الرئيسية | الوطن السياسي | رائد جبار كاظم - خراب الدولة وتأسيس دولة الخراب

رائد جبار كاظم - خراب الدولة وتأسيس دولة الخراب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


د. رائد جبار كاظم

لم يعد ممكناً الصمت والسكوت والصبر على حجم ما نراه ونشهده اليوم من الدمار والخراب والفساد المنتعش والمزمن والساكن في جسد الدولة العراقية، بسلطاتها الثلاث، وبأفرادها ومجتمعها ومؤسساتها، الخراب الممنهج والمبرمج، والقائم على اسس متينة وفكر منظم يقف وراء نشره وأنعاشه والتأسيس له وهيمنته على كل مفاصل الحياة في العراق، ليكون جزءاً من بناء وتكوين شخصية الفرد والمجتمع والدولة في العراق، الذي كانت بدايته وجذوره التأسيسية الاولى موجودة في بنية المجتمع والدولة قبل 2003، ليستمر مستفحلاً ومتفاقماً بعد التغيير السياسي، ليصبح خطاباً وفكراً سائداً يجري في عروق الكثير من المستفيدين والمتنفذين والمتسلطين والمنتفعين من تجار الفساد، وساسة حرق البلاد، ومصاصي دماء العباد، من فراعنة العراق وجبابرته الذين ما أنزل الله بهم من سلطان.
ان وصول العراق لهذا المستوى المأساوي والكارثي من الفساد والخراب، سياسياً وأجتماعياً وأقتصادياً وأداريا وأمنياً، تقف ورائه عقول وأجندات وخطط ستراتيجية تسعى لأدامة وأستمرار هذا الوضع لأكثر وقت ممكن، لأنه يصب في صالحهم ومن أجل تحقيق مصالحهم المستكلبة التي لا تشبع أبداً، فكل شيء لهم ولمن يسير بدربهم ويؤيد فكرهم، أما من يخالفهم والرافض لخطهم وسياستهم فهو الى الجحيم، وسيكوى بنار الحرمان والاحتقار والرفض وممارسة ابشع صور الذل والخراب والعذاب، وهذا ما حدث للشعب العراقي من قبل الاحزاب السياسية وحكام التطرف والكراهية، في ظل حكومة الديمقراطية المزيفة التي نعيش مأساتها وفعلها المنحرف في العراق، دون أحترام لمبادئها وأهدافها، التي تؤكد على أحترام الانسان وحقوقه والعمل على أعلاء قيمته وكرامته، وأصبحت مجرد شعارات طقوسية ومبادىء فارغة لا روح فيها ولا حياة، وأصبحت الديمقراطية اليوم في العراق خواء وزيف لا يمكن الاقرار به وتصديقه، لانه أقيم على أسس تختلف عما هو موجود في الانظمة الديمقراطية المتقدمة.
لقد شهد العراق، في ظل السنوات الاخيرة من عمره السياسي والاجتماعي والاقتصادي، من الدمار والخراب والانحطاط والتخلف والمحرومية والمظلومية، ما شهده من ظروف شبيهة ومماثلة في زمن سقوط بغداد 656هـ ـ 1258م، وما بعدها من سنوات الظلم والاحتلال والدمار الذي عاشته بغداد والعراق، من سيطرة الحركات المتطرفة والفكر المنحرف ونشر لسياسة الطائفية والكراهية والعنف بين الناس، وذلك لتحقيق مآرب حزبية وسياسية مقيتة تقوم على أساس (فرق تسد) تلك السياسة العدوانية الانتقامية التي لم تعد سياسة الاستعمار الخارجي فحسب، وأنما أستفاد منها ويعمل بها المستعمر (المخرب ) الداخلي أيضاً، لأنها سياسة ناجحة تؤسس لفكر وفلسفة وسياسة الخراب الدائم بين الافراد والمجتمعات، وخصوصاً بين الوسط العمومي البسيط والمسُتغل من الطبقة السياسية المتنفذة، التي تملك وتستحوذ على المال والسلطة والسلاح والقرار، وكل وسائل القوة التي تقمع الطبقة الفقيرة والرافضة والثائرة، وعدم تكافوء الحال بين الطرفين، ومما يجعل فريق الشعب هو الحلقة الاضعف بين الفريقين، الا اذا تسلح بفكر وثقافة وأصرار ووعي حقيقي وصبر لا يزعزع بمدى أهميته وحضوره وطاقته والايمان بقوة وجوده وقيمة حقوقه، فعندها يستطيع أن يهزم الجبابرة وساسة الجور والانحطاط.
ان زمننا مر وصعب وكريه، ومهول باحداثه وظروفه السيئة التي أقضت مضجعه وأحالت نهاره الى ليل مظلم، وحياته الى حطام، وخيم علينا الخراب من كل جانب، ولم يعد هناك من أمل يلوح في الافق ليخلصنا مما نحن فيه، ولكن لا شيء يقف بوجه الامل ومنطق التاريخ وسننه، وكل شيء قابل للتغيير والحركة والاصلاح، وهذا كله يكون بحركة ورغبة وارادة الانسان الحقيقية التي تريد التغيير ووقف عجلة الفاسدين والمخربين وكسرها، ويكون ذلك كله بتظافر الجهود وتكاتف الايادي والارادات وعدم الانزواء والاغتراب، وترك المسؤولية على أناس دون آخرين، وعلى طرف دون طرف، لأننا كلنا في مسير واحد وسفينة واحدة، لا ننجوا متفرقين وأنما بوحدة الصف والهدف والقرار، وما لم يكن ذلك فحالنا الى الجحيم، والى وضع لا يسر ولا يبقي ولا يذر، وعندها لا تنفع توبة ولا أوبة، وقد أعذر من أنذر.
ان خراب الدولة العراقية، بأفرادها ومجتمعها وسلطاتها ومؤسساتها، اسس لما يمكن تسميته بـ(دولة الخراب )، تلك الدولة التي أقيمت على اسس فكر سياسي تخريبي وعدواني وأنهياري، لم ولن نستطيع مجابهته ومقاومته وتغييره في قادم الايام والاعوام، لأنه اقيم على اسس رصينة وقوية من دعائم الفساد والخراب والانحراف المنظم الممنهج، الذي تقف ورائه أفكار وأرادات وقيادات كونكريتية لا يمكن زحزحتها، لانها مافيات منظمة ومسلحة تقف صفاً واحداً بوجه كل معارض ومقاوم، وهذا ما تم فعلاً في العراق اليوم، خراب الدولة هو الذي اسس لدولة الخراب، ودولة الخراب هي التي تحكم العراق وتحدد معالم سياسته الداخلية والخارجية، الحاضرة والمستقبلية، دولة صوت الظلم والباطل والفساد، والوقوف بوجه الحق والخير والاصلاح، دولة اشاعة البغض والعنف والكراهية، في مقابل أضعاف صوت الحب والتسامح والعدل، دولة سيادة الفقر والتهجير والافلاس، في مقابل وجود طرف واحد مستفيد ومتسيد ومتغطرس بكافة القرارات والخيرات والثروات.
ولن يتم التحرر من ذلك الحال المأسوي المدمر مالم يتم الرفض الجماعي والشعبي من قبل كافة أبناء العراق، لتلك السلوكيات السياسية المنحرفة، من طائفية ومناطقية ومحاصصة وعنصرية مقيتة تمارس ضدهم، من قبل القادة والحكام، وسياسة أحراق البلاد واعلان أفلاسه ونهب ثرواته وحقوقه، والابقاء على هذا الحال سيدخلنا في ظروف وحال لم نشهدها طوال التاريخ، وستعيدنا الى تلك السنوات العجاف، التي مللناها ونكره العودة اليها، لأنها ظلامية ومأساوية بأمتياز، ولن تزول دولة الخراب وتنهار أسسه ودعائمه، مالم يتم القضاء ومحاربة خراب الدولة المستشري في مفاصلنا ومؤسساتنا وحياتنا اليومية، وهذا ما يؤكد عليه منطق التاريخ وفلسفته.          

شوهد المقال 5302 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

في 06:30 16.09.2016
avatar
ماذا تنتظر من دولة تحكمها عمائم نجسة وتدار من الجمهورية المجوسية

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي المرهج والنص الرشدي أو القراءة التأويلية لأبن رشد

د. رائد جبار كاظم من المؤسف أن تظل الدراسات والكتابات العلمية والثقافية والمعرفية حبيسة المكتبات والرفوف والأنترنيت، دون قراءتها وتحليلها ونقدها، وتعريف القرّاء والمثقفين والمهتمين بها،
image

النّضالِ في الشعر العربي الحديث: الجواهري، والمناصرة- انموذجا

علي أبو بكر سليمان - جامعة بينغول – تركيا1- النّضال في الشعر الفلسطيني الحديث: (عز الدين المناصرة أنموذجاً)في أوائل القرن العشرين ظهرت ملامح المؤامرة الكبرى من لدن
image

محمد فخري جلبي - جنيف 8 ، أخر فصول الخيانة !!

 محمد فخري جلبي   وقبل البدء بالمقال ، فعلى الطامحين بحدوث " أختراق " ولو بسيط للجدار الأممي المحيط بسيادة الدكتاتو ربشار الأسد ، فأنصحهم بالأكتفاء بهذا
image

فارس قائد الحداد - الوضع الإنساني الخطير جراء الحرب في الجمهورية اليمنية

 فارس قائد الحداد إن الوضع الإنساني المروع والكارثي في اليمن يفوق الخيال. ويعجز الفرد عن الحديث علية فقبل عامين، لم يتنبأ أحد بأن الصراع والحرب الدائرة
image

مؤسس الجالية الاسلامية في ايطاليا، يرحل في صمت !؟.

محمد مصطفى حابس : جنيف | سويسرا توفي يوم  الأربعاء الماضي عن عمر يناهز 91 سنة، أقدم المسلمين الإيطاليين وعميدهم الشيخ عبد الواحد بالافيتشينيAbd al-Wahid Pallaviciniمعلوم
image

نوميديا جرّوفي - قراءة في قصّة (موسم الذباب) للقاصّ جمال حكمت

 نوميديا جرّوفي تبدأ القصّة بذلك الفجر الذي مازال يحتفظ بخيوطه الحمراء، لكن في صحراء جرداء من بلد مُحطّم و منهوب، بعيون ساكني ذلك الخلاء و السّبب
image

عزالدين عناية - حفريات في الفكر اليهودي المعاصر

 د. عزالدين عنايةشهد الفكر اليهودي إبان الفترة الحديثة تحولات جذرية تغيرت على إثرها براديغمات النظر للذات وللعالم، وذلك مقارنة بما ساد طيلة الفترة القديمة الموسومة
image

هاتف بشبوش - عبد الحسين الشيخ موسى الخطيب و نِداء الجراح....

 هاتف بشبوش |العراق - الدانمارك في يومٍ بهيّ وشهرٍ زاهدٍ وسنةٍ ملفعة بغيوم اللّغة الرّصينة، أمطرتِ السّماء في مدينة السماوة كلمات موزونة فراهيدية مقفاة ذات معنى
image

محمد فخري جلبي - الأمة العربية تصارع على فراش الموت !!

  محمد فخري جلبي   لماذا تفضل (بعض) الدول العربية الأعتراف بصداقاتها الغربية على حساب تهميش علاقتها مع الدول العربية ، والتي تربطها بها روابط دينية وفكرية وجغرافية
image

محمد بتش - حتما لم يكن هو

 محمد بتش"مسعود" خلف النـّافذة يمتد أفق بعيد,موحش كئيب,كان يجلس أبولحية وقد أثنى ركبتيه,تنساب حبّـات المسبحة بين أنامله.مطقطقة بين الفينة والأخرى.تسـلّل صوت بومة إلى أذنيه,لم يعره أيّ

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats