الرئيسية | الوطن السياسي | وليد عبد الحي - دونية السياسي في الحوار الحضاري

وليد عبد الحي - دونية السياسي في الحوار الحضاري

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أ.د. وليد عبد الحي
 
تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها ظلال ميتافيزيقية مزهوة بقدر من التعالي المسنود بالموقع الحضاري الذي احتلته هذه المنظومة،وقاد هذا الزهو إلى "إنكار مرضي" لمساهمة الآخرين في تشييد الحضارة الإنسانية المتحررة من الأسر الإثني أو الديني ، ولعل كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما جسد هذا التعالي الذي اتضحت هشاشته بعد أن تعالت صرخات الفكر الرأسمالي بفعل الاضطراب الاقتصادي المعاصر وتوالي نظريات ما بعد الحداثة ، ناهيك عن أن النموذج الصيني قدم شاهدا عصريا على قدرة الشرق في أن يساهم مرة أخرى في تطوير المجتمع الإنساني فاتصل كونفوشيوس بحسه الإنساني مع "زينغ بيجيان" ونظرية الصعود السلمي المعاصرة،وشكل ذلك سلسلة فقارية آسيوية واعدة تمتد من ممر ملقا إلى مضيق البسفور.
ولن نطل ثانية على تفكيك "إدوارد سعيد" للاستشراق ، ولا مبرر لتأكيد الصفاء الصوفي للحلاج وابن عربي والسهروردي ووجودية المعري في مقابل "موت الله" عند نيتشة "وعبثية الكون "عند سارتر"...إنه تدفق للطاقة الفكرية البشرية يتقاطع أحيانا ولكنه يصر على التوازي في أغلب الأحيان لا سيما عندما يحضر التاريخ محملا بالأحقاد.
هذا سياق يؤصل لتحليل بعض الأدبيات الإعلامية والفنية الغربية على غرار فيلم(innocence of muslims) الذي يدور في دائرة من المعميات ، بمخرج مجهول ومنتج مجهول وكاتب قصة مجهول وسيناريست مجهول، ولكن بهدف معلوم ألا وهو " تحطيم شخصية محورية في التراث الإنساني اسمها محمد"...
وهنا تبدو المقابلة بين زهوين ثقافيين لا قيمة لهما على جانبي المعادلة الحضارية، أحدهما عربي ينبش التراث الغربي بحثا عن عبارة ممجدة ومادحه لتراثنا فيتغنى بها، وزهو غربي مقابل لا يرى في محمد إلا محاربا أو ناكحا في مواجهة حضارة تمحورت حول العقل(كانت) وما دون العقل(فرويد) وما بعد العقل(كوكس(..
وعند تحليل طرفي هذه المعادلة التي تخرج عن سياق التطور الذي ساهم فيه محمد واتباعه ، كما ساهم فيه المعلم الأول(ارسطو) واتباعه، وإن تكن المساهمة لكل منهما لها ميدانها وقيمتها لكل طرف، سنجد بالتحليل أن تقييم المساهمتين من قبل الأتباع شابها الكثير، فأتباع محمد المعاصرون ثاروا على فيلم تافه التقط وقائع جدلية وحولها لمشاهد ساخرة بلهاء ولكنهم تناسوا أن الهدم الحقيقي لحضارتهم لا يتأتي من فيلم لم أجد فيه عند مشاهدته أي صدق لا في الملابس ولا في الأحداث التاريخية ولا في نمط الحوار ولا في الديكور ...بل الهدم الحقيقي لحضارتنا يأتي من ما هو أخطر كثيرا، فما قيمة فيلم تافه أمام النبش تحت قواعد المسجد الأقصى واحتلال كل ما هو مبارك حوله؟ وما قيمة رسم كاريكاتيري انتقامي لنثور كل هذه الثورة أمام صمتنا على وقوف غيارى الدين تحت أعلام الناتو؟ نثور على فيلم تافه ولكننا نتفهم "الحفاظ على الاتفاقيات الدولية مع إسرائيل"؟؟؟ نثور على الصغائر لنبرر الكبائر... 
إن الرد على هذا الإسفاف من هامش صناع الحياة بأن نحقق إنجازات علمية ونسميها مختبرات محمد، أو نقتحم الفضاء ونضع على سطح القمر علامات عليها اسم البيروني كما فعل فاروق الباز ولو أن المختبر منهم...تعالوا نصنع موسيقى ترقى بالحس الإنساني،تعالوا ننجز أدبا يجعل عملاقا مثل غوتة الألماني يقف مشدوها أمام "تأبط شرا" ويهيم بحسه الوجودي فيقدمه للألمانية.
وبالمقابل فإن الفكر الغربي الذي أبدع وأدهش لا يستطيع تغييب نظرتنا النقدية، فماركس التحرري كان أول من برر استعمار الجزائر والهند بحجة "أننا بحاجة للتطوير"، ومارتن لوثر الذي أنشأ البروتستنتينة وأسس لتطور المنظور الليبرالي كان يقول"أقتلوا أطفال الشرق قبل أن يكبروا ويصبحون جنودا"، وهيغل بحث في شخصية محمد معتقدا أنه"تركي"،وغوبينو وضع أربع مجلدات في علم البيولوجيا أسماها" عدم التساوي بين الأجناس"،وهو ما دل على عقم كبير.
مقابل هؤلاء منا وهؤلاء منهم ، أقر الفارابي بأنه "استفاد من أرسطو وأفلاطون وسقراط"، وأقر بالمقابل توما الأكويني الذي يعد اهم منظري الفكر الديني السياسي بأنه تلميذ نجيب "لابن رشد"، وحيا طه حسين شك "ديكارت" مثلما أثنى توينبي وشوبنهور على الحسن بن الهيثم والرازي، وإن ألحد نيتشة فقد الحد ابن الراوندي، وكان خيال دانتي في كوميديته الإلهية غارقا فيما أغرقنا فيه المعري في رسالة غفرانه، وإن نقلنا عنهم الفلسفة المجردة فقد نقلوا عنا الفلسفة المجسدة، تعلمنا من أفلاطون ونقلوا في روبنسون كروزو ما أبدعه ابن طفيل برمزيته العالية في "حي بن يقظان"...هذا التيار المتلاقح هو الذي يؤسس لتطور البشرية أما المتطاولون على رموزنا ورموزهم فهم زبد السيل الحضاري المتدفق .

 

شوهد المقال 1161 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الحجر الصحي و العطب السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 173. خرج عبد المجيد تبون رئيس الدولة مرة أخرى في قصر المرادية وهو يستقبل من اختارهم ممن يحاورونه، وقد
image

لخضر بن شيبة ـ الحراك الجزائري في زمن كورونا

لخضر بن شيبة   تعليق التظاهر خدمة للجميع… بسبب التهديدات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، كان يوم 20 مارس / آذار 2020 أول جمعة بدون مسيرات شعبية
image

سليم بن خدة ـ ثمة ما يدفع إلى نوع من التفاؤل...العدد في تصاعد في الجزائر لكن لا داعي للذعر والتهويل

 د . سليم بن خدة  العدد في تصاعد، هذا كان منتظرا، لكن لا داعي للذعر والتهويل، و لا يعني أننا نهون من الأمر، فعلى عموم
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats