الرئيسية | الوطن السياسي | أحمد دلباني ـ رسالة - موقف الجميلة قد تقتلُ الوحشَ أخيرًا ...

أحمد دلباني ـ رسالة - موقف الجميلة قد تقتلُ الوحشَ أخيرًا ...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


د.أحمد دلباني

 

 

أعلنُ، عاليا، مُساندتي ومُواكبتي للحراك الشعبيّ العظيم الذي جعل الجزائريين ينتفضون بصورةٍ متحضرة وغير مسبوقة، في الأيام الأخيرة، ضدَّ نظام الفساد والفشل والاحتكار الذي طال أمدُه. 
إنَّ هذه الهبَّة الشعبية رفعت الشكوك وكل أشكال اليأس من إمكان يقظة فينيق الروح الجزائرية المطمورة تحت رماد الخيبة وانسداد آفاق الأمل لأجيال متعاقبة؛ وأعادت الثقة لجموع المُنتفضين وعموم الشعب في مستقبل أفضل يُسهمُ في بنائه كل جزائريّ وكل جزائرية في كنف دولةٍ عصرية مدنية ديمقراطية تقوم على مبادئ احترام الحقوق الإنسانية والعدالة ومعايير الكفاءة والنزاهة.
يستطيعُ كل واحد منا اليوم، أخيرًا، أن يقفَ عن كثب على ميلاد زمن جزائريّ جديد فعلا: زمن ينهي سيادة الخضوع واليأس ويبدأ فصلا بهيا ومُذهلا من فصول المُمانعة وقد تحولت إلى ثورة ضد يَباس الحياة وضد قوى الفشل التاريخي في الارتقاء بالإنسان الجزائريّ وتحقيق تطلعاته إلى الحرية والكرامة. إنَّ شتاء الغضب الجزائريّ – الذي هو أكثرُ الفصول دفئا منذ عقود – شهدَ، بصورةٍ مُدهشةٍ، ميلادَ الكوجيتو الجديد: " أنا أثور، إذا أنا موجود ". وإنها لنشوة نيرونية يشعرُ بها كل جزائريّ لمَرأى نيران الانتفاضة الشعبية تهدّدُ فعليا – ولأول مرَّة بهذه الكيفية - عروشَ الاستبداد والفساد وتنتفضُ ضد وضع لم يعد يُحتمل. 
علينا باعتبارنا نخبة ومواطنين جزائريين أحرارًا أن نتعلمَ أبجديات مواكبة الحدث وقراءة دلالاته كي نكونَ في طليعة حركة التغيير مُشاركين ومُستبصرين لا أوصياء على الشعب. لقد عانينا كثيرا، ولعقود طويلة، من حضور فكرة الزعيم والمُخلّص والقائد الأوحد الذي ظل تجسيدا لأحادية الرأي والاستبداد السياسيّ وقمع المختلف باسم يوتوبيا الوحدة التي تعلو على تعددية العالم وغناه. إنَّ الحراك الشعبيَّ السلميَّ غير المسبوق حرَّر نصُّ التاريخ الجزائريّ، أخيرًا، من المُؤلِّف المركزيّ القديم: أعني الزعامة الفكرية والإيديولوجيّة / الحزبية. هذه، فعلا، طبعة جزائرية بهية من "موت المؤلف". الفاعل الحقيقيّ والوحيدُ للتغيير هو الشعبُ الحر الذي ننتمي إليه. 
لقد ناضل الجزائريون طويلا ودفعوا ثمنا باهظا لقاءَ حريتهم وانعتاقهم من النظام الاستعماريّ الفرنسيّ يقودهم الحلمُ العظيمُ بتجاوز الحقبة الكولونيالية وبناء دولةٍ تضمنُ لكل أبناء الشعب الكرامة والمواطنة والخبز. كان الحلمُ كبيرًا ولكنَّ الإنجازات – على أهميتها – لم تكن في مستوى التطلعات. فقد تمَّ رهنُ مقادير الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال لقوى الاستبداد من خلال غلبة العسكريّ على السياسيّ وهيمنة الأحادية الحزبية على مفاصل الدولة ومؤسَّساتها. هكذا أصبح الاستقلالُ يبدو، شيئا فشيئا، صورة أخرى من صُور اعتقال الشعب الجزائري في زنزانة الفكر الواحد والحزب الواحد وعبادة الزعيم. أصبحت الحرية ذكرى أو كلمة فارغة لم تجد لها موضع قدم في عالم الاحتكار الجديد الذي أبعد الشعب عن المُشاركة الواعية في صنع مصيره بكل سيادة. لقد كان على الدولة الناشئة أن تتحمَّل أعباءَ دخول التاريخ وأمانة صنع مُستقبل مُختلف ينبثقُ معه الكيان الوطني السيّدُ العادل، وتنبثقُ معه المُواطنة الجزائرية بعد طول غياب. ولكنَّ الديمقراطية التي اعتمدناها في صيغتها الشعبية ظلت قناعا يُخفي انتقامَ الرغبة الأبوية في إخضاع المُختلف ومحو التعددية ونمذجة الفكر والتفكير في الشعب باعتباره رعية تحتاج دوما إلى وصاية. كانت ثقافتنا السياسية هزيلة ومُمارساتنا كاشفة عن أعماق تعودُ إلى ما قبل الحداثة السياسية والفكرية. لقد وقعنا في أسر الهرولة وراء التحديث الشكلي والتنمية الكمية وأهملنا التنمية البشرية. وقد كان فشلنا ذريعا ومُدويا لولا فضائل الريع النفطيّ الذي ظل ورقة توتٍ أخيرة تسترُ، دائما، عورة نموذجنا التنموي. 
رُبَّما يطرحُ هذا الأمرُ مشكلة الديمقراطية في جزائرَ ما بعد الاستقلال. فلم نعرف إلا صُورًا مُشوهة ومُبتسرة من "الديمقراطية الشعبية" وأسلوبها الديماغوجي المُبتذل في إدارة الأمور وتناول المُشكلات. كانت ديمقراطية النخبة العسكرية التي ادَّعت، طويلا، أنها وكيلة على الشعب المُغيَّب قسرًا من حقه في بناء المُستقبل المُشترك. كانت ديمقراطية الحزب الواحد الذي شوَّه كثيرًا اسمَ "جبهة التحرير الوطنيّ" قائدة النضال ضدَّ الاستعمار الفرنسيّ. لقد كان فشل هذا النموذج كارثيا في بلادنا وكان حصادُه مُرّا. ونحنُ نعرفُ أنَّ الجزائرَ شهدت انتفاضة الشباب ضدَّ انسداد آفاق الأمل وضدَّ الاحتكار والتهميش والفشل في تحقيق التنمية المُتوازنة. وما زاد من خطورة الأوضاع هو طلوعُ شجرة الأصولية الدينية على أرض خيباتنا وجحيمنا بأوجُههِ الاقتصادية والاجتماعية. لقد أدَّى فقدانُ البوصلة في الجزائر المُستقلة إلى اعتصام الشباب بقشة الخلاص الوحيدة التي وفرتها الاتجاهاتُ الدينية المُتطرفة. كان يجبُ البحث عن الانتماء في عالم فككته الإيديولوجيا الغوغائية، وعن دفء المعنى في بلدٍ لم يستطع تحصينَ أجياله الطالعة تربويا وثقافيا ضدَّ إمكان السقوط في التطرف. لم ينجح النظامُ في بناء دولة حديثة تستجيبُ لتطلعات الشعب كما حلم بذلك رُوَّادُ حرب التحرير ومُحّررُو بيان الفاتح من تشرين الثاني (نوفمبر) 1954. ما زال ينقصنا الكثيرُ من أجل تحقيق نموذج الدولة العصرية ودولة المُؤسَّسات الديمقراطية المُعبّرة فعلا عن حيوية الشعب ومُكوناته بعيدًا عن منطق الاحتكار وتهميش القوى الحية المُبدعة ولجم حركية المُجتمع التعدّدي الناهض. 
لقد انتقلت الجزائرُ بعد انتفاضة تشرين الأول / أكتوبر 1988 إلى طور التعددية والانفتاح السياسيّ بصورةٍ غير هادئة وغير متزنة كلفتنا الكثير أمنيا واقتصاديا كما هو معروفٌ فضلا عن كوارثها الإنسانية الرَّهيبة. ولكنَّ السلطة السياسيَّة التي تحكمت في مقاليد الأمور بعد استعادة الأمن والاستقرار وفي ظل الوفرة المادية ضيَّعت، بدورها أيضا، أجمل المواعيد مع التاريخ حينما ركزت – بدل إرساء دعائم دولة القانون والحداثة والمواطنة والإقلاع التنموي - على إشباع نرجسيةِ الحاكم بأمره والتراجع عن احترام الحياة الدستورية وبناء المؤسَّسات الكفيلة بضمان استمرارية الدولة. كانت الدولة تنكمشُ والمؤسَّسات تضمحل لتصبحَ ديكورًا في ديمقراطية الواجهة تُسيَّرُ بالأمريات. شهدنا عودة عبادة الزعيم والفشل الذريع في الانتقال إلى الدولة الحديثة في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية وتحطم بوصلة الاتجاه وهيمنة الارتجالية والمصلحة الضيقة وحكم العصابات المنتفعة من الرَّيع. وقد كان من نتائج ذلك أن شاع الفسادُ والاحتكارُ وأن تدهورت القيمُ في الحياة العامة والخاصة مع شيوع اليأس لدى أوساط عريضة من الشباب الذي لم يعُد يجدُ موطئَ قدم له في بلدٍ يضيقُ بالأحلام وتكادُ تنعدمُ فيه فرص العمل وإثبات الذات والجدارة مع انتشار المحسوبية والشللية. إنَّ ما أتينا على ذكره من تراجع ثقافة الدولة بشكل مخيفٍ كشفت عنه، بصورةٍ جلية، رواسبُ الروح الاستبدادية التسلطية والجهوية والاستثمار السياسيّ في الدين وعقلية الولاء النفعية. هذا كله أسهم بصورةٍ كبيرة وفعالة في تدمير الأخلاق العامة وفقدان الثقة في الدولة ومؤسَّساتها لدى عموم الشعب. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة سلكت السلطة الفاشلة تنمويا مسلك السياسة الشعبوية لامتصاص الاحتقان والحِنق من خلال شراء السّلم الاجتماعيّ وتأجيل يقظة بركان الغضب العارم وهو ما افتُضحَ أمره مع انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية قبل سنواتٍ قليلة.
إنَّ هذه السلطة القائمة لا تريدُ الاعترافَ بفشلها وفسادها وتدميرها لمؤسَّسات الدولة ونراها، رغم كل ذلك، تشرعنُ لاستمراريتها من خلال إجهاض كل فرصةٍ حقيقيةٍ للتغيير والتذكير بفزاعة الفوضى والإرهاب. كأنَّ ثقافتها السياسية البدائية لم تتجاوز وصايا ميكيافيللي الثمينة للأمير بأن يستخدمَ كل الوسائل الدنيئة الممكنة من أجل غايات الدولة العليا كالأمن والاستقرار. أما المواطنة والحريات الفردية والجماعية والفصل بين السلطات وتكريس ثقافة الإبداع والاستحقاق لا الولاء الأعمى فتلك أمورٌ نافلة بكل تأكيد. ممارساتٌ بائسة يائسة لسلطةٍ تخبط خبط عشواء ولا تتمتَّعُ بأية شرعية سياسية أو أخلاقية، ولا تملك في رصيدها المُستنفَد إلا ورقة التخويف والتهديد مُتوهمة أنها تحمي نظام العالم من الانهيار والتصدع. إنها، في كلمةٍ، مُمارساتٌ تذكرُ بنشيد البجعة الذي يرتفعُ معلنا موتها الوشيك. 
إنني أعتبرُ، شخصيا، هذا الحراك الجزائريّ العظيمَ فاتحة لعهدٍ جديدٍ يضعُ حدا لمهازل السياسة التي أجلت - إلى أجل غير مُسمَّى – أحلامَ الجزائريين في أن يروا بلدهم الكبيرَ الغنيَّ مزدهرًا ومحتضنا لتطلعاتهم إلى العيش بكرامةٍ بعيدًا عن ممارسات الاحتكار والنهب ورهن مُقدَّرات الشعب لعشرياتٍ لاحقة. علينا تمكينُ الجزائر الجميلة الناهضة، أخيرًا، من قتل الوحش: وحش الرداءة والتسلط الأعمى والفساد. وحش التزوير واغتصاب إرادة الشعب. وحش خنق الحياة العامة والتضييق على الحريات. وحش إنتاج اليأس وثقوب المتاهات السوداء التي تتفننُ في ابتلاع أبسط الصبوات. وحش الانهيار الأخلاقي والثقافيّ والتراجع الشامل الذي طبعَ مسارَ الدولة منذ عشريات. وحش الأحادية والأبوية والوصاية الجاثم على حياتنا كقدر أحمق. 
كنتُ ولا أزال دائمَ الاعتقاد أنَّ الجزائرَ تستحقُ الأفضل دائما وهو ما عبَّرت عنه المسيراتُ الشعبية الحاشدة ليوم 22 شباط / فيفري التي رفعت الصوت عاليا برفضها لعهدةٍ رئاسية خامسة للرَّئيس الحالي الغائب عن المشهد منذ سنواتٍ. تستحقُ الجزائرُ الأفضل على درب الدمقرطة وبناء دولة المواطنة والمُؤسَّسات المُعبرة فعلا عن الإرادة العامة وعن فسيفساء المجتمع الجزائريّ سياسيا وثقافيا. تستحقُ الجزائرُ الأفضل وهي القادرة بسواعد أبنائها – متى توفرت شروط الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص – على أن تصنعَ من طين الزمن الجزائريّ كهيئة الطير المُحلق في سماواتِ الجدارة الوسيعة.
أعلنُ، بشرفٍ كبير، انحيازي الكامل إلى إرادة الشعب الجزائريّ في تحرير قدره من سلطة الأمر الواقع التي تحجبُ عنه منافذ النور والمستقبل.

 

 

تحيا الجزائر حرة مستقلة موحدة ديمقراطية.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار. 

 

شوهد المقال 824 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ حوار حول الأمازيغية ..المتجدد للإلهاء

د. العربي فرحاتي  " القايد " صاحب خطاب الثكتات وقد أفضى إلى ما قدم..أدخل الجزائريين في نقاش هامشي حول الراية الثقافية الامازيغية وربطها بالعلم الوطني..وأثار فتنة
image

وليد عبد الحي ـ نماذج التنبؤ بعدم الاستقرار السياسي

أ.د.وليد عبد الحي تشكل ظاهرة عدم الاستقرار السياسي احد الظواهر التي يوليها علم السياسة اهتمامه الكبير،وتتعدد اشكال ومستويات وحدة ومدة ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، وقد بدأت
image

مرزاق سعيدي ـ واقع لا نراه!

مرزاق سعيدي  في الآونة الأخيرة، لاحظت وجود «ظاهرة إعلامية» لها حدّان، كلاهما غريب، وكلاهما مرتبط بـ»واقع» نراه، أو نقرؤه، أو نشاهده في التلفزيون.الظاهرة على شذوذها، وقلّة
image

ثامر ناشف ـ بين قدسية اول نوفمبر54 و"وعد عرقوب" وجوب إسقاط دستور الخيانة ب (لا)!

د. ثامر ناشف  لقد دأب في مفهوم نشأة الدول والامم سياسيا الاستناد لوثيقة تعتبر مرجعية في تأسيس الدول والاحتكام إليها في صناعة دساتيرها وقوانينها الملحقة وذلك
image

وليد عبد الحي ـ حماس : الطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

أ.د.وليد عبد الحي تنبئ اجتماعات تركيا بين الفصائل الفلسطينية ، وقبلها اجتماعات بيروت، وسلسلة البيانات والتصريحات من القيادات الفلسطينية خلال الايام القليلة الماضية عن فصل
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكل مرض وصفة علاج Jürgen Habermas فعال

د. عبد الجليل بن سليم  حراك الشعب لم يثر ضد نظام له توجه ايديولوجي بالعكس النظام الجزائري يستعمل شيء أخطر من إلايديولجية و هو إستعمال وسائل
image

رضوان بوجمعة ـ من ديسمبر الانتحار إلى نوفمبر الإنكار والاحتقار

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 186 تظهر كل المؤشرات أن السلطة تسير عكس التيار، وهي لم تفهم ولا تمتلك أدوات فهم حركية المجتمع منذ 22 فيفري
image

عثمان لحياني ـ النظام..دورة حياة ثانية

عثمان لحياني   وفرت الانتخابات الرئاسية الماضية جرعة أوكسجين للنظام والمؤسسة الحاكمة ، كانت في غاية الحاجة اليها ، بعدما كان الحراك قد خنقها الى الحد الذي
image

حميد بوحبيب ـ تداعيات العدم

د. حميد بوحبيب           
image

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats