الرئيسية | الوطن السياسي | ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة 
د. ناصر بن غيث المري

كتب بتاريخ  
2012-09-13

 

 


لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن أن تواجه به أي مفكر أو عالم دون تجد أجابة شافية عليه لا لعجز هؤلاء أو أولئك عن الإجابة بل لكثرة الإجابات المتباينة والمتنوعة إلى درجة تضيع معها الحقيقة، لكن صعوبة السؤال وتشتت الأجابات عليه لم تمنع من طرحه بصورة مستمرة كما أنها لا يجب أن تمنع من أن يطرحه كل جيل على نفسه قبل أن يمرره وأجابته إلى الجيل الذي يليه، وهنا أطرح هذا السؤال في العلن بعد أن كان يدور في رأسي منذ أن بدأت أتلمس واقع الأمة المرير، فقد كنت دائماً أتساءل عن سبب تخلفنا وضعفنا وتكالب الأقوام علينا وأستهدافنا في كل دار وعن عجزنا وتخلفنا وتحولنا إلى عالة على أنفسنا وعلى الاآخرين بل وعلى الأرض التي تحملنا.
قد يكون من المجمع عليه تاريخياً أن الدين ببعديه العلمي والإيماني كان السبب الرئيس وراء تقدم المسلمين الأوائل الذي كانوا في سوادهم الأعظم من العرب الأميين الذين لم يكن لهم باع في معرفة ولا إرث في حضارة ولا عرف عنهم إهتمام غير بالحرب وبالتجارة وبالخمر والنساء رغم إنهم كانوا يمتازون بالكثير من المناقب والخصال والتي كشف واقع حالهم وقتئذٍ أنها لم تكن كافية لأقامة مجتمع مستقر ومتحضر، لكن بمجرد ترسخ الإسلام ودولته وتوسعها فقد ظهرت حضارة تفوقت من الناحية المادية على من سبقها من حضارات إتسمت بالغيبية وتفوقت من الناحية الأخلاقية على من لحقها من حضارات إتسمت بالمادية، وهي الحضارة الوحيدة التي لم يتوفر لها أيٌ من مقومات الحضارة الجغرافية أو المناخية أو العرقية، فالمتابع لتاريخ الحضارات يجد أنه لابد من توافر عوامل معينة لأي حضارة تمكنها من القيام والإستمرار منها عوامل مناخية إذ لا تقوم الحضارات في المناطق الباردة شديدة البرودة ولا المناطق الحارة شديدة الحرارة، كما يجب توافر مقومات جغرافية معينة كالموقع الجغرافي المتميز على السواحل أو الأنهار أو الأراضي الخصبة، وأخيراً فقد إرتبطت الكثير من الحضارات بعرقيات معينة كانت تتميز عمن سواها بالعزيمة والقوة والبأس ولذلك نجد أن معظم الحضارات تنسب إما لحيز جغرافي مميز أو إلى عرق معين.
إلا ان الحضارة الإسلامية تنفرد من هذه الناحية كونها لا يمكن نسبتها إلى عرقٍ أو جغرافيا معينة، بل أن مهدها كان أرضا قاحلة قليلة العطاء لا تدعم الحياة البشرية ناهية عن الحضارة وكان أهلها الأولون اميين لا يملكون من العلم إلا ما يعينهم على حياة الصحراء الصعبة، وبذلك فإن الحضارة الأسلامية هي الحضارة التي قامت على فكرة غيرت بعد رسوخها حال معتنقيها وجعلتهم صناع حضارة بعد أن كانوا يعيشون على هامشها، ومن هذا المنطلق فيمكن القول أنه بما أن الدين كان له الدور الأساسي في نهوض المسلمين وتكوين حضارتهم فإن البعــــد عن هذا الدين يمكن أن يكون السبب الرئيس لتخلفهم عن ركب الحضارة، ولكن مع التسليم بهذا القول إلا أنه لا يمثل جواباً شافياً للتســاؤل عن السبب الأساسي لتخلف المسلمين، حيث أن الدين الإسلامي يقوم على العديد من الأسس التي تقوم بدورها على الأوامر والنواهي والتي تشكل في مجملها منظمومة قيـــــمة غاية في التعقيد، وبُعد المسلمين عن دينهم لم يشمل البعد عن كامل هذه المنظومة، ففي العبادات مثلاً فإن بُعد معظم المسلمين كان محدوداً وهامشياَ في حين ان تخليهم عن الكثير من القيم والقواعد التي تحكم سواء التصرف الفردي أو السلوك الجماعي كبيراً وواضحاً، وهنا يثور التساؤل: ما هي الفضيلة أو القيمة الأخلاقية التي شكل التخلي عنها السبب الأساس في إنهيار الحضارة الإسلامية وتخلف المسلمين؟.
وللبحث عن الفضيلة المفقودة التي أدى فقدها إلى تخلفنا عن ركب الحضارة لابد من النظر في القيم التي جاء بها الأسلام ولم تكن موجودة أو سائدة في مجتمع الجاهلية والتي كان لها كبير الأثر في التحول الذي طرأ على المجتمع العربي، من المعروف أن المجتمع الجاهلي رغم 'جاهليته' إلا أنه لم يكن مجتمعاً خاليا من القيم الأخلاقية بل أنه كان ينفرد بالكثير من القيم التي لم تكن فيمن حوله من مجتمعات كنصرة المظلوم وإجارة الضعيف، كما كان الكثير من سادة العرب معروفين بالحكمة والحلم، لكن كل ذلك كان ممزوجا بعصبية قبلية غاية في العنصرية إضافة إلى نظام ديني بدائي صارم يقوم على تقديس الاَباء والعكوف على أصنام والتوسل بها وطلب العون منها في تغييبٍ غريبٍ للعقل عند العرب المعروفين بالحكمة والرأي، وقد تضافرت العصبية القبلية والنظام الديني الصارم في مقاومة أي محاولة لتحرير العقل العربي من أساطير الأولين، ولقد كانت مقاومة رسالة الأسلام في بدايتها من قبل قريش لا لشيء إلا لأنها سفهت الاَباء وشقت الصفوف رغم إعتراف الكثير من سادة قريش إنها دعوة حق تدعو إلى مكارم الأخلاق التي يقدسها العرب، لذا يمكن إعتبار الحرية المعتمدة على تحرير العقل هي الفضيلة الكبرى التي جاء بها الإسلام والتي غيرت حال العرب الأميين المتعصبين من قوم يتقاتلون حتى الفناء على عقال بعير إلى قوم صنعوا حضارة ماتزال قائمة بقيمها إلى يوم الناس هذا حتى بعد ذهاب أهلها.
الإسلام جاء من ضمن ما جاء به بالحرية بمفهومها الواسع والتي تأتي حرية المعتقد في رأس سنامها 'فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ'، وبذلك جعل الإلتزام بالأوامر والنواهي بالخيار: فمن شاء فليؤمن ويلتزم وله تبعات الإلتزام ومن شاء فليكفر ولا يلتزم وعليه تبعات عدم الإلتزام الدنيوية والأخروية، والإلتزام الإختياري من هذا الجانب يعتبر أعلى درجات الحرية وأجلى صورها وذلك لأن المرء يختار بأن لا يكون له الخيار في أمر والذي يؤدي كذلك أقصى درجات الإلتزام كذلك لأنه يكون بالخيار دون دون قصر، وبذلك نجد أنه من الحرية يتولد الإلتزام وهما معاً يكونان أهم عنصرين من عناصر بناء الحضارة، فمن جانب يؤدي تحرير العقل من قيود الموروث والخرافة وتحرير السلوك من الضوابط اللاعقلانية إلى إطلاق العنان لطاقات الإبتكار والإبداع الفردية، ومن جانب اَخر يؤدي الإلتزام المبني على الإختيار إلى الإجتهاد والتفاني في العمل على تسخير الإبداع لخدمة المصلحة الجماعية ومن هذا المنطلق فإن الحضارة ما هي إلا نتيجة طبيعية 'لمتلازمتي' الحرية والإلتزام.
لكن ونتيجة لنظام الحكم الجبري الذي جاءت به الدولة الأموية أخذ هامش الحرية بالتاَكل شـــيئاً فشيئاً، فقد تم في البداية إستهداف العلماء والمفكرين الذي شكلوا خط الدفاع الأول عن الدين والحرية بجوانبها المتعددة وهو ما يبدو جلياً من تاريخ معظم علماء الإمة الكبار الذين لم يسلم أحد منهم من القمع والسجن بل والقتل، كما كان المسجد ومنبر الجمعة من أهــــم ضمانات الحرية وتجلياتها في الإسلام وهو ما يفسر سرعة السطو عليهما وإختطافهما من قبل بني إمية وإستغلالهما في مواجهة خصومهم السياسيين والذين كان العلماء في مقدمتهم، وبمرور الزمن أخذت القيود تزداد وتأخذ أشكالاً وصوراً متعددة (السياسي والإجتماعي والثقافي) والتي كان تأثيرها كبيراً على هامش الحرية الذي كان يتمتع به المسلمون ما إدى بدوره إلى تراجع درجة التزامهم تجاه قضاياهم الكبرى والتي تأتي التنمية الحضارية في مقدمتها، إلا أن تأثير غياب الحرية وتراجع الإلتزام لم يظهر إلا بعد قرون وذلك بسبب المد الأسلامي الذي إنحصــــر مع تفكك الدولة العباســــية، وقد تكرس هذا التراجع وتحول إلى تخلف بعد الإستهداف الأجنبي مع اجتياح الصليبيـــين والتتار ثم إحتلال الفرنسيين والبريطانيين لبلاد العرب والمسلمين، وقد أستمر التخلف إلى يوم الناس هذا بفضل أنظمة الإستبداد التي شكلت إستمرارا للإحتلال الأجنبي لكن بنكهة محلية ما يعني أنه لا نهضة دون حرية ولا حرية دون الرجوع للدين الذي كان سبب تحررنا ونهضتنا.

 

' اكاديمي اماراتي

شوهد المقال 1891 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الفنان السوري أحمد شعبان وكتاب السيرة الأول ـ وطن من جسد عن دار نشر اسبانية فاء آلفالفا

 عبد الهادي سعدون   أحمد شعبان: وطن من جسد، 178 صفحة، 2018. دار نشر فاء آلفالفا في مدريد/إسبانيا. Ahmad Chaaban: Home of a Body, Alfalfa, Madrid, 178p.,
image

تلاميذ يفترشون الأرض في مدرسة عبد القادر بلبشير ..بلدية الحسيان ..ولاية مستغانم

 أمينة ليزيد   حينما حلت ميركل لتزور قسم اللغة الألمانية في ثانوية العاصمة ،وفروا الألواح الإلكترونية أمام الاعلام والوزيرة ..حتى نظهر أمام العالم أننا بلد
image

رياض حاوي ـ التفكير كخبير اقتصادي: دليل القرار العقلاني (7)

 د. رياض حاوي  المبدأ الخامس: قانون العواقب غير المقصودة: أثر الكوبرا وأثر الجرذانCobra Effect  عندما كان البريطانيون يسيطرون على الهند فكروا في حل لمشكلة ثعابين الكبرا
image

مجلة جامعة سكيكدة وأسئلة علمية عن المجتمع

د.وليد بوعديلة  قضايا المجتمع والأدب في عدد جديد من مجلة "البحوث و الدراسات الإنسانية لجامعة سكيكدةأصدرت مؤخرا جامعة سكيكدة العدد رقم ستة عشر من مجلتها المحكمة"
image

فرحات آيت علي ـ معضلة التزلف و المتزلفين و مسؤوليتهم الأخلاقية و الجنائية في كونهم سند للمفسدين

فرحات آيت علي كل ما تطرقنا الى ملف نرى أن فيه شبهة فساد او حتى عدم نجاعة و جدية في دراسة وترتيب المشروع
image

فوزي سعد الله ـ عن "الطَّبخ اليهودي"...أثير الدعاية الصهيونية

فوزي سعد الله   "...تحت تأثير الدعاية الصهيونية وأبواقها الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بشكل خاصّ، يُردِّد بعضُ الإعلام الجزائري، ومعَه بعض الإعلام العربي
image

عبد الزهرة زكي ـ منتظرين السلام

عبد الزهرة زكي           السلامُ الذي كان هنا كان يداً تمتد، وكان يداً اخرى تصافحها. كان انحناءة اعتذار.. وكان ابتسامة عفو وصفح. كان قلباً يحب..
image

ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

 د. ناصر بن غيث كتب بتاريخ 2012-09-18   حالات التطاول الغربية المتوالية على الرموز الدينية للمسلمين لا يمكن قراءتها كما تدعي الحكومات الغربية على أنها
image

سامي خليل ـ الحرف اللاتيني لكتابة الأمازيغية تفكيك قادم لجغرافية الجزائر

سامي خليل   من يسكت على فرض محافظة عصاد الحرف اللاتيني لكتابة الامازيغية فهو يشارك في اخطر جريمة ضد الجبهة الداخلية و الامن القومي. نحن
image

أسامة بقار ـ تعليقات حول مسألة تبني الأبجدية اللاتينية كأبجدية كتابة اللهجات البربرية

 أسامة بقار  أثار تصريح رئيس المحافظة السامية للأمازيغية حول تبني هذه المؤسسة للأبجدية اللاتينية كخط لكتابة اللهجات البربرية بين رافض لها ومرافع لتبني

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats