الرئيسية | الوطن السياسي | ناصر جابي - سوريا ...تقسم الجزائريين.

ناصر جابي - سوريا ...تقسم الجزائريين.

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
 د. ناصر جابي  
 
منذ عدة شهور كتب الزميل أكرم بلقايد في لموند ديبلوماتيك ،كيف أن الرأي العام المغاربي منقسم ازاء الأوضاع في سوريا ،بشكل لا يظهر فيه اتجاه غالب او إجماع كما تعودنا ذلك امام القضايا الكبرى .دون ان نعرف بالضبط ان كان هذا الاختلاف مقتصر على هذه المنطقة من العالم أم أنه يشمل الجميع ،على الأقل عربيا . هذا الانقسام الذي تكلم عنه أكرم، اعتقد انه زاد مع الوقت بعد التطورات التي تعيشها سوريا في السنتين الاخيرتين . فالكل متفق ان ما يحصل في سوريا هذه الشهور الأخيرة مختلف نوعيا عن الوضع الذي كان سائدا في بداية المطالبة بالتغيير على اكثر من صعيد، فقد تعسكرت الحالة السورية بشكل متسارع، كما طفى للسطح البعد الطائفي الذي لم يكن بارزا في البداية بهذا الحجم ، بعد ان استطاع النظام ان يمنح بعدا اقليميا ودوليا واضحا لهذا الشأن الداخلي السوري في منطقة جغرافية ابتليت بالطائفية والنكوص الى مرحلة ما قبل الأمة ( لم اجد كلمة أخرى ).
موضوعنا اذن هو حالة الاختلاف الجزائري امام الحالة السورية ،فما هي اهم المواقف الحاضرة على الساحة الجزائرية فيما يتعلق بسوريا؟ وكيف يمكن ان نفهمها وهل هي مواقف نخب فقط ام ان الامر يتعلق بالمجتمع "برمته"؟ وهل ما يظهر على مستوى الاعلام بمختلف انواعه، هو الموقف السائد وطنيا ان كان فعلا موقف سائد وما هي علاقة هذه المواقف الشعبية والنخبوية بالموقف الرسمي والحزبي؟
اعرف انها أسئلة كثيرة وقد تتطلب مجالا أوسع من هذه الورقة لكنني سأحاول ...
سأبدأ بقضية اثارتني أكثر من مرة وهو موقف اليسار الشيوعي تحديدا مما يحدث في سوريا الذي يمكن توسيعه الى كل ما عرف بالربيع العربي. باختصار شديد ما تبقى من شيوعيين جزائريين، في الغالب (أكيد فيه ظلم للبعض المختلف) ضد ما يحدث في سوريا من حراك بحجة قديمة من بقايا الحرب الباردة .... التدخل الأمريكي والخوف على الوحدة الوطنية في سوريا ومعاداة الإرهاب ...الخ في تناغم واضح مع الاطروحات الروسية ، حتى بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي العظيم .الرفاق الذي لا يمنعهم هذا الموقف من انتقاد بعض سياسات النظام السوري بحياء لكن سيطرة الفكر الدولتي عليهم يجعلهم يفضلون في الأخير استمرارية وبقاء النظام الذي يصبح يساوي الدولة حتى على أشلاء الشعب السوري ....فالمهم هو البعد الدولي للصراع ،خاصة بعد ظهور بوتين الذي يعيد امجاد غابرة لم يعد مطلوبا موقفا طبقيا منها ... وكأن روسيا بوتين هي نفس روسيا لينين .
اليسار الشيوعي على قلة حضوره الاجتماعي لا زال متواجد نسبيا على مستوى وسائل الاعلام، مما قد يعطي مواقفه حجما اكبر من حجمها الفعلي شعبيا ليعطي الانطباع ان مواقفه ذات حضور في الشارع الجزائري خاصة وان هذه المواقف التي تعبر عنها هذه الوجوه اليسارية قريبة جدا مع الموقف الرسمي ذاته . بالطبع لن اناقش مواقف القوميين في الجزائريين فهم مع النظام السوري كما كانوا مع صدام ، يدافعون عنه بحجة ومن دون حجة . التحزب و الرؤية العقائدية المغلقة اعمت اغلبية أبناء هذا التيار الذي فقد الكثير من مواقعه بعد محنة العراق التي لم يستخلص الدروس منها ورفض رؤية التحولات العميقة التي تعيشها المنطقة ولم يتكيف معها كتيار فكري يرفض حتى الان القيام بمراجعة، رغم الاهوال التي عاشها وتسبب فيها لكل الامة .
يقترب الموقف الشيوعي من الموقف الرسمي والوطني عموما الذي يرفض التغيير في العالم العربي ويريد الحفاظ على الدولة وشبه الدولة كما كان الحال في ليبيا ،بكل عيوبها اذا اقضى الأمر خاصة في هذا الجو المضطرب إقليميا . تغيير يصبح مرفوضا في سوريا اكثر بالطبع اذا أوحى بالتغيير في الجزائر او لمح له .فالنخب الحاكمة في الجزائر لا تدافع بالضرورة عن النظام السوري التي تعرف عيوبه لكنها خائفة من التغيير الذي يمكن ان يطالها . لتبقى مستفيدة سياسيا مما يحصل في سوريا .... انظروا ماذا يحصل في سوريا ...فالأحسن لكم ألا تتحركوا وتطالبوا بالتغيير. ليبقى الخيار الممكن الوحيد اما الأنظمة القائمة بكل عيوبها القاتلة أو داعش وجبهة النصرة .
يبقى موقف الإسلاميين في الجزائر إزاء الأوضاع في سوريا على غرار المواقف الإخواني الذي لم ينسى ما حصل في حماة في الثمانينيات عندما ورطه نظام الأسد الاب في حالة عنف كبير. التيار الإسلامي بكل مدارسه الذي ورطته الجماعات الإرهابية والطائفية هذه المرة في حالة من عنف لم تساعده على اتخاذ مواقف واضحة ،مما يحصل في سوريا والعراق. والأهم من ذلك أنه اصبح عاجزا عن التأثير في الاحداث وتصور سيناريوهات ممكنة، للاكتفاء بترديد المواقف العامة. موقف عجز ساهم فيه اكيد اختلاف مواقف القوى الإسلامية الدولية كتركيا والسعودية وحتى قطر والامارات. مواقف هذه الدول التي شوشت على الموقف الإسلامي عندنا هنا وهو يعيش حالة ضعف، بعد الخسائر التي لحقت بالتيار الإسلامي ككل في أكثر من حالة وطنية .... مصر كمثال.
نختم فيما يخص الإسلاميين بالقول ان ما يخيف الإسلاميين ليس ما حصل ويحصل حتى الان في سوريا والعراق ،فما يخيف أبناء هذا التيار كالكثير من القوى السياسية الأخرى ان الوصفات الإسلامية التي عرفناها منذ نصف قرن ،لم تعد قابلة للتحقيق في مرحلة بعد الأسد ...فالإسلام السياسي لن يكون الحل في سوريا المنقسمة على نفسها عرقيا ودينيا ،كما لم يكن الإسلام السياسي العراقي حلا حتى الان.... نفس الشيء بالنسبة للفكر الوطني الدولتي والقومي اللذان اخفقا بشكل مميت في العراق وسوريا واصبح تجاوزهما من مهام الساعة بالنسبة لأبناء هذه المنطقة، فالحل اكيد لن يكون في ما عرفناه في الماضي من فكر سياسي وعقائد . فأما ان نجدد ونكتشف طريقنا نحو المستقبل أما اننا سنبقى ندفع الثمن الى اجل غير مسمى، إذا فشلنا في تلمس خصوصيات مسيرتنا التاريخية نحو المستقبل التي ستكون في اتجاه اكثر في ابعاد السياسة عن الدين بمذاهبه ومدارسه المختلفة . 
" الحالة واعرة في سوريا " هذا ما نسمعه عند الكثير من الجزائريين على المستوى الشعبي، الذين تضامنوا إنسانيا مع المهجرين السوريين الذين اختاروا الإقامة في الجزائر. تضامن لم يتجاوز المرحلة الإنسانية البسيطة لان المواطن لم يعد يفهم ما يحصل في سوريا التي أحبها وسافر اليها كثيرا وشاهد عنها أكثر عن طريق مسلسلاتها. تضامن انساني بسيط غير مسيس لكنه فعال لأنه يومي لم تشوهه الوسائط الرسمية وشبه الرسمية.
تضامن انساني قلت عنه انه غير مسيس لكنه واضح المعالم ،فالجزائري ضد حقرة نظام بشار للشعب السوري وطابع الطائفي وضد تقسيم سوريا ومع وحدة شعبها التي عرف بمناسبة ما يحصل هذه الأيام أنه متنوع دينيا وعرقيا، عكس ما كان يظن في السابق . معرفة يمكن ان تتحول الى نقطة انطلاق لاتخاذ مواقف اكثر عقلانية و سياسية اذا حصل النقاش الغائب حتى الان حول ما يحصل في العالم العربي .... لان ما يحصل هناك يهمنا هنا حتى لا نبقى تحت وقع التهديد فقط ...

شوهد المقال 6389 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

Tigr Noir في 12:35 28.12.2016
avatar
كل ماقلته في محله و جميل تحليل حاصل و واقعي:
النظام
الشعب( التركيبة النفسية و \ا\لجتماعية و الجغرافية و التارخية في هذه المنطقة)
الدول المجاورة لسوريا و العراق
تركيبتها معقدة المنطقة ارض النبياء و ألأولياء و فيه أمم عاشت قرون قبل مجيئ الأسلام
و وقعت فتن منذا ذلك العصر و بقيت موروثة في نفسية هاؤلاء القوم اليوم و هده الطامة الكبر التي عششت في أفكار بل سكنت في دماء هذه الأمة(الطائفية المذهبية و التعصب لا يفلرق هذا الشب ألا أن يريث الله الأرض و من عليها
الصراع هناك صراع تاريخي ة الحكم لذيهم مصلط عليهم و الحكام مفرضين عليهو من قبل المصتعمر لا يستطعون التخلي عليه حتى المعرضين حين يصلوا الحكم فالصراع قاء
تركبتهم هكدا نفسيا العادات القبلية خيمة عى قلوبهم و عقولهم مهما درسوا او تعلموا هدا قدرهم لا يستطيعوا العيش دون تآمر أو فتنة( و كم من قرية عتت عن أمر ربها فعدبناها .................)(ص) تدمير سوريل مدروس و مخطط له فجائت الفرصة ربيع الخرب و ليس العرب( و يخربون بيوتهم بأنفسهم)(ص) المشرق المال و الحريم ابحتوا جيدا و سوف تجدون أمور جمة و افكار متعدد الفكر الوهابي طغى على كل شيئ اصبح الفكر السلامي (conventionné).و شكرا لك سيدي اذ لم يصلح الفكر العرب لن و لم تصلح احوالوا

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين - بعيدا عن السياسة : الحب في تجلياته الجزائرية

 د.  جباب محمد نور الدين   توجد شابة في هذا الفضاء تعلق بجمل قصيرة وجريئة وقوية ،قبل قليل قرأت لها تعليقا قالت فيه "أول مرة سمعت
image

شكري الهزًّيل - صفقة القرن : الكاوبوي وأبوبعير وال14 مليون فلسطيني!!

د.شكري الهزًّيل تتداخل الامور احيانا على قلمي المواكب للتاريخ الفلسطيني والعربي منذ امد واحيانا كثيرة تختلط الاحداث في مسيرتي مع ناصية حلم لم يبرحني ولم
image

وليد عبد الحي - المجتمع الدولي والقضية الفلسطينية: نظرة مستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي* تمهيد:لم تعد أي من نظريات العلاقات الدولية تُسلم بالدولة القومية (دولة ويستفاليا) كوحدة وحيدة لفهم تفاعلات الحياة الدولية، فقد زاحمت كيانات ”ما فوق
image

فوزي سعد الله - عن البربر والديانة اليهودية قبل الإسلام

  فوزي سعد الله  "...النص الخلدوني الذي يستدل به المؤرخون اليهود والغربيون عامة، على غرار أندري الشّراقي وريشارد حيّون وبيرنارد كوهين وغيرهم، بل يستدل به كل الذين
image

مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 / 4

 د.مخلوف عامر   ابن خلدون والعرب ممَّا حفزني على العودة إلى (ابن خلدون) من جديد، هذه الظاهرة السائدة في أوْساط العامة والمتعلِّمين أيْضاً، وهي
image

مخلوف عامر - الجيل الجديد والتاريخ المجهول

 د.مخلوف عامر   تُعدُّ الثورة الجزائرية معْلماً بارزاً في تاريخ القرن العشرين وامتدَّ تأثيرها إلى سائر حركات التحرُّر حتى قيل إن الجزائر قِبْلة الثوار. والفضل في ذلك
image

حمزة حداد - حسب كمال داود الإسلاميون "منشغلون بقضية البسملة والتفاصيل الثانوية والهامشية "

حمزة حداد  زعمة .. هو الي منشغل بإنتاج صواريخ بوينغ يانغ النووية أو دواء مرض السكري او علاج الفشل الكلوي!! يبدو أن
image

نوميديا جرّوفي - كعادتي كلّ يوم

نوميديا جرّوفي            يوقظني العشق باكرا قبل أن يرتدي الصباح معطفه الشّمسي و دونما حراك يغسل الشوق
image

محمد مصطفى حابس - اسبوع الديانات في الغرب : "ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.. فسلام بعض المجتمعات هو سلام كل المجتمعات"

   محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا    تظاهرة "اسبوع الديانات"  في سويسرا، مبادرة حميدة ووحيدة في العالم، بحيث تفتح كل
image

صالح حجاب - يامن تعجبت من سعر الوقود في الجزائر . لقد علمت شيئا وأخفوا عنك أشياء .

 سفارة ايطاليا بالجزائر سفير ايطاليا السيد باسكال فيريرا رقم 18 شارع ويدير أملال الأبيار 16030 الجزائر العاصمة  معالي السفير : شاهدت فيديو والي ولاية الجزائر يقول فيها أنكم أبديتم تعجبكم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats