الرئيسية | الوطن السياسي | بوصيدة فيصل ـ عن مدى دستورية ما جاء في بيان المجلس الدستوري

بوصيدة فيصل ـ عن مدى دستورية ما جاء في بيان المجلس الدستوري

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بوصيدة فيصل

قمنا بالتعليق على أهم الأحداث التي حصلت مع سير الحراك الشعبي، وتتمة لذلك وجب أن ندلي بما نراه في قضية بيان المجلس الدستوري الذي كان منتظرا لإعلان نتيجة دراسة ملفي الترشح الوحيدين اللذان قدما لعنوان انتخابات 4 جويلية، وقد كان قراره بخصوص الانتخابات أنها مستحيلة ويتعين تأجيلها، ثم خاض المجلس الدستوري في مسألة أخرى وهي التمديد لرئيس الدولة فترة أخرى لغاية إجراء الانتخابات، وكانت هذه الفتوى الدستورية منتظرة لعدم الوقوع في الفراغ الدستوري الذي شدد عليه الجيش باعتبار أنه في الحقيقة سيؤدي إلى تولي الجيش زمام السلطة بالضرورة باعتباره سلطة الأمر الواقع، فهل ما جاء في البيان دستوري؟
يتوجب القول في البداية أن الفراغ الدستوري الذي كانت مؤسسة الجيش تحذر منه هو من ثلاث جهات على الأقل:
الجهة الأولى: أن الدستور لا يغطي حالة كون الانتخابات الرئاسية التي يكون من صلاحية رئيس الدولة المستخلف تنظيمها لم تتم (تطبيقا للمادة 102)، أي أنه يعطي مدة 90 يوما دون تجديد في حالة عدم القدرة على تنظيم الانتخابات لأي سبب كان.
الجهة الثانية: أن مصير رئيس الدولة نفسه الذي يعين بهذه الطريقة في حالة عدم إمكانية إجراءات الانتخابات غير منصوص عليه في الدستور الحالي،
الجهة الثالثة: وهي المعضلة الواقعية المنجرة عن اعتبار أن هذا الرئيس مرفوض شعبيا، فلو استقال فإن الدستور لا ينص على كيفية استخلافه أيضا.
يتوجب القول أيضا أن الحل المتمثل في اللجوء إلى تقرير الحالة الاستثنائية، والذي يعتبر مخرجا دستوريا مهما، منصوص عليه في المادة 107 و104 في فقرتها الأخيرة، غير أن الراجح أن الوضع الحالي للبلاد لم يصل إلى درجة تبرر تطبيق هذه الحالة المنصوص عليها في الدستور كما هو واضح لكل ذي عينين، إلا إذا اعتبرنا أن الفراغ الدستوري هو في حد ذاته خطر داهم يهدد المؤسسات الدستورية (المادة 107 فقرة 1).
على ذلك فإن كل هذه الفراغات تستوجب أن تضطلع جهة معينة بالفتوى بشأنها، وفي الظرف الحالي لا توجد جهة مخولة بالفتوى في هذه المسائل سوى المجلس الدستوري، وهي فتوى دستورية من ثلاث نقاط إن صح التعبير يمكن أن يتصدى لها المجلس الدستوري، لكن هناك مانعا مهما يمنعه من القيام بذلك، فما هو؟
إن المجلس الدستوري الجزائري خصه المؤسس الدستوري بميزة مهمة جدا، وهي أن هذا المجلس هو من يقوم بنفسه بتحديد قواعد عمله، وهذا تطبيقا لنص المادة 189 فقرة أخيرة من الدستور، وهذا يعني أنه بالإضافة إلى قواعد عمله المحددة في الدستور فإن هناك قواعد يقوم المجلس الدستوري بنفسه بالاجتماع من أجل وضعها، وانطلاقا من ذلك فقد قام فعلا بوضع تلك القواعد بعنوان: " الـنظـام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري"، وبالرجوع إلى هذا النظام فإننا نجد هذا المجلس يقوم في الحقيقة بعدة عمليات، منها ما يخص رقابة القوانين العضوية، ونظامي غرفتي البرلمان الداخليين، ثم رقابة المعاهدات، والقوانين والتنظيمات، وهذه الحالات تخضع لتقنية الإخطار من قبل جهات معينة حددها الدستور.
في الباب الموالي يقوم المجلس الدستوري بأعمال تخص رقابته على الانتخابات والاستفتاءات، وإعلانه لنتائجهما، وفي هذه الحالة فضلا عن عدم خضوعه لإخطار فهو يمكنه القيام بأعمال ذات طابع إيجابي، كالاستعانة بمحققين وخبراء، أو طلب معلومات من الإدارة.
أما بالرجوع إلى المواد 72، 73، 74، و75، من هذا النظام، فإن المجلس الدستوري يجتمع بقوة القانون –دون حاجة إلى إخطار- في مسألة تطبيق المادة 102، حتى وإن لاحظنا أنه –في المرة الوحيدة التي طبق فيها هذه المادة- قام بذلك بإيعاز من جهة ما، على اعتبار أن استقالة رئيس الجمهورية كذلك قد تمت بإيعاز، غير أننا في هذا التحليل القانوني لا يمكننا الذهاب إلى أكثر من النظر إلى الوقائع في جانبها القانوني، دون الدخول في التفاصيل الأخرى، فبالفعل قام المجلس الدستوري بالاجتماع بعد استقالة بوتفليقة، وقام بالإجراءات كما يتطلب الدستور.
المواد 73، 74، 75 تتحدث عن حالات استشارة المجلس الدستوري بخصوص (تقرير الحالة الاستثنائية، حالة الهدنة ومعاهدات السلم، تمديد فترة البرلمان).
على ذلك فإن المجلس الدستوري لحد الآن، ولحد هذه النقطة من التحليل، لا يملك أن يخطر نفسه بنفسه بخصوص مواضيع أخرى، مثل الحالة التي وصلنا إليها، والتي تخص الفراغ الدستوري الذي يستوجب الاجتهاد لحل جميع المسائل العالقة في ضوء الدستور، وبالاستناد إلى المادة 182 فقرة أولى منه، والتي تنص على أن: ‬المجلس الدستوريّ ‮ ‬هيئة مستقلة تكلّف بالسّهر على احترام الدّستور‮، وانطلاقا من ذلك فأعتقد أن المجلس الدستوري بحاجة إلى تعديل نظام عمله من أجل إضافة مادة وحيدة، تخول له التدخل بفتوى دستورية ملزمة، ودون حاجة إلى إخطار (أو إسناد الإخطار إلى جهات لا يمكنها أن تعرقل هذا الأمر)، وفي هذه الحالة فقط يمكنه إصدار ليس فتوى دستورية فحسب، بل إعلان دستوري كامل يسند السلطة لأهلها، هكذا أقولها دون تحفظ، ‬طالما أن هذا المجلس موجود، في انتظار تعديل تشكيلته التي تستحوذ عليها السلطة التنفيذية.
إن الأساس القانوني للرأي السابق يستند ببساطة إلى المادة 86 من نظام عمل المجلس الدستوري التي جاءت كالآتي: "يمكن تعديل النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري باقتراح من رئيس المجلس أو من أغلبية أعضائه"، وتبعا لذلك فإن المجلس الدستوري يمكن أن يقوم بتعديل نظام عمله كخطوة أولى، ثم القيام بإصدار فتوى أو بيان أو إعلان دستوري، يبت في المسائل العالقة، وهي:
النقطة الأولى: وهي حالة عدم القدرة على تنظيم الانتخابات، فإن المجلس الدستوري يمكنه إصدار فتوى بتأجيل تاريخها إلى وقت لاحق، ولا أظن أن هذه الفتوى تصطدم بأي اعتبار قوي يعارضها.[ملاحظة: كتبت هذا التحليل قبل صدور بيان المجلس الدستوري، ولم أكمله].
أما النقطة الثانية: وهي مصير رئيس الدولة الحالي في حالة انتهاء مهلة الثلاثة أشهر دون تنظيم انتخابات فهي يمكن أن تصدر أيضا فتوى باستمراره على أساس أن الدستور ينص على كونه هو من يسلم مهام الرئاسة للرئيس المنتخب [قمت أيضا بكتابة هذا قبل صدور البيان].
أما النقطة الثالثة، وفي حالة دفع بن صالح للاستقالة، فإن المجلس الدستوري هنا يصطدم بواقع صعب، وأظن أن الحل الأقرب هو إعلان دستوري، يغطي به كل الاختلالات السابقة، والذي ينبغي أن يضمن تغطية ما يلي:
- شخصية توافقية ترأس الدولة بدلا عن بن صالح لغاية إجراء انتخابات رئاسية وتسليم المهام للرئيس المنتخب.
- إقالة الحكومة الحالية، وتكليف الرئيس المعين باختيار حكومة جديدة كليا، تنتهي هي الأخرى بانتخاب رئيس جديد.
- تعيين لجنة انتخابات تشرف وتنظم الانتخابات الرئاسية تكون بديلا للهيئة المنصوص عليها في الدستور والتي لا تفي بمهمة مراقبة الانتخابات باعتبار صلاحياتها المحددة. [كتبت هذا قبل صدور البيان].
على ذلك فيمكن القول ، وحتى لا يطول المقال، أن بيان المجلس الدستوري يفتقد إلى خطة مهمة تسبق تقريره، وهي تعديل نظام عمله، بما يسمح له بالفتوى بشأن مسألة تمديد الرئاسة، التي لم يكن مخولا بالبت فيها، علما أن الفقه ناقش مسألة كيف للمجلس الدستوري أن يحدد قواعد عمله، وقد برر الأستاذ غناي رمضان هذا الأمر بالاستناد إلى ثلاث نقاط:
- أن المؤسس الدستوري هو الذي حدد ونظم بشكل دقيق اختصاصات المجلس الدستوري مما يغني عن صدور قانون (عضوي) في هذا الشأن.
- أن البرلمان وفق القراءة الضيقة لنصوص الدستور هو غير مختص في تنظيم اختصاصات وقواعد عمل المجلس الدستوري، ذلك أن مجالات القانون محددة دستوريا على وجه الحصر سواء بالنسبة لمجالات القوانين العادية أو القوانين العضوية، ولأنه لا يوجد نص دستوري صريح يفيد اختصاص البرلمان، بالعكس فإن تكريس الدستور لحق المجلس الدستوري في تحديد قواعد عمله يستبعد ضمنيا اختصاص البرلمان.
- إن المؤسس الدستوري يكون قد تعمد هذا الوضع قصد منح المجلس الدستوري ضمانات الاستقلالية المطلوبة تجاه السلطات الثلاث، هذه الاستقلالية ضرورية لأن المجلس الدستوري هو مكلف بشكل خاص بمراقبة مدى مطابقة نشاط السلطتين التنفيذية والتشريعية لأحكام الدستور.
هذا القصد قد لا يتحقق عندما يخضع المجلس الدستوري لنظام قانوني من صنع البرلمان أو من صنع التشريع الفرعي الصادر عن السلطة التنفيذية، ولتأكيد هذا سهر المشرع الدستوري على تحديد جميع اختصاصات المجلس الدستوري من جهة وتكريس مبدأ تحديد المجلس الدستوري لقواعد عمله من جهة أخرى، وهذا عكس ما سطره بالنسبة لمجلس المحاسبة إذ نصت الفقرة الأخيرة من المادة 192 فقرة 4 من الدستور على أنه:"يحدد القانون صلاحيات مجلس المحاسبة ويضبط تنظيمه وعمله وجزاء تحقيقاته "، علما بأن مجلس المحاسبة هو بدوره مؤسسة دستورية رقابية ورد ذكرها في نفس الفصل المنظم للمجلس الدستوري.
ختاما، أتمنى أن لا يكون هذا المقال حبرا على ورق، وقد كثرت المبادرات والتحليلات دون فائدة، ويبدو أننا نعيش مرحلة ربح الوقت بالنسبة لأصحاب القرار، وهذا كله في غير صالح البلد، وهذا ما صار يتخوف منه الجميع، وهو ما لا نتمناه، وكل حراك وأنتم بخير.

شوهد المقال 562 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

وليد بوعديلة في 04:00 03.06.2019
avatar
نشكر الدكتور فيصل بوسايدة على هذا الحليل الدستوري القيم، و من يتمعن فيه سيعلم ان الحل السياسي والدستوري للازمة بيد هذا المجلس، لكن يبقى الاشكال المطروح في حيادية المجلس وفي الميولات الفكرية لرجاله؟؟ وهل يتحركون ابإيعاز و بتاثير لجهات معينة لا يهمها الاستماع لصوت الشعبن؟؟وفي ظل تحفظ الجيش وعدم مغامرته في التاثير على المشهد الدستورين،لتجنب كل تاويل خاطئ، يبدو أن على الحراك ان يخاطب مباشرة المجلس الدستوري ، لتعديل قانونه الداخلي والتفاعل مع آمال وطموحات الحراك السلمي، شكرا للدكتور مجددا, ونتمنى فتح النقاش حول هذا المقال المهم.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

البرهان حيدر في ديوانه " إلى إمراة ما " قصيدة النوم بين ذراعيك

البرهان حيدر      حين أنام بين ذراعيكِ، أنسى الألم من حولي … أشعرُ أني فراشةٌ تمتصُ رحيق العالم من ثغرك النابضُ كزهرةِ رمَّان في المساء.
image

فوزي سعد الله ـ باب الدِّيوَانَة...باب السَّرْدِينْ...باب الترسانة...

فوزي سعد الله   خلال العهد العثماني، كانت هذه الباب التي تُعرف بباب الدِّيوانة، اي الجمارك، وايضًا باب السَّرْدِينْ لوظيفتها المرتبطة بنشاط الصيادين، بابًا
image

وليد عبد الحي ـ العُوار في تحليل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  يبدو لي ان محاولات التنبؤ بالسلوك الامريكي في منطقتنا تعتورها إشكالية منهجية تتمثل في محاولة تفسير السياسة
image

أزراج عمر ـ قصتي مع مخابرات نظام الشاذلي بن جديد

 أزراج عمر   أنشر هنا لأول مرة وثائق المتابعات العسكرية والمخابراتية والأمنية ضدي في عام 1983م بسبب قصيدتي " أيها
image

نصر الدين قاسم ـ "الإعلام" في الجزائر.. عار السلطة والنخب الآخر

نصرالدين قاسم  (هذا مقال كتبته قبل عشرة أيام للجزيرة مباشر، لكنه لم ينشر لأن مسؤول القسم قدر أن "البوصلة متجهة ناحية مصر"**  الإعلام لم يكن في الجزائر
image

رضوان بوجمعة ـ الجزائر الجديدة 109 سياسيو التعيين في جزائر التمكين

 د. رضوان بوجمعة    نجحت الأمة الجزائرية في جمعتها ال31 اليوم، في أن تحاصر الحصار الذي فرض على العاصمة بتعليمات رسمية أقل ما يقال عنها
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر31 مظاهرات لحقن الدماء ..

د. العربي فرحاتي  كم هو مؤلم أن تتعاطى السلطة الفعلية مع الحراك الشعبي السلمي بمنطق (الاعداد) فتجتهد ولو بخرق القوانين والدستور إلى إجراءات تخفيظ
image

محمد هناد ـ الحل لن يأتي من العسكر

د. محمد هناد    السيد أحمد ڤايد صالح، لا يمكنكم – وليس من صلاحياتكم على أية حال – حل الأزمة السياسية الحالية بصورة منفردة. يكفيكم أن
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :   القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة الجارية
image

حميد بوحبيب ـ مشاهدات من قلب العاصمة الجزائر La bataille d'Alger act 2

 د.حميد بوحبيب  بعد خطاب استفزازي مسعور وتهديد بتوقيف كل من يشتبه فيه أنه من خارج العاصمة .بعد استنفار قوات القمع ومضاعفة الحواجز الأمنية واعتقال عشرات المواطنين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats