الرئيسية | الوطن السياسي | عبد الوهاب بوزحزح - مسؤولية فرنسا الماكرونية عن جرائم فرنسا البونابرتية

عبد الوهاب بوزحزح - مسؤولية فرنسا الماكرونية عن جرائم فرنسا البونابرتية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

عبد الوهاب بوزحزح 

 


هذا المقال نشرته أول مرة سنة 1994 في جريدة النبأ الأسبوعية. وقد دأبت على نشره كلما وجدت الفرصة المناسبة وآخرها سنة 2015 في الذكرى السبعين لمجازر 45/05/08 التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في حق الشعب الجزائري. 
وبمناسبة الزيارة التي يقوم بها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" للجزائر فإني أعيد نشره لأيماني بوجوب الحفاظ على جذوة أي قضية متقدة حتى لا تموت إلى أن يأذن الله بحلها. وأرجو من الإخوة الذين ما زالت روح الوطنية متقدة في نفوسهم أن يساهموا فيها ولو بنشر هذا المقال على أوسع نطاق. 
وكنت في كل مرة أختار له العنوان الذي يناسب المقام والسياق وفي مناسبة اليوم اخترت عنوان "مسؤولية فرنسا الماكرونية عن جرائم فرنسا البونابرتية" 

بين الماكرونية والبونابرتية؟ 

إن الربط بين فرنسا الحالية، فرنسا "إيمانويل ماكرون" وفرنسا "نابليون بونابرت" في العنوان ليس اعتباطيا بل له ما يبرره. 
ذلك أن الإعداد لغزو الجزائر بدأ في عهد "نابليون بونابرت". ففي سنة 1802 وضع القنصل العام الفرنسي في الجزائر "جون بول سانت آندريه" خطة عنوانها "مشروع لحملة ضد الجزائر" وفي سنة 1808 كتب نابليون رسالة سرية إلى وزير بحريته "ديكريس" يقول له فيها "فكروا في إعداد غزوة إلى الجزائر، وذلك على كلا المستويين البحري والبري". 
ولنفس الغرض أرسل الرائد "فانسان بوتان" رئيس فرقة الهندسة العسكرية إلى الجزائر سريا بتعليمات صارمة: "إياك أن تحكي قصصا عند العودة، وتطلق العنان لخيالك! بل عليك أن تسجل أدنى جزئية في حينها، وأن تقدم تقريرا كتابيا".
وتنفيذا لهذه المهمة فقد أقام في الجزائر شهرا كاملا وهو متقنع. عاد بعده بتقرير كتابي مدعم بخرائط مع توصيته بأن لا تُجابَهَ العاصمةُ كالعادة من البحر، بل من الخلفية الأرضية غربها، من "سيدي فرج"، ومن هناك تُقتحَم القلاع. (المرجع:مولود قاسم نايت بلقاسم شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية ج 2 ص30 – 31). 
وهذه هي الخطة التي اعتمدت عليها الحملة الاستعمارية سنة 1830. والسؤال المطروح هنا هو:
هل يتحمل قادة فرنسا الحالية - فرنسا القرن الواحد والعشرين – المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبها آباؤهم باسم الدولة الفرنسية في حق الشعب الجزائري طيلة 132 سنة، وهي فترة استعمار فرنسا للجزائر؟
هذا السؤال، قد يثير دهشة واستغراب البعض من الفرنسيين، كما قد يثير شجب واستنكار البعض من الجزائريين.
أما الدهشة والاستغراب فلأن القادة الحاليين لفرنسا، حسب زعمهم، لم يساهموا لا من قريب ولا من بعيد في هذه الجرائم، لأنها إنما ارتُكِبت من قبل القادة الاستعماريين، وقد مات معظمهم ولقوا ربهم وهو من يحاسبهم عنها، والقليل الذي تبقى منهم ليس في موقع القيادة، فهل يحق لنا أن نؤاخذ الإبن بجريرة الأب وقد قال الله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى"؟
وأما الشجب والاستنكار فلأن المصلحة، في زعمهم، تقتضي أن نطوي صفحة الماضي ونتطلع للمستقبل ونفتح صفحة جديدة مع فرنسا تنبني العلاقات فيها على المصالح لا على الأحقاد. علاقات متحررة من عقدة العداء لمن مضوا.
ويبدو اعتراض الفئتين في ظاهره مقبولا. لكن في حقيقته يعبر عن خبث ودهاء من جهة، وعن سذاجة أو خيانة من جهة ثانية. 
ذلك أن من يزعم أنه لا يتحمل جرائم أسلافه، إنما يريد أن يدفع عن أمته تبعات هذه الجرائم، فمصلحة بلده هي التي تحركه ومن ثم يتجاهل أبسط المفاهيم السياسية والقواعد التي تقوم عليها العلاقات الدولية والأممية. أما الزعم بأن المصلحة تقتضي نسيان الماضي فينم إما عن سذاجة، لأن فيه جهلا بأبسط هذه المفاهيم، أو خيانة، لأن فيه تفريطا في حق ضحايا هذه الجرائم. وبين تجاهل المتداهي وجهل المتغابي يضيع الحق ويفلت الجاني.
استمرارية الدولة وتواصل الأجيال يقضيان بضرورة اعتراف فرنسا 

من المفاهيم التي ينبغي أن تكون واضحة في الأذهان عند التعامل الدولي والأممي نجد مفهوم الدولة ومفهوم الأمة، وهما مفهومان سياسيان وفي نفس الوقت حضاريان. وكل منهما يقضي بوجوب تحمل فرنسا الحالية مسؤولية فرنسا البونابرتية عن الجرائم التي ارتكبتها في حق الشعوب التي استعمرتها عامة والشعب الجزائري خاصة. 
وسأتناولهما من خلال خاصية أساسية وهي خاصية الاستمرارية. 
والاستمرارية عنصر جوهري في مفهوم الدولة من حيث أنها شخص معنوي لا يتقوم بالأشخاص الحقيقيين الذين يمثلونه في فترة حكمهم فقط، إنما يتقوم بخاصية التواصل المستمر بين فترات الدولة طالما هي قائمة. 
كما أنها عنصر جوهري في مفهوم الأمة باعتبارها كيانا معنويا يحقق معنى التواصل بين أجيال الأمة الواحدة. 

1- بموجب استمرارية الدولة الفرنسية 

إن الدولة كما هو معلوم لدى فلاسفة السياسة والقانون شخص معنوي. ومعنى هذا أن لها وجودا مجردا مستقلا حتى عن الأشخاص الحقيقيين الذين يقودونها. وهذا ما يمنحها استمراريتها وديمومتها، بحيث تبقى الدولة ثابتة مستمرة رغم تعاقب الحكومات وزوالها. 
ومن المفيد والضروري أن نفهم العلاقة بين الكيان المجرد وبين القادة الذين يمثلونه. فما هي حقيقة العلاقة بين الدولة كشخص معنوي وبين قادتها كأشخاص حقيقيين؟
أقول:
لما يتسلم شخص ما مسؤولية رئاسة دولة ما، فإنه بهذا يتقمص شخصية هذه الدولة ويجسدها في نفسه طالما أنه رئيسها، فتصير هذه الدولة تتعامل مع الهيئات أو الأشخاص من خلاله. فإذا صرح، بوصفه رئيسا للدولة، أو أبرم عقودا أو اتفاقات، أو أمر بحرب أو بسلم ... إلخ فإن ذلك كله يصبح فعلا تابعا للدولة مُلْزِما لها، مثلما يصبح تصرف كل شخص جزءا لا يتجزأ من شخصيته، وبالتالي يتحمل مسؤوليته الكاملة عنه. فإذا شغر هذا المنصب، بانتهاء عهدة أو استقالة أو إقالة أو وفاة أو بأي اعتبار آخر، فإن كل تصرف قام به خلال قيادته لها يبقى ملكا تابعا لها من الناحية القانونية وجزءا من تاريخها من الناحية الحضارية. وهكذا تتحقق استمرارية الدولة والتواصل بين فتراتها.
هذا هو المبدأ العام الذي أريد تطبيقه على هذه الحالة الجزئية، وهي فرنسا، وأبادر بهذا السؤال:
هل دولة فرنسا تصدق على فرنسا الحالية - فرنسا "إيمامويل ماكرون" - دون الفترات السابقة؟ 
الجواب قطعا: لا. 
بل إن مجرد التفكير في هذا قد يغضب الفرنسيين لأنه يجردهم من تاريخهم الطويل والمليء بعظائم الأمور. إذا كان الأمر كذلك، فإن كل تصرف قام به قادة فرنسا سابقا هو تابع لفرنسا كشخصية معنوية ثابتة ومستمرة. فإذا تسلم مقاليدَ الأمور فيها "جاك" أو "نيكولا" أو "فرانسوا" أو "إيمانويل" فإنه بذلك قد تقمص هذه الشخصية الحافلة بالأحداث المحملة بالأوزار والأمجاد والأسرار، وسيضيف إليها أحداثا جديدة خلال فترة حكمه. 

فرنسا! هل لكِ من توبة؟ 

قد يساهم هذا الرئيس بإضافته هذه في تخليص دولة فرنسا من بعض أوزارها الماضية، مثلما يتخلص التائب من خطاياه، فيصبح كمن لا ذنب له. ولا يكون ذلك إلا إذا اعترف الرئيس علانية، وبصفته ممثلا لدولة فرنسا، بمسؤوليتها عن الجرائم التي ارتكبها أسلافه، الذين حكموا فرنسا، طيلة 132 سنة في حق الشعب الجزائري، مع الاعتذار لدى الضحايا والاستعداد للتعويض عن الأضرار،كما تقضي به قواعد التوبة من الذنب، حيث لا توبة للمذنب إلا إذا أقلع عن ذنبه فورا وندم عليه وعزم ألاّ يعود إليه، مع رد المظالم إلى أهلها.
إن هذا الاعتراف سيكون، قطعا، أمرا شاقا، لا يقوى عليه الرئيس دون سند من شعبه أو بعض فئاته على الأقل، لكنه سيكون موقفا تاريخيا ستحمده له الأجيال المستقبلية، وهذا هو التطلع نحو المستقبل حقيقة وليس تجاهل الماضي. وقد فعل بعضا من هذا، وإن كان بدرجة غير كافية، بعضٌ من عقلاء قادة الدول، مثل رئيس وزراء ياباني سابق الذي اعترف بأن الحرب التي خاضتها دولة اليابان في الحرب العالمية الثانية كانت حربا عدوانية، واعتذر لدى الشعوب المتضررة منها. وكما فعل المستشار الألماني "هلمولت كول" فاعتذر لدى الشعوب التي تضررت من النظام النازي. وقد استفاد اليهود، بمكرهم وخبثهم في استعطاف الدول العظمى والرأي العام فيها عليهم باعتبارهم من ضحايا النازية، في الحصول على تعويضات عما لحقهم من تقتيل جماعي بالغوا كثيرا في تصويره وتقدير عدد ضحاياه منهم، ومع ذلك فرضوه على الرأي العام الغربي بعد أن أحكموا سيطرتهم على وسائل الإعلام فيه، وأصبح "الهولوكوست" أمرا مقدسا يُحاكَم كلُّ من يشكك فيه. 
ولقد أصبح هذا الأمر من مسلمات الحكومة الفرنسية، فلماذا تكابر في هذا إذا كانت هي الجاني وغير اليهود هم الضحايا! لماذا لا تعترف فرنسا بالجرائم التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري على امتداد قرن واثنين وثلاثين سنة! 
لماذا لا تعترف بأن وجودها خلال هذه الفترة كان عدوانا على دولة ذات سيادة هي دولة الجزائر، واغتصابا لحق شعب في أن يعيش حرا سيدا على نفسه كأي شعب!. 
ولماذا لا تبدي استعدادها للتعويض عما لحق بالجزائر بسبب هذا العدوان! 
لماذا هذه المكابرة مع أن هذا ما تقتضيه كل الأعراف القانونية والسياسية الدولية! 
لو أن فرنسا الحالية أعلنت هذا بشجاعة، وتبرأت من الجرائم التي ارتكبها الأسلاف، باسم دولة فرنسا، في حق الجزائر، واعتذرت عنها مع إبداء استعدادها عن التعويض، عندها فقط يمكن الحديث عن فتح صفحة جديدة والتطلع نحو المستقبل. 
لو فعلت هذا فليس من المستبعد أن يصفح الشعب الجزائري عن فرنسا الحالية ويفتح معها صفحة جديدة ويتحول إلى صديق في إطار قواعد التعامل بين الأمم والدول. 
هذا ما يستلزمه مفهوم التوصل بين فترات الدولة ومعنى استمراريتها. بمعنى أن فرنسا القرن الواحد والعشرين مسؤولة عما فعلته فرنسا القرن التاسع عشر والقرن العشرين، والذي مازالت ويلاته وآثاره باقية إلى يومنا هذا من جهل وفقر وتخلف وصراع بين فئات الشعب الواحد. 
وهي مسؤولة بقوة القانون والسياسة والتاريخ رغما عن الأخلاف. 
ومن يزعم، منهم، أنه ليس مسؤولا عما فعله أبوه أو جده كمن يزعم أنه ليس مسؤولا عما فعله هو ذاتُه في فترة من فترات ماضيه. كأن يتنصل الكهل أو الشيخ مثلا عن جريمة قتل ارتكبها في شبابه بحجة أنه لا يتحمل مسؤولية ما فعله في فترة الشباب. 
إن هذا ما كان يريد أن يضللنا به الرئيس الفرنسي الأسبق "نيكولا ساركوزي" رغم أنه أمر غير معقول، لأن فيه خلطا بين الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري. 
إن "فرانسوا" أو "جاك" أو "نيكولا" أو "ماكرون" كشخص طبيعي - حقا - لا يتحمل تبعات ما فعله أبوه أو جده الأول أو الألف، فهذا أمر معقول. 
أما "فرانسوا" أو "جاك" أو "نيكولا" أو "ماكرون" كرئيس لدولة فرنسا فمسؤول عما فعلته فرنسا سواء في فترة حكمه أو في أي فترة سابقة لأنه بهذه الصفة شخص اعتباري وليس شخصا طبيعيا. 

2- بموجب تواصل الأجيال 

أما ما يستلزمه مفهوم التواصل بين أجيال الأمة، فإن المعني به هو الشعب الجزائري الذي كان الضحية. والخطاب فيه موجه إلى من يدعوننا إلى التحرر من عقدة الماضي والتطلع نحو المستقبل من أجل مصلحة البلد. إن هؤلاء لا يدعوننا لهذا الأمر بعبارات صريحة، لكنهم يغلفونها بنصائح تُقَدَّم بأسلوب تعبيري تهكمي، يصور الداعين إلى ضرورة اعتذار فرنسا وتحمل مسؤوليتها على أنهم يعيشون على الماضي ولا يتعاملون ببراغماتية مع هذه القضية إذ أن الاعتذار لا يقدم المسيرة وعدم الاعتذار لا يؤخرها. 
ويعززون رأيهم بحقائق الواقع التي تبين أن تشابك المصالح بين الدولتين – أو لنقل تحديدا بين السيستامين – تجعل من المستحيل أن يحصل هذا. 
إلى هؤلاء أقول:
لطالما رددتم مفهوم "الدولة الأمة" فهلاّ طبقتموه على دولتكم وأمتكم؟ هل جيل ما بعد الاستقلال مقطوع الصلة عن أجيال ما قبل الاستقلال؟ وهل يحق له أن يفرط في حق هذه الأجيال أو أن يتخلى عن الواجب الذي بدأته ولم يُقَدّر لها أن تستكمله؟
إنه طالما تمادت فرنسا في إنكار حق الأمة الجزائرية في أن تعتذر لها عن فترة استدمارها، فإن واجب أجيال ما بعد الاستقلال لن يسقط. وهو امتداد لواجب مقاومة بدأه أول جيل وقع عليه الاعتداء فقاومه لكن لم يفلح في صد العدوان وذهب دون أن يسترد حقه وبالتالي لم يستكمل واجبه. وتتابعت بعده أجيال، فكان كل جيل يحاول دفع هذا العدوان، كما شهدت عليه المقاومات المسلحة المستمرة من سنة 1830 إلى ما بعد 1900. 
بعدها جاءت المقاومة الثقافية والسياسية إلى أن جاء جيل ثورة نوفمبر 54 وكتب الله النصر على يديه. فما هو واجب جيل الاستقلال حتى يكون حلقة متصلة بالحلقات السابقة؟ 
واجب الوفاء للأسلاف 

إن أول واجباته أن يكون وفيا لأسلافه وتضحياتهم، ويحاول أن يرد لهم الاعتبار ولو بمطالبة فرنسا بالاعتراف بأن وجودها الاستعماري كان عدوانا على الشعب الجزائري ودولته. 
نعم ودولته رغم المشككين في وجودها. هذا أدنى ما يجب لإنصاف الأجيال السابقة المظلومة. 
غير أن هذا مشروط من الناحية الوجدانية بضرورة وعي المواطن الجزائري بوجوده القومي كما يعي وجوده الفردي. 
وأن تكون أمته بأجيالها حاضرة في شعوره مثلما يعي أن ماضيه - بشبابه وطفولته – جزء من كيانه وشخصيته. 
إنه الوعي الحضاري الذي لا يقتصر على شعور الفرد بانتمائه للفترة الحاضرة، بل بانتمائه لأمة على مدى أجيال وقرون. 
هذا الشعور بالانتماء القومي يعقبه تحرك واعي وجاد ومستمر وشامل، أي على الصعيد الرسمي والشعبي والقانوني والسياسي والثقافي كل من موقعه، إن لم يولد ضغطا كافيا لحمل فرنسا على تحمل مسؤوليتها المادية والمعنوية، فعلى الأقل يُبْقِي القضيةَ حاضرةً في وعي المواطن الجزائري وهذا وحده كفيل بتوريثها للأجيال القادمة. 
ومن هنا تبرز أهمية معرفة الشماريخ (أي الشباب) للتاريخ حسب تعبير المرحوم "مولود قاسم".
وأختم بفقرة له من كتابه "شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية" الصادر عن دار البعث بقسنطينة سنة 1985 حيث يقول مطالبا فرنسا باعترافها بالديون التي عليها لدى الجزائر وذلك قبل الاحتلال: 
"... ولئن كنا لا نطالب فرنسا حاليا بتسديدها، ولا نقلد هذا «المير» - رئيس البلدية – السويسري الذي طالب الرئيس الفرنسي، ميتران، بتسديد ديون على نابليون لقرية سويسرية، فلا أقل من اعترافها بها، اعتراف بالماضي، مجرد اعتراف، وبعد ذلك: فالله يسمح! (إن شاءت الأمة أن تسمح، فالمال مالها!). وإلاّ فسيبقى على فرنسا دينا إلى يوم الدين!" (ج 1 ص 14). 

قرية سويسرية صغيرة ترغم ميتران على تحمل تبعات نابليون بونابرت 

والمير السويسري المقصود بكلامه هنا كتبت عن قصة بلديته جريدة الشعب الجزائرية 12 أفريل 1983 وجريدة Le Figaro الفرنسية 13 أفريل 1983. 
وقصة هذه القرية جديرة بالتأمل وسأنقل ما جاء عنها كاملا لأن فيها عبرة لمن أراد أن يعتبر."
ضيعة صغيرة شغلت الرئيس الفرنسي وخطفت منه كل الأضواء خلال زيارته لسويسرا في الأسبوع الماضي، فعلى الرغم من أنها كانت الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس فرنسي للجار السويسري منذ 73 عاما، فإن العلاقات الثنائية كانت آخر هموم وسائل الإعلام السويسرية، إذ ركزت هذه في صفحاتها الأولى ونشراتها على حكاية ضيعة صغيرة في جبال جنوب غرب سويسرا لها في رقبة فرنسا دَيْن قديم، واستغلت الفرصة لمطالبة ميتران الزائر بوفاء هذا الدين.
الضيعة اسمها بورغ سان بيير Bourg Saint Pierre وقصة أزمتها مع الحكم الفرنسي يعود تاريخها إلى 183 سنة.
في العام 1800 أخطر قنصل فرنسا الأول "نابليون بونابرت" للمرور بهذه الضيعة والبقاء فيها لفترة مع جنوده. ولهذه الغاية سخر نابليون سكان البلدة في قطع 2037 شجرة صنوبر واستعار من أهاليها 188 جهاز تدفئة وطنجرة استعملها جنوده خلال مرابطتهم الاسترخائية وفُقِد منها يومها 80 قطعة.
ولكي يظل القنصل الفرنسي على علاقة جيدة مع الضيعة، ومن أجل الحفاظ على صورة مشرقة لفرنسا في الخارج، وعد أهاليها بتعويض كل الأضرار التي لحقت بهم. ولذلك جرى تخمين أسعار الطناجر الضائعة، وقدرت كل شجرة صنوبر بستة فرنكات سويسرية وبدل كل يوم عمل بثلاثة. وبعد عملية حسابية بسيطة حرر نابليون كمبيالة ( سندا بالدين) اعترف فيها أن الدولة الفرنسية العلية مدينة لضيعة بورغ سان بيير بمبلغ 45331 فرنكا و خمسة سانتيمات. وذَيَّلَها بِتَوْقيعه.
ومرت الأيام. صار نابليون إمبراطورا، وتوالت الجمهوريات الفرنسية حتى الخامسة. وتذكرت ضيعة سان بيير الدَّيْنَ. وبعد استشارة رسمية لخبراء في القانون الدولي تبين أن حقها في ذمة الدولة الفرنسية لا يموت بمرور الزمن، ويمكن المطالبة به في أي وقت.
وهكذا كان، أرسلت بلدية الضاحية الصغيرة السويسرية الملف الكامل ونسخة طبق الأصل عن وثيقة الدين النابليوني إلى قصر الإليزيه، منذ أيام جورج بومبيدو، وثانية في عهد فاليري جيسكار ديستان، لكن الرئيسين الفرنسيين الأسبقين أدارا الأذن الصماء. هذه المرة لم يرد سكان سان بيير تفويت الفرصة عليهم. ويبدو أنهم نجحوا في تأليب وسائل الإعلام السويسرية لمصلحتهم من أجل استغلال وجود ميتران في ديارهم. وقد وعد الرئيس الفرنسي فعلا بتفهم هذا الحق الدولي وقرر القيام بعمل رمزي أخلاقي لوفاء الدين القديم. وفي المقابل طمأن ممثلُ بلدية الضيعة الرئيسَ الفرنسي بأنهم يتفهمون جيدا زمن الشح الفرنسي، ووعدوا بأنهم لن يطالبوا بفوائد الفوائد التي ترفع الدين البونابرتي خلال هذه الفترة إلى ما يزيد على 150 مليون فرنك سويسري فقط لا غير!" (ص 16). 
أقول: 
أن هذا السلوك من هذه القرية يعكس وعيا حضاريا رفيعا. ليت مثقفينا وسياسيينا وقادة المجتمع في بلادنا يتحلوا بهذا الحس الحضاري في برامجهم ونشاطاتهم.
وليت سياسيي فرنسا ومثقفيها وقادة المجتمع فيها يتحلوا بالشجاعة اللازمة ويدعوا حكومتهم للاعتراف بالحقيقة التاريخية وتحمل مسؤوليتها كاملة. 
وهذا هو الشرط الوحيد الكفيل بتأسيس علاقة صداقة حقيقية ومتينة مع الجزائر. 
هذا هو الشرط إن كان الفرنسيون يريدون فعلا صداقة جزائرية صادقة. 
وإذا أبوا هذه الصداقة فهم أحرار، والشعب الجزائري غير آسف عليها لكن لن يفرط في حقه مهما طال الزمن. 
وما ضاع حق وراءه طالب 

 

شوهد المقال 224 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جيهان أبواليزيد - أحمد خالد توفيق .. تركتك تغزو عقلى فكيف تكون قصاصاتك قابلة للحرق ؟

 د.جيهان أبواليزيد  هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟. لو عاش الإنسان مائتي عام لجن من فرط الحنين إلى أشياء
image

رشيدة زروقي - وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائر محكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة

 رشيدة زروقي  وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائرمحكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة      
image

شكوى من مظلوم تعرض للظلم والتعسف من محكمة حجوط إلى وزير العدل الجزائري

 السيد زقاوة محمدرقم القيد 13382 مؤسسة إعادة التربية و التأهيل القليعةبسم الله الذي ليس مع عدله عدل لا في الارض و لا في السماء و
image

ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

 د. ناهد زيان إن كنت من المهتمين بالتاريخ عموما أو من الدارسين له والباحثين فيه ولاسيما التاريخ الحديث فإنك حتما تعرف من هي الدكتورة "إلهام محمد
image

بوفاتح سبقاق - الكاذب الرسمي

بوفاتح  سبقاق الزعيم منزعج و متشائم بخصوص إستمرارية حكمه ، إشاعات كثيرة هذه
image

حميد عقبي -جوع

حميد عقبي             هذه الأرصفة الجائعة تبدو وحيدة ترتجف تلك خطواتنا لا أثر لها الآن مصباح الشارع يلتزم الصمت كانت هنالك حافلات مزركشة كانت
image

وليد بوعديلة - قصة حيزية عند الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

 د. وليد بوعديلة (حيزية) هو اسم امرأة جزائرية، سجلت الذاكرة الشعبية قصتها التي وقعت في القرن التاسع عشر، وهي حسب قصة رواها
image

شكري الهزَّيل - خُذ غصنك وارحَّل!!

د.شكري الهزَّيل لا ادري متى ضبطا بدات علاقتي او ملاحظتى ووعيي بتلك الشجرة الضخمة الوحيدة وسط ارض شاسعه وواسعة وشبة قاحلة,
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

جيهان أبواليزيد - الهند ليست سيف على خان وكاترينا كييف

 د. جيهان أبواليزيد ذهبت مع صديقتى رافينا وريشما وهما من المسلمات الجديدات بمكتب الدعوة والارشاد بالأحساء  شرقى المملكة العربية السعودية وذلك للتعرف على كومار عامل نظافة ببلدية الإحساء وسابقا عامل صرف صحى بالهند، أردت أن استنطقه لما دفعه لاعتناق الإسلام وعن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats