الرئيسية | الوطن السياسي | مرتضى كزار ـ الديمقراطية والذكاء الاصطناعي

مرتضى كزار ـ الديمقراطية والذكاء الاصطناعي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

مرتضى كزار

 

اختصاراً نسميه أي آي، لكن ما علاقته بالديمقراطية، وكيف يمكن أن يؤثر في مستقبل شعب ما، ولماذا ارتفع منسوب الحديث عنه في هذه الأيام، خصوصاً بعد الانتخابات الأمريكية ٢٠١٦ واتهام بعض المرشحين بخلق بيانات لمواطنين وهميين، وفي انتخابات بريطانيا ٢٠١٥، وفي الحملة الدعائية لماكرون في فرنسا بعد انتقاده لاستعمال bots في حملته، والبوت هذا مختصر روبوت وكلمة رائجة في السوشيال ميديا هذه الأيام تقابل مفردة«جيش أو ذباب ألكتروني» لكنه أكثر استقلالاً فهو يعتمد على توليد حسابات وهمية آلياً، فلا وجود ضروري لأناس فعليين يشتمون «خلف الكيبورد». 
بل انتشرت عدوى التقاذف بالذباب الألكتروني وبلغت سواحلنا اليوم حينما نقرأ عن استعانة مرشحين عراقيين بشركة مختصة بغزو قواعد بيانات المصوّتين والتلاعب بالنتائج. 
صحت الدعوى أم كذبت، ففي الحالتين هناك مؤشر على تصدير أساليب الديمقراطيات الرصينة إلى الديمقراطيات الزائفة في الشرق الأوسط «بخرطها وخريطها». 
يؤثر أي آي في المرحلتين، مرحلة التصويت، ومرحلة العد والفرز، الجزء القانوني والشرعي منه هو الذي يتعلق بالأولى. 
الأولى تعني حسب أدبيات الديمقراطية توفير بيئة للتصويت بلا إكراه. لكن استخدام أي آي في انتاج الدعايات والهاشتاگات والتريندات رغم سلامته القانونية من حيث مراعاته للضوابط فهو ايضاً يهدد فكرة الديمقراطية وحرية الوعي بالانتخاب، فكل الحقائق يمكن أن تصبح أكاذيب إذا أحكمنا السيطرة على منافذ العاطفة، وانتجنا قصة متقنة ضد جهة ما، ثم عززنا القصة بالصوت والصورة والتحليلات «الفذة». وما هذا إلا « الإكراه» بشحمه ودمه.
أما المرحلة الثانية، فيبدو أن العودة لطرق العد والفرز البدائية أسلم بكثير بعد اعتراف أكبر شركات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك بأن نظامها المنيع vulnerable to hackers، أي غير حصين تماماً إزاء الاختراق. 
هل ما زالت فكرة الديمقراطية تحظى بتقدير عندك؟.

 

الدالة الخوارزمية المكتوبة بلغة الآلة، لغة بايثون -التي أُحب كمثال-، تقوم بتجميع بيانات عن توجهات المواطنين ثم مخاطبتهم برسائل تحفز غرائزهم وانزيمات انفعالهم تبعاً لميولاتهم، والتصنيف الرئيس لفئات الناس ينقسم إلى محافظين وغير محافظين، إذا اتخذنا الفضاء الأمريكي كنموذج للدراسة.الموضوع إلى حد ما يشبه تنبؤات الطقس، فهي ليست تكهنات غيبية بقدر ما هي تحويل بيانات الرياح مثلاً إلى مخططات والمخططات إلى منحنيات رياضية يكون فيها الزمن المحور الصادي أو السيني فيمكن عندها توقع سلوك المتغير مع الزمن.

 

هل الذكاء الاصطناعي تقنية أخلاقية؟ السؤال غير متعلق بالسياسة والنصب فحسب. ففي الطب مثلاً إذا كان تشخيص الآلة أدق من تشخيص الطبيب، فالقرار «الأخلاقي» هو الإيمان بالآلة لا الطبيب، وهكذا!. 
يقول يوفال حراري في كتابه «موجز تاريخ المستقبل»، كلما ازدادت ثقتنا بالخوارزميات كلما تعرضنا للخطر، ويضرب مثالاً لذلك اعلان وزير الصحة البريطاني أمام مجلس العموم قبل فترة أن خللاً في خوارزمية الوزارة سبّب بتأخر ٤٥٠ ألف مريضة بسرطان الثدي عن الفحص الدوري الأمر الذي قصّر حياة ٧٥٠ مريضة. 
الذكاء الاصطناعي السياسي لا يحتاج إلى تعميده بالأخلاق والانسانية، إنه يحتاج فقط أن يؤمن به كبار زعماء العالم أكثر مما يؤمن به الحكماء. 
الذي أتوقعه في المستقبل القريب، هو ان تقانة الذكاء الأصطناعي «الديمقراطية!» ستكون متاحة أكثر وسهلة الأستخدام!، نعم، فقد صار معتاداً أن تنتج الشركات العملاقة لغة ما ثم تنتج مكتبات لهذه اللغة تجعل المصمم يعتمد على المكتبات الفرعية التي تم تبسيطها لها، وتسهيلها وجعلها تجارية ومتاحة للمبرمجين العاديين، وهم في الغالب من البلدان المستهلكة للبرامجيات والتي تشتريها عبر البحار وتنفذ ما موجود في الكتلوغ وتسميها «برمجة». 
ال أي آي؛ ينشط أيضاً في مجال مكافحة الجريمة والإرهاب، وتوقع قدوم الزوابع والعواصف والفيضانات، لكنه ينشط أيضاً في ممارسات عنصرية ضد الأقليات كما تفعل مقاطعة شينجيانغ الصينية، المتطورة جداً في هذا المجال إلى حد تسميتها بدولة البوليس الرقمي، فقد برع رجالها بمسح وجوه الأقليات رقمياً ومتابعة النشاط الانفصالي للأفراد.

 

 

أما في الوقت الحالي ، فيمكننا أن نتخيل السيناريو التالي، شركة برمجيات أجنبية تخاطب سياسياً مؤثراً وتقنعه بأن بمقدورها التلاعب بقواعد بيانات المصوتين واختراقها بسهولة، فهي بالتالي ليست أصلب من قاعدة بيانات فيسبوك وليست أذكى من سيري بنت أبل، ولا أكثر عفةً من ألسكا بنت أمزون، ولا أكثر نباهة من كورتانا بنت مايكروسوفت( أسماء أي آي الخاص بتلك الشركات). 
إنها مجرد معلومات لمگاريد عراقيين يصدقون بوجود إكسير الديمقراطية مخزّنةٌ في سيرڤر مزيّن بالعلوگ الخضر والحناء. 
ولماذا لا يتأخر الباحثين عن الفرص في شركات السيلكون ڤالي الصغيرة أو حتى كشك صغير ورطب للبرمجيات في ضواحي بنغالور الهندية.. لماذا يتأخر هؤلاء في تقديم عرض مناسب لسياسي عراقي لا يجيد صياغة رؤية مستقبلية بنصف عين حتى. 
ولماذا نؤمن أن الديمقراطية هي المخلّص بينما بات العالم اليوم يؤمن شيئاً فشيئاً أن الذكاء الاصطناعي سيجعل من الديمقراطية خرخاشة للحالمين والرومانسيين وتسبيحة للمؤمنين المعتدلين!.
 
 https://www.facebook.com/mortadagzar

 

شوهد المقال 978 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats