الرئيسية | الوطن السياسي | جمال ضو ـ فخ الدستور

جمال ضو ـ فخ الدستور

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. جمال ضو 

 

لا استطيع التنبؤ بمألات الحراك الحالي ، ولكن الشاهد أن مؤشرات كثيرة ترجح أن يفضي بشكل أو آخر إلى مرحلة انتقالية ، إما عبر ندوة وطنية بشكل التي يطرحها النظام أو التي تتفق حولها أطراف المعارضة والنظام أو لجنة منتخبة انتقالية. وبنظرة إلى جميع المبادرات التي يتم طرحا كأرضيات لإدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة نجد أن جميعها تقريبا يتحدث إما عن تعديل للدستور أو كتابة دستور جديد، بل ذهب البعض إلى الحديث عن جمهورية جديدة، في محاولة لاستنساخ تجارب فاشلة في الحقيقة، تجارب أثبتت أنها قضت على مطالب الانتفاضات الحقيقية.

في هذه الرسالة سأتحدث عن خطورة فتح ملف تعديل الدستور في المرحلة القادمة، وأنه إذا لم يتم التعامل بحذر شديد مع هذا الملف فإن مألات هذا الحراك ستكون وبالا على هذا الوطن.

لقد عاشت الجزائر فترات استبداد طويلة، بعضها كان دمويا، تم خلالها اقصاء رأي الشعب ومصادرة حقه في التعبير عن طموحاته واختياره لمن يحكمه. وسمح هذا لمن يديرون المشهد السياسي ويتحكمون في مفاصل الدولة من اعلام واقتصاد وملفات تربوية بأن يعبثوا بكل مقومات لحمة هذا الشعب وقواسمه المشتركة، وتم بث كافة أسباب الفرقة والشقاق بين صفوفه، حتى أصبح الكل يشك في كل شيء، بل كما قال حكيم السياسة الجزائرية المرحوم عبد الحميد مهري " إلى درجة اظهار الاستقلال بأنه كان خطأ، وجعل الأجيال التي لم تعرف نقطة الانطلاق تعتقد أن الخلاص هو خارج الجزائر"!!.

لهذا فإن فتح ملف كتابة دستور جديد أو محاولة تعديل بعض مواده التي لا يمكن أن تحظى بالإجماع الوطني، كمواد الهوية والتي تمس معتقدات الشعب بكافة مكوناته، أو الحديث بسذاجة عن جمهورية ثانية أو فدرلة للدولة، سيكون بمثابة فتح باب للتطاحن المجتمعي الذي قد لا يغلق إلا بعد فوات الأوان. لأن الاحتقان المجتمعي الناتج عن هذه القضايا سيتم النفخ فيه وتأجيجه من طرف جهات عدة، وسيكون المستفيد الوحيد هم أصحاب المال الفاسد والمتحكمون في مفاصل الدولة والذين كانوا ولا يزالون يقتاتون على مثل هذه الصراعات ويتحكمون في المجتمع عبرها، وهم من ثار الشعب ضدهم أصلا. ولتكن لنا عبرة من النموذج التونسي والمصري، والحالة الجزائرية أفظع وأشد تعقيدا.

إن الحشود والفئات الشعبية المختلفة التي حرجت إلى الشارع لم تخرج لمطالب إيديولوجية أو هوياتية، فلا أحد طالب بدولة لائكية ولا آخر طالب بدولة إسلامية، ولا أحد طالب بمطالب لغوية ، والأصوات النشاز التي ركبت الحراك لترفع هذه المطالب المؤدلجة لا تمثل قطرة في بحر هذه الحشود. بل إن الجميع خرج ليطالب بوقف الفساد المالي ونهب مقدرات الأمة، خرج غضبا عن مصادرة حقه في اختيار رئيسة ومن يحكموه، خرج غاضبا عن إهانة ودوس على كرامته بترشيح رجل شبه ميت تمترست عصابة خلفه لتستنزف الخزينة وترهن مقدرات الأمة. إن هذه العصابة لا تهمها هذه الشعارات الإيديولوجية أو الهوياتيه ، فلا ايديولوجية لها ولا هوية لها، وحتى الهدايا الهوياتية التي أعطيت لفئة من الشعب سيدرك الجميع أنها كانت هدية مسمومة ومفخخة.

إن مشكلة الشعب لم تكن في دستوره الحالي، لأن الدستور الحالي برغم علاته ونقائصه لو ألتزم به لكان كافيا بأن يؤسس لدولة محترمة ويعيد الكلمة للشعب، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع الدساتير السابقة. إن المشكلة الأساس هي في عدم الالتزام بالدستور والحيد عنه والدوس عنه بطرق مختلفة. والباب الرئيس الذي يُؤتى منه انتهاك الدستور هو مصادرة ارادة الشعب عبر تزوير جميع الاستحقاقات الانتخابية، ومصادرة وتجريف الحياة السياسية عبر العنف المادي والمعنوي وافسادها عبر وسائل مختلفة.

لهذا فإنني أدعو كل الإخوة الجزائريين، وخاصة النخب السياسية الشريفة بكافة توجهاتها وخياراتها الإيديولوجية والنخب المثقفة ومن يحملون هم هذه البلاد بحق، بأن يرفضوا فتح هذه الملفات المفخخة والتي من شأنها أن تنسي هذا الشباب البريء قضيته الأساس. هذا الشباب الذي ما خرج إلا غضبا عن فساد مالي ومصادرة لحقه في اختيار من يحكمه، خرج حالما بجزائر أفضل له ولأبنائه، مخاطبا العصابة بأن " يرحلو قاع" ، ..وإذا ما انشغل الشعب والشباب بقضايا خلافية وحساسة فإنه لن يجني إلا الشوك والجراحات والصراعات المجتمعية. وبدل أن ترحل العصابة الفاسدة سترحل مطالب الحراك العادلة وتدوسها أرجل المتصارعين من دون أن يشعروا للتتطاير كالغبار ، ويستفيق الجميع بعد فوات الأوان على بقاء العصابة واستنساخ النظام والاستبداد.

إن الأولوية هي لوقف النزيف الاقتصادي ونهب المال العام واستعادة ثروات الشعب وتوزيعها بشكل عادل بين فئات الشعب جميعا. اصلاح المنظومة التربوية بعيدا عن الاختطاف الإيديولوجي، لأن العلوم والتكنولوجيا لا تفرق بين الإيديولوجيات وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم.

إن الأولوية هي للإصلاح الاداري والقضائي وليس لفتح الصراعات حول مطالب فئوية .

وإذا كان هناك ضرورة لتعديل الدستور فليكن ذلك في المواد التي تقلص من صلاحيات الرئيس وتزيد من ضمان الحريات وشفافية الانتخابات والغاء الغرفة الثانية للبرلمان، مجلس الأمة، والذي لا معنى له في بلد ليس باتحاد ولايات أو فيدرالي. وليُترك باب تعديل الدستور أو صياغة دستور جديد إلى أن تنضج التجربة الديمقراطية ويخف الاحتقان المجتمعي وتنضج الطبقة السياسية، وهذا لن يكون ممكنا في رأيي قبل خمس سنوات، لأن التحديات الاقتصادية والاجتماعية القادمة كبيرة ولا يمكن إدارتها إلا بتوافق اجتماعي كبير.

ولهذا فإنني أدعو الشباب إلى أن لا يقعوا في فخ من يسمون نخبا سياسية ومن يتم تصديرهم اعلاميا، لأن أجندتهم عموما غير أجندتكم أنتم ، وحساباتهم غير حساباتكم.

وستذكرون ما أقول لكم.

 

- تم ارسال هذه الرسالة إلى عدد من الشخصيات السياسية والوطنية ممن أثق في إخلاصهم...

شوهد المقال 464 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يسين بوغازي ـ من الطغم الكلاسيكية الى طغم ما بعد الحراك؟

يسين بوغازي  ليس سهلا  هذا التناول على الاطلاق ، لكني سأخوض فيه مستعينا بتحولات جديدة للكثير من المفاهيم  التي غدت تنطبق على كيانات لم
image

محمد هناد ـ بعد 12/12، لن تقوم الساعة ! سلمية... سلمية ! حذار من اعتراض سبيل من أراد التصويت !

 د. محمد هناد    إن جرت الانتخابات كما هو مقرَّر لها، ستكون نسبة المشاركة فيها مخزية، لكن أبواق السلطة قد بدأت تستعد للرد على
image

ستار سامي بغدادي ـ ايران مستمرة في اذية العراق

ستار سامي بغدادي   ليس في ثقافتي شيءّ من الكراهية صديقتي ، لم تُعلمني إياها أمي ، ولم يكن أبي يسمح بذكرها فنسيتها تماماً ..الحب وحده
image

نجيب بلحيمر ـ وحدها السلمية ستقبر نظام العنف

نجيب بلحيمر  كثير من الدروس تتهاطل علينا هذه الأيام، يدور معظمها حول حرية الرأي، والديمقراطية، ونبذ العنف، أما المناسبة فهي تصاعد أشكال الرفض
image

نهاد مرنيز ـ الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة"

 نهاد مرنيز   الصحافة الجزائرية هي صحافة "قُروب الساعة" بامتياز كما سماها زميلي محمد دلومي ...لا تُفرق بين قراءة أسئلة جاهزة من ورقة يُكرر ترديدها
image

مروان الوناس ـ عارنا الإعلامي في الجزائر

 مروان الونّاس  قبل أسبوعين اضطرَّ المفكر عزمي بشارة إلى تخصيص حلقة كاملة للحراك الجزائري، بعد حلقة سابقة من برنامج بثّه التلفزيون العربي، تناول
image

شويحة سليمان ـ الحل لقلـب الوضع الراهن لصالح الشعب !

شويحة سليمان   في ظل مخرجات السلطة المستقلة للإنتخابات والتي أفرزت ترشيحاتها عن خمس مرشحين كانوا في الأمس القريب يسبحون بحمد النظام وفي ظل تجاذب وتنافر بين
image

محمد محمد علي جنيدي ـ البحث عن بقايا إنسان

محمد محمد علي جنيدي- مصر          في بُحُورِ الدُّجَى غارِقٌ في أقْصَى الْألَم فى بِلادِ النُّهَى باحثٌ عَنْ
image

فوزي سعد الله ـ مدينة الجزائر العثمانية...الديار والقصور...بالأرقام

فوزي سعد الله   في تلك الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر، التي يصفها بعض "المتنورِّين" في داخل وخارج البلاد بـ: "الظلامية"، كانت عملية إعمار المدينة "المحروسة
image

السعدي ناصر الدين ـ المارتنيكي سفير الجزائر فرانز فانون

السعدي ناصر الدين   في امتحان البكالوريا عام 1973 ـ مادة الفلسفة كان السؤال " قال فرانتز فانون : ان طبقة الفلاحين هي الطبقة الثورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats