الرئيسية | الوطن السياسي | رضا بودراع - الغرب وحتمية التقسيم

رضا بودراع - الغرب وحتمية التقسيم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

رضا بودراع 
 
 

شغل موضوع التقسيم أغلبية الشعوب المستضعفة في ظل الصراعات القائمة، خصوصًا بعد الثورات العربية.

وكثيرًا ما نسمع المنظرين والنخب الباحثة تحذر منه وتقرع أجراس خطره، بل ونسمعه مرارًا على لسان رؤساء دول قوية كما هو الحال في تركيا وتصريح الرئيس رجب طيب أردوغان أكثر من مرة أن تركيا مستهدفة بمشروع التقسيم.

لكن في مقالي هذا سأحاول توضيح فارقة خطيرة في الصراع، تغفل عنها الكثير من الأقلام الباحثة والمنظرة.

ألا وهي أن المنظومة الغربية ودولها القوية،نفسها مهددة بالتقسيم أكثر من الدول الإسلامية والمستضعفة، وذلك لعوامل في غاية الوضوح والموضوعية، تتضح مع أبسط مقارنة بين طبيعة العوامل ذاتها.

فالدول التي تحكم الشعوب الإسلامية أغلبها أنشئت كوكالة إدارية لها جيش يحميها مهمتها إحكام السيطرة حتى يتم استنزاف البلد وإنهاك مقدراته المادية والبشرية، ثم تعلن دولة فاشلة.

ولمواصلة استنزافها بطريقة أخرى أكثر قذارة يُطبَّق عليها ما يعرف بمشروع تسويق الفوضى أو الفوضى الخلاقة، وهي لا تعدو أن تكون تجارة دم وديونًا.

ثم يتم تسليم البلد المنهك لجهات أقل قوة وهيمنة لتتقاسم الأرض والشعب مبشرة بحقبة جديدة من حرية العبودية.

فكما ترون إن عامل التقسيم تدخل خارجي محض بكل أشكاله رغم أن كل مكوناتنا وعناصرنا الداخلية مقومات وحدة وتكتل؛ من دين، لغة، أعراق، تاريخ وجغرافيا.

وحتى باقي الديانات والأعراق تعتبرها أمة الإسلام «عناصر مُكوّنة» وليس أقليات أو طوائف.

ورغم كل المكائد والحروب والتقسيمات المختلفة للقارة الهندية المسلمة فالبلقان فالحجاز فالشام فالقرن الأفريقي إلى المغرب العربي، كل ذلك والأمة تحن إلى لقائها وتجمعها ولم يحدث ذلك شرخًا في الانتماء الديني والحضاري.

فالتقسيم هنا إذًا طارئ بعامل خارجي والأصل هو الأمة الواحدة. أما التقسيم بالنسبة للمنظومة الدولية والدول الغربية فالعكس تمامًا! التقسيم هو الأصل والوحدة طارئة هشة.

فالاتحاد السوفييتي لم يتماسك إلا بالحديد والنار، ومع أدنى صراع تهاوى وما زالت نواته روسيا مهددة بالتقسيم من الداخل تحاول جاهدة القفز عليه بضم مقاطعات بالقوة كأسيتيا الجنوبية ، أبخازيا والقرم مؤخرًا، وتسمي سوريا روسيا الجديدة وفق ما يعرف بمشروع الأورسة الذي يجمع بين آسيا وأوروبا في كتلة واحدة.

الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بعد حرب المائة سنة وفق تفاهمات واتفاقات مليئة بالثغرات بين ولاياتها، والتي كل مرة تطالب عددًا منها (حتى الآن 06) بالانفصال والحكم الذاتي خاصة التي على حدود المكسيك.

وقد مثلت أحداث دالاس ولوس أنجلوس الذروة بعد حوادث قتل قامت بها الشرطة ضد شباب سود. وتدهور الوضع إلى المواجهة بالسلاح أيامًا حتى تدخل أوباما وكان خطابه الصادم للأمريكيين والعالم حين قال: «نحن بلد واحد متماسكون على غير ما يبدو»، وهذا بيت القصيد على غير ما يبدو، لأن البادي فعلًا أن الولايات الأمريكية الأصل فيها الفرقة والوحدة الاستثناء وهذا ما يجعلها مهددة بالتقسيم من الداخل كما أسلفت.

لكن المثال الأوضح في كل هذا هو حالة الاتحاد الأوروبي الذي يستحق لقب الرجل المريض.

 

وحتى لا أطيل – فيمل القارئ – في تبيان أمر جلي، فإني أرى أن الكلام عن تهديد التقسيم للقارة الأوروبية تجاوز مرحلة التنظير إلى التطبيق، ولعل إفلاس دول كاملة فيه كاليونان وأخرى مرشحة للإفلاس كإسبانيا والبرتغال امثلة جلية ، إلا أن الخروج البريطاني المفاجئ والمدوي كان الخطوة العملية والعد التنازلي لتفكيك الاتحاد بل وتقسيم بعض دوله.
وقد كتبت حينها مقالًا نشره مركز أمية للدراسات الإستراتيجية في الموضوع ذاته.
ضف ان هناك مطالب جدية للتقسيم في كل من إيطاليا (الشمال وصقلية)، فرنسا (كورسيكا والباسك)، إسبانيا (كاتالونيا والباسك) وبريطانيا (اسكتلندا وإيرلندا الشمالية)
فالتقسيم عندهم أصل وعوامله داخلية والوحدة أمر طارئ وهش، والوحدة عندنا أصل والتقسيم علينا طارئ وعوامله أغلبها خارجية.

 

شوهد المقال 6762 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

 سعيد خطيبي   غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض
image

ناصر بن غيث ـ الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة

 الاسلام الليبرالي .. قراءة برؤية جميلة د. ناصر بن غيث المريكتب بتاريخ  2012-09-13   لماذا تخلفنا؟ سؤال قديم جديد سهل ممتنع ولعله أحد أصعب الأسئلة التي يمكن
image

المغرب والكعكة الفقودة

 فريد بوكاس  منذ اندلاع حراك الريف شمال المغرب، والدولة تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية، باحثة عن مخرج بأقل الخسائر، لكن وللأسف لازال
image

مفدي زكريا..عندما تخونه الجزائر؟؟

د. وليد بوعديلة عندما يتجدد الاحتفال بلحظات هامة من الذاكرة الجزائرية على الجزائريين أن يتأملوا واقعهم وأحوالهم في جميع الميادين، لأجل قراءة واعية للمتغيرات التاريخية و
image

اسلام سلال ـ أمهات ساحة مايو والاختفاء القسري

اسلام سلال   في عام 1971 قام جنرال عسكري في الارجنتين يدعى خورخيه فيديلا بانقلاب عسكري وفي خلال ثلاثة اشهر اختفى الالاف من المواطنين
image

سعيد عبد القادر عبيكشي ـ الأفلام الوثائقية.. متعة التحيز المرغوب

د.سعيد عبد القادر عبيكشي يشاهد الكثير منا الأشرطة الوثائقية على اعتبار أنها جزء من منظومة تثقيفية ومعرفية، فهي تزيد من معارف الشخص وتطلعه على مجموعة
image

وفاة رمز الآهاليل الجزائري مولاي الصديق سليمان { مولاي تيمي }

  د. ميلود ولد الصديق  الواحة الحمراء تفقد ذاكرتها الحية وموسوعتها في الاهليل والتراث الشعبي. انتقل الى جوار خالقه أمس الثلاثاء السيد مولاي
image

وليد عبد الحي ـ من كتابي:إيران 2020(2)

 أ.د. وليد عبد الحي  الثقافة السياسية في المجتمع الإيراني:نقصد بالثقافة السياسية مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تشكل نظاما وتعطي معنى للعملية السياسية،وتقدم قواعد حاكمة لسلوك
image

عادل السرحان ـ رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ

  عادل السرحان             رُفِعَ الغِطاءُ وانْكَشَفْ وامْتازَ تَمْرٌ عَنْ حَشَفْ وَتَوَقَّدَتْ قِيَمُ العِراق ولاحَ يَوْمُ المُنعَطَفْ وازْدانَ صُبْحٌ بالْهِتافِ على الخِداعِ المؤتَلِفْ نحنُ العراقُ اذا
image

عبد العزيز بوباكير ـ تداعيات الأمير والإمام

  د. عبد العزيز بوباكير في كتاب للمؤلفة الانجليزية ليسلي بلانش "سيوف الجنة"The sabres of paradise صورة نادرة حفظها لنا التاريخ، لحسن الحظ، التقطت سنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats