه الديناميكية؟ وهل يمكن الحديث عن خطة ناجزة( ورقة طريق) لتجسيدها؟؟؟؟

 

شوهد المقال 208 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خليفة عبد القادر ـ الحراك لا يجب أن يتوقف، ولن يتوقف

أ.د .خليفة عبد القادر  من أروع ما سمعت من التحليلات السوسيولوجية الجادة حول الحراك الوطني في الجزائر، كونه موجة عاتية قادمة من أعماق المجتمع
image

نجيب بلحيمر ـ مأزق الانتخابات وفسحة نوفمبر

نجيب بلحيمر   خمسة أيام وتنقضي فترة إيداع ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية التي تريد السلطة تنظيمها يوم 12 ديسمبر، وإلى حد الآن كل الوجوه التي
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats