الرئيسية | الوطن السياسي | حميد بوحبيب ـ العلمانية، أو المعركة التي لا نكف عن تأجيلها:

حميد بوحبيب ـ العلمانية، أو المعركة التي لا نكف عن تأجيلها:

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.حميد بوحبيب 

 

 

كلمة علمانية تعرضت للتشويه المقصود من طرف الإسلاميين، والأوساط الأكاديمية المحافظة ، حتى صارت في نظر العامة مرادفا للإلحاد ومعاداة الأديان ، إلى درجة أن حتى من هو مقتنع بها اليوم ، لا يجرؤ على استعمالها أو المطالبة بها كمبدأ دستوري ، مخافة أن تثار حوله زوبعة . فكيف نعيد لهذا المفهوم دلالته النبيلة ضمن النقاش السياسي الحاد الذي يصحب هذا الحراك الشعبي اليوم.
لنقل في البداية أننا - كما هو الشأن بالنسبة إلى الجمعية التأسيسية- لسنا مضطرين أن نستورد تجارب غربية بل يمكن أن نستعين بها لتحيين تجاربنا ضمن الپراديغم الثقافي المحلي .
دون أن نحيل إلى العلمانية كصيرورة تاريخية طويلة ، في سياق تطور البنيات الماكرو سوسيولوجية ، و التحولات العميقة التي صاحبت الصراع على السلطة في الغرب، خاصة بعد عصر الأنوار ، يجدر بنا أن نتساءل ، هل في موروثنا المحلي ما يشبه العلمانية ، أم أنها فعلا نبتة غريبة ؟
في الجزائر وإلى غاية الفترة الاستعمارية التي شهدت تفكيك البنيات التقليدية للمجتمع ، كانت القوانين العرفية هي التي تؤطر الحياة الاجتماعية وتنظم العلاقات بين الأفراد والجماعات ، اقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا .
وكانت المجالس القروية ، خاصة في بلاد القبائل هي التي تصوغ تلك القوانين وتصادق عليها في ساحة القرية في ما يشبه آڨورا ، تمارس فيها ديمقراطية مباشرة ، تتيح للأفراد (الرجال حصريا للأسف)أن يتدخلوا مباشرة ، اي دون تمثيل من أحد، لإبداء الرأي ...وكانت تلك القوانين أحيانا تقيّد في كناشات، ولكنها غالبا بقيت شفوية تتناقل من جيل إلى آخر.
طيب ...هل كانت تلك القوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية ؟
الإجابة بلا تردد : لا .
وكل يريد التأكد من ذلك عليه أن يعود إلى مدونات القوانين العرفية التي جمعها هانوتو وإميل ماسكاري ...فيما يسمى 
Les quanouns des tribus Kabyles.
وهي نفس القوانين التي بقيت سارية المفعول الى عهد قريب ، بل إلى يومنا هذا في بعض القرى.
ومن أدلة ذلك ، أن معظم تلك القوانين لا تحتكم إلى الشريعة في ما يتعلق بالجنايات ، فلا قطع ليد السارق ، ولا جلد الزاني والزانية ، ولا رجم ، ولا عقوبة للمخمور ...الخ 
كما أن تلك القوانين لم تعمل بمبدإ القصاص، وشرعت أكثر للدية وعقوبة النفي .
كما أن قوانين تنظيم الأسرة في الطلاق والنشاز لم تكن وفق المذهب المالكي ، حتى وإن كانت قريبة منه ...
بل إن المجالس القروية تجرأت على تعطيل قانون المواريث الشرعية ، وقررت عدم توريث النساء ( انا هنا لا أمتدح هذا القانون) ، ولم تر أي حرج في الخروج عن المعلوم من الدين .
أما رئاسة تلك المجالس وشروط العضوية فيها ، فلم تشترط يوما أن يكون أمين القرية رجل دين أو إماما أو مصليا ... و من باب الشهادة الشخصية، فقد عشت في قرية كان فيها أمين المجلس القروي لا يصلي ، بل وعرف عنه حبه للخمرة، ولم يعترض عليه أحد.
نحن إذن أمام أمرين:
-مجالس قروية تستمد قوانينها من الشعب وليس من القرآن والسنة، ولا ترى أدنى حرج في التشريع بعيدا عن المقدس.
- مجالس تتشكل من قرويين دنيويين ، أي ليسوا رجال دين ولا يلزمهم أحد بممارسة الشعائر الدينية.
صحيح أن العلمانية لا تتوقف عند هذا الحد ، ولكنها بلا أدنى شك لا يمكن أن تستغني عن هذين الأمرين.
مما سبق يمكن أن نقول بأن الممارسات العلمانية ليست غريبة عن مجتمعنا ، بل يمكن أن نضيف بأنها أقرب إلى التدين الشعبي المتسامح ، الذي يعرف كيف يفرق بين المسجد وبقية الفضاءات الدنيوية التي تتحكم فيها رؤية براغماتية بعيدة جدا عن كل أشكال الأصولية .
لنأت الآن إلى المستوى الفقهي . هل العلمانية (بما هي فصل بين الدين والدولة ، وتحييد للدين وحصره في دائرة ما هو خاص ) تتعارض مع الإسلام ؟
الإجابة الأكثر رواجا ، هي تلك الإجابة التي كرسها الإخوان المسلمون في العصر الحديث :
الإسلام دين ودولة ، سيف و مصحف، وصالح لكل زمان ومكان ...إجابة تكرست وتصلبت الى درجة أن كل من ينفيها يمكن أن يتعرض للمحاكمة والسجن ( علي عبد الرازق ) بل يمكن أن يتعرض للقتل ( فرج فودة).
علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم، قدم مرافعة رائعة ودامغة ، مفادها أن أحسن وسيلة لحماية الإسلام من الدجالين والساسة الفاسدين والحكام المستبدين هي تحييده ، أي فصله عن شؤون السياسة. وهو نفس ما ناضل من أجله فرح فودة وبينه بوضوح ،خاصة في كتابه ( قبل السقوط) .
لا يتسع المقام هنا لعرض أطروحات الإسلاميين ونقضها ، ومع ذلك يمكن أن نقول إن المجتمعات العربية المتعددة الأديان خاصة ، لا يمكنها أن تعيش في سلام دون العلمانية ، لأن تعدد الطوائف والمذاهب والأديان سيكون دوما مثارا للنزاعات إذا حاولت طائفة أن تفرض دينها على الآخرين، وهو ما يجعلها حتما تحتكم إلى مبدإ" الدين لله والوطن للجميع ".
ومعنى هذا الشعار أن مصدر التشريع أي منبع الدستور وكافة القوانين هو الشعب وليس الكتاب المقدس لطائفة ما حتى لو كانت الأغلبية. وهو مبدأ دستوري محوري لا يحق للأغلبية أن تلغيه.
قد يقول قائل ، أن الجزائر أحادية الدين ، وبالتالي يحق للأغلبية أن تفرض ما تريده.
الإجابة هي أن في هذا الطرح مغالطة كبرى:
- أولا ليس كل الجزائريين مسلمين ، فمنهم المسيحي واليهودي ومنهم اللاديني ومنهم الملحد ...حتى وإن كانوا أقلية .
- ثانيا ، ليس كل المسلمين مالكيين ، فمنهم الإباضية ومنهم الأحناف.
- ثالثا، إن حرية العقيدة، يجب أن يكفلها الدستور للجميع على نفس القدر من المساواة ، ولا يحق للمشرع أن يعتمد كتاب طائفة دينية ما مصدرا للتشريع ، لأن الأقليات ستجد نفسها تحت نظام أهل الذمة ، مع أنهم في بلدهم وليسوا وافدين .
رابعا : المسلمون لا يقبلون - عندما يكونون أقلية- أن تضطهدهم أغلبية مسيحية أو بوذية وتفرض عليهم قوانين مناقضة لشريعتهم ، وبالتالي ، من مبدإ : لا تفعل ما لا تقبل أن يفعله بك الآخرون ، عليك أن تلتزم بقبول الاختلاف .
خامسا : التسامح و العيش معا ليس ترفا ، بل هو ضرورة تاريخية ، ولا يتحقق إلا بقبول الاختلاف ، و الوحدة لا تعني الأحادية.
وأخيراً ، الدين الذي يراد فرضه على الجميع هو في النهاية خطاب فقهي لا غير ، وهو حصيلة تأويل بشري ، بمعنى أن مجموعة من المشايخ هم الذين شكلوا المخيال الديني عبر العصور من خلال قراءاتهم المحدودة ، ولا يمكن لمجتمع حديث اليوم أن يقبل بتأويلات قروسطية .
ومن جهة أخرى فإن تلك التأويلات تحمل رؤى سياسية وإيديولوجية متنافرة غالبا ، ولا يمكن أن تفرضها على المجتمع بحجة أنها شريعة مقدسة .
بناء على ما سبق كله ، أقول إن العلمانية ، أو اللائكية أو الدنينة sécularisation كما يحلو للبعض أن يسميها ، أو حتى عبارة دولة مدنية لمن يريد أن يلطف المصطلح اجتنابا لزوابع الإسلاميبن ، يجب أن تكرس في الدستور القادم بشكل أو بآخر ، ولا يمكن لنا أن نؤجلها إلى أجل غير معلوم ...هي معركة من المعارك التي علينا أن نخوضها كما فعل جيراننا التونسيون .
وآن الأوان الأحزاب الديمقراطية ، واليسارية التي لا تتكلم عن العلمانية إلا همسا وفي أوساط مغلقة أن تجاهر بها ...وتشرح للجماهير هذا المفهوم وتبسطه وتزيل عنه شبهة الإقصاء والسخرية من الأديان .
العلمانية ليست حلا لجميع مشاكلنا ، هذا أكيد،
ولكنها هي الحل من أجل تعايش أوسع ، هي الحل لتفادي استخدام الدين في السياسة ، هي الحل من أجل السلم المدني ، هي الحل من أجل حقوق الأقليات ، هي الحل من أجل ضمان الحريات الفردية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر في الفضاء الخاص .
هي الحل كي لا يعبث العلمانية بمقدسات الشعب.
وليغضب من يريد أن يغضب ...

 

شوهد المقال 275 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد شوقي الزين ـ البَاريدُولْيَا أو علم تصاريف الصورة

 د.محمد شوقي الزين هل البحثُ عن شيءٍ من شبيه الجنس البشري هو إجراء نرجسي أم ثابتة بيولوجية وأنثروبولوجية قديمة قِدَم الوجود الإنساني في الأرض؟ ندخل
image

فوزي سعد الله ـ البناية الصامتة تحت أقدام الأمير عبد القادر الجزائري

فوزي سعد الله   في ساحة الأمير عبد القادر الجزائري بالعاصمة الجزائرية، توجد بناية جميلة من أهم بنايات هذه البقعة، لكن قد تكون الأقل
image

يسين بوغازي ـ خالد نزاز يتوعد الجزائريين برصاص الأسطول الفرنسي! قراءة موسعة قليلا ؟

يسين بوغازي     أن يتوعد جنرالا متقاعدا شعبا برمته برصاص أسطول عدوه الأول فتلك طامة كبرى، وان يلقى خطابا (1) يفيض كراهية ويحث
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية.. بصرها اليوم حديد

نجيب بلحيمر   بثبات تسير الثورة السلمية نحو تحقيق أهدافها, وعلى طريقها أسقطت كل رهانات السلطة ومناوراتها, بداية من إفشال محاولتين لتمديد عمر النظام عن
image

فوزي سعد الله ـ ساحة الشهداء..."لو نْعِيدْ هْمومي نْعَمَّر ألْف كْتابْ...لو نْعِيد مْحَانِي للبَاكْمِينْ يَدْوِيوْ..."

فوزي سعد الله   عندما كان سيدي محمد بن الشاهد وسيدي أحمد بن عمار، المفتيان المالكيان الشاعران في مدينة الجزائر العثمانية، والرايس حميدو بن
image

زازي سادو ـ القطيعة مع النظام لا تعني الكارثة ، ولا المواجهة

د.زازي سادو  إنَّ المطلب القَوِيّ للقطيعة مع النظام والذي حمله الحَراك الشعبي المكثف،يبدو أنه مَحْجوبٌ عن قسم كبير من السياسيين والمجتمع المدني والنخبة التي تحاول
image

نجيب بلحيمر ـ أيها الأعزاء.. هنا يوجد شعب

نجيب بلحيمر   يبني بعض المثقفين والسياسيين الذين يقدمون أنفسهم كمعارضين, موقفهم الداعم للحوار بالصيغة التي طرحها بن صالح في خطاب 3 جويلية الماضي, على
image

علاء الأديب ـ لمحات تأريخية عن الفن المسرحي في تونس

علاء الأديب يعتبر المسرح من أهم الدلالات التي تشير إلى حضارة البلدان وتحضّر شعوبها في أيّ مكان من هذا العام .ولكوني مهتم بالشأن التونسي باعتبار هذا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ أخي العربي

محمد محمد علي جنيدي- مصر            أخي العربيُّ في أمرٍ يُحاذرُ سطوةَ الشَّرِّ يُغالبهُ وقد أبقى رهانَ القتلِ والنَّحرِ يحومُ الذِّئبُ بالبئرِ ويقضي الليلَ في أمرِ!
image

اليزيد قنيفي ـ دور الإعلام في زمن الحراك الشعبي..‼

اليزيد قنيفي في ظل التحول والمخاض الذي تعيشه البلاد يجدر بنا طرح السؤال عن دور الصحافة في هذا الظرف الدقيق .. مرئية كانت أو مكتوبة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats