الرئيسية | الوطن السياسي | رياض حاوي ـ حرق المراكب السياسية

رياض حاوي ـ حرق المراكب السياسية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.رياض حاوي 
 
هناك من السياسيين ووجوه المعارضة من عمل مع العصابة وكان يمثل واجهتها في المعارضة وينسق معها ويعارض ويسب ويشتم بالاتفاق معها.. العصابة اعطت له مساحة للمعارضة.. بينما يقوم شاب بقول نفس الكلام يتم اعتقاله وذلك لتهديد الاغلبية حتى لا تتجرأ على العصابة.. وكثير منهم لا زال يحاكم بتهم الاعتراض على العهدة الخامسة.. هذا هو المناخ الفاسد الذي صنعته العصابة.. 
هذه حقيقة لم تعد تحتاج الى برهان انها من ابجديات المشهد السياسي في الجزائر.. وقد سمعنا كيف قامت العصابة باحضار شخصيات سياسية معارضة لها في اجتماعات انقلابية دموية ضد الارادة الشعبية..
ولكن الحقيقة الثانية ايضا
ان الاحزاب القليلة الجادة كانت تعمل في ظروف صعبة.. تحت التهديد والاكراه والابتزاز.. تم تفجير الاحزاب الوازنة واختراقها وفي بعض الحالات استغلال اخطاء افراد في القيادة لابتزاز كل القيادة. 
هذه حقيقة اخرى لا يجب ان نتجاهلها
وهناك من يستغل ظروف المرحلة الماضية من اجل ان يسقط شرعية هذه الاحزاب القليلة الجادة ويسقط رمزية الشخصيات السياسية.. ويسقط كل ما يتحرك سياسيا.. والنتيجة هي الفراغ.. وهذا الفراغ سيكون مطية لاشباح سياسية.. وكثيرا ما اسأل بعض الشباب المتحمس الذي ينتقد كل الشخصيات السياسية نقدا اقرب الى التخوين والاتهام وليس نقد للمسار السياسي وللتصريحات السياسية.. فاقول له: ما ذا تعني؟ ليس لدينا سياسيين؟ هل تريد القول نترك العسكر وحده يتدبر الشأن السياسي؟ هذا هي النتيجة البسيطة التي لا يراها كل من يتحمس لاسقاط كل الوجوه السياسية بالحق والباطل..
عندما يكون لك حزبا سياسيا فهناك التزامات سياسية منها ان تتكلم بلغة قانونية بحسب ما هو معمول به.. رئيس الحزب ليس مدون الكتروني بهوية مجهولة يقول ما يشاء.. ويسب كيفما يشاء.. رئيس الحزب ملتزم بالقوانين كما هي حتى ولو كانت جائرة.. 
طالب الابراهيمي الذي كان مرشحا قويا في انتخابات 1999 رفض رموز النظام، وكثير منهم زملؤه واصحابه منذ ما قبل الاستقلال، ان يسمحوا له بتشكيل حزب سياسي جهارا نهارا وقاموا بتشميع مقرات حزبه قيد التشكيل حزب الوفاء.. وصرح حينها زرهوني لست مستعدا لتقديم الاعتماد للفيس 2 .. هذا المناخ العام الذي عملت فيه كثير من الاحزاب والشخصيات السياسية.. وربما نتذكر الاذلال والاهانة التي تعرضت له شخصية مثل عبد الحميد مهري رحمه الله كصفحة بائسة في التاريخ السياسي للجزائر وغيرهم كثير..
قبل بضعة أشهر كل من تتصل به وتقول له نريد ان نؤسس حزب سياسي ينفر منك ويمتعض ويجعل مسافة بينك وبينه.. لانه يعرف الظروف الصعبة التي يمر بها العمل السياسي الحر.. 
واليوم بعد هذا التحول التاريخي المبارك نفس الشخص يتطاول على احزاب وشخصيات عملت في ظروف صعبة جدا لاستمرار اسماع صوت الشعب، والحفاظ على الحد الادنى من العمل السياسي والتكوين السياسي.
رئيس الحزب وقيادة الحزب ليست مجرد مجموعة تطلق التصريحات يمينا وشمالا كما يفعل مدوني الفيس بوك دون اخذ بعين الاعتبار اية حسابات تتعلق بتماسك الحزب وسلامة المناضلين المنتشرين عبر الوطن والذي يشكلون قواعد الحزب.. والذين قد يتعرضون للايذاء من منظومة فاسدة قمعية..
قبل بضعة اشهر منع حزب الطلائع بقيادة بن فليس من مجرد عقد اجتماع روتيني لحزبه من اجل اعلان موقف واضطر لعقد الندوة الصحفية في الشارع..
بعض الشخصيات السياسية كانت مخيرة اما ان تقبل بعض العناصر التي تطمئن لها مخابرات التوفيق في تشكيلتها الحزبية او تحرم من حق العمل السياسي الى الابد.. واختاروا الحفاظ على الحد الادنى من الشرعية رغم وجود بعض العناصر التي يعرفونها حفاظا على حق التواصل مع الشعب والاستمرار في التعبير عن تطلعاته..
التشكيك في الجميع هو عبث ومراهقة سياسية..
التشكيك امتد حتى للشخصيات السياسية المستقلة مثل بن بيتور والابراهيمي وحتى الناشطين السياسيين الذين تركوا كل شيء وراءهم ورحلوا خارج البلاد نافذين بجلودهم.. لمجرد ان هذا الناشط استعمل عبارة غير مناسبة هنا او هناك في هذا التصريح او ذاك التصريح.. وما اكثر هذا النوع من الاخطاء.. 
ورغم هذا الحراك المباركوالتحول العام في المناخ السياسي ومع ذلك ميدانيا لا زال رهاب القمع مهيمن على الناس.. 
فتحت نقاش حول العمل السياسي وتاسيس الاحزاب مع بعض الافاضل فوجدت ان التخوفات لا تزال في مكانها والتحفظات قائمة لم تراوح مكانها.. الكثير لا زال لا يثق في هذه التحولات ولا زال يخشى انقلاب الامور ولذلك يفضل التريث والانتظار قبل الاعلان عن تشكيلات سياسية جديدة.. 
وكثير من هؤلاء الشباب الذين يشتمون السياسيين وينكلون بهم لمجرد خطا في التعبير او اخراج جمل من سياقها.. لو تدعوه للانخراط في حزب سياسي جديد يفر هاربا وربما يطلب ضمانات من تراهب وبوتين.. وينسى ان العمل السياسي تضحية قبل كل شيء..
ستظل السياسة هي عمل السياسيين.. وسيظل الواقع هو محك التجربة.. وسيظل الذي يعمل هو الذي يخطؤ.. وأخطاءه هي دليل على عمله واجتهاده وسعيه.. وطبيعي ان من ينام او يختفي وراء شاشة الكمبيوتر لا يخطؤ لانه ببساطة لا يعمل.. ولا يريد ان يعمل.. وكثير منهم لو يعمل سيرتكب اخطاء اكثر من هؤلاء الذين ينتقدهم..
كل ما نتمناه ان يكون هناك عهد جديد للممارسة السياسية وتتأسس العشرات من التشكيلات السياسية الجديدة، وعندها يفهم هؤلاء الشباب كم هو صعب وعسير ان تنظم عمل جماعي وتحشد الطاقات وتجند الكفاءات وتدير الموارد البشرية والمالية بطريقة صحيحة وتنتج الافكار السياسية وتبني جسور الثقة مع الشركاء السياسيين وتقيم قنطرة الشراكة السياسية لبناء الوطن..
العمل السياسي جهد نضالي يحتاج الى صبر ومعاناة وقدرة على التعبئة والصبر على تكوين الكفاءات وتهيئة الكوادر التي ستتحمل مسؤولية العمل العام في دواليب السلطة..
التخوين طال الجميع.. واذا خونتم لنا رجالنا نخون لكم رجالكم.. هذا هو منطق السياسة الفلكلورية الراهنة.. 
اتفهم بعض هذه الظوهر فنحن بضعة اسابيع حرية وديمقراطية حقيقية.. لكنني انبه الى وجوب تجاوز هذا التفكير الحدي والعقلية الأمنية وتفسير كل شيء بانه مؤامرة وخيانة وتواطؤ.. 
يجب ان تبقى مساحات واسعة للمشترك والجزائر شئنا ام ابينا مكان للجميع من نتفق معه ومن نختلف معه.. 
المطلوب هو ارساء قواعد نظام ديمقراطي تمثيلي واشاعة روح التوافق من اجل الصالح العام.. والمضي قدما في تطوير مشاريع الاصلاح السياسي وخطوات التحول الديمقراطي الجادة حتى نصل الى بر الامان باقل الخسائر واقل التكاليف... 
فالتحدي الحقيقي ليس من هو الرئيس الذي يحكمنا ولا ما هي الحكومة التي ستتولى شؤوننا.. التحدي الحقيقي يبدأ فيما بعد.. تحدي مشروع التنمية وكيف نخرج من التخلف.. تحدي التوقعات العالية للجماهير التي تريد ان تصبح مثل سنغافورة وماليزيا في اليوم الثاني بعد انتخاب رئيس الجمهورية الشرعي..

شوهد المقال 202 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة
image

نجيب بلحيمر ـ فخ الانتخابات.. حسابات الربح والخسارة

نجيب بلحيمر   بسرعة خارقة سارت عملية الدفع باتجاه تنظيم الانتخابات، وقد كان لخطاب رئيس الأركان الذي ألقاه يوم 02 سبتمبر والعبارة التي تضمنها
image

أمين عام حركة حرية الجزائرية بادية شكاط ـ رسالة إلى قائد الأركان قايد صالح

  بادية شكاط أمين عام حركة حرية    إنّ الجزائر التي بالدماء الزاكيات توضّأت،قد أقسمت أنها لغير قبلة الحق لاتصلي،ولغير جبار السماوات والأرض لاتنحني،وشعبها الذي
image

يسين بوغازي ـ أدوار الضحية ومربعات المؤامرة ؟

يسين بوغازي   تجتهد فئة من الجزائريين  في تأدية أدوارا ببراعة كاملة لشخصية الضحية ! وهي فئة ممن اشتغلوا  بالسياسية منذ زمن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats