الرئيسية | الوطن السياسي | محمد سنوسي - جدلية السلطة و المعارضة: قراءة لواقع الأحزاب السياسية في الجزائر

محمد سنوسي - جدلية السلطة و المعارضة: قراءة لواقع الأحزاب السياسية في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. محمد سنوسي
 
" في إغفال لأهمية التنشئة السياسية, و فعالية التجنيد السياسي لدى غالبية الأحزاب السياسية الجزائرية, أصبح بإمكان المواطن الجزائري التماس العقم و التقهقر التي تعاني منه هذه الكيانات سواء من حيث إيديولوجياتها أو هياكلها التنظيمية و حتى على مستوى سياساتها الداخلية و مخرجاتها بصفتها عنصر أساسي من عناصر النظام السياسي " 
بالعودة إلى الإطار النظري المنظم لسير الأحزاب السياسية, و طرح تعريف يشمل جميع مقوّماتها, فلنا القول أنها تجمّعات بشرية تشترك في إيديولوجية معينة مترجمة ضمن أجندة سياسية, تهدف بها بلوغ السلطة و كذا المساهمة في تغذية النسق السياسي في حالة عجزها بلوغ سدّة الحكم, و هي كذلك كيانات قانونية سياسية ,أي دستورية المنشأ و ذلك كحقّ للأفراد في تكوين آليات للمشاركة السياسية المنظمة و المضبوطة ,لكن بالعودة إلى واقع الأحزاب و في الجزائر بالتحديد, نعيش أزمة في نظام التفاعل السياسي بين مكونات النظام من مؤسسات رسمية و عير رسمية, على غرار عجز و شلل المجتمع المدني, في إنجاح دوره كمنبر للتنشئة الاجتماعية و الثقافية و الفكرية, و كذا عدم فعالية الأحزاب السياسية على ممارسة وظائفها, سواء قبل أو بعد بلوغ السلطة, و كذلك نعاني من عدم نجاعة المجالس المنتخبة التشريعية منها و المحلية, و ذلك بتعاظم حجم الصراعات و تغليب الممارسات المضرّة باستقرارها و فعاليتها , و هذا مردّه إلى طغيان فلسفة أحزاب السلطة في مستواها التوافقي من جهة, و كذلك انعكاس ظاهرة المعارضة لأجل المعارضة و بروز المستوى ألتصارعي من جهة أخرى , و هذا ما ينشئ لنا نوع من عدم التجانس داخل الساحة السياسية, و كشف ركود في العملية السياسية في الجزائر .
هذا و من جهة أخرى نجد السلطة تقف على خطّ المهادنة ,و تطبيق سياسة الكيل بمكيالين في وقت تعيش الساحة السياسية مخاضا على مستوى أحزاب السلطة, و تقهقر أسهمها حسب معطيات مختلف المحطات الانتخابية, من عزوف و مقاطعة الهيئة الناخبة باختلاف نوع هذه الاستحقاقات, و هذا ما تثبته خرجات رؤساء و أمناء الأحزاب المحسوبة على السلطة في سابقة تظهر بداية ذوبان ما عشناه من توافق صوري, و التوجه إلى صراع سلطوي حادّ المعالم , و ذلك بعد هيكلة و تحديث قمة هرم الأحزاب الكبرى في الجزائر و هذا ما ينبئ بحراك واسع في الساحة السياسية, ربّما تتغيّر من خلالها موازين القوى السياسية و كذا اعتماد منطق الو لاءات الوهمية, و ذلك قصد تعزيز فصيل سياسي معيّن على فصيل آخر وفق ما تستوجبه الرهانات القائمة و السيناريوهات المتوقعة للمشهد السياسي ما بعد السلطة الحالية, و ما بعد فترة حكم بوتفليقة, الذي تتضارب الآراء حول كيفية نهاية عهدته سواء من المنظور التشاؤمي أو التفاؤلي , و هذا وفق التراكمات التاريخية لحقيقة ما يتبع فترات التحول السلطوي في الجزائر من نكسات,من أزمة صائفة 1962 و تبعاتها و كذا انقلاب 19 جوان 1965 و فترة البحث عن الشرعية و تلتها محطة النكسة الكبرى في العملية السياسية في الجزائر و هي مرحلة التحول الديمقراطي المجهض1992 ,حيث أنّ السلطة دخلت في فلسفة حزب الدولة مجددا لأجل الحفاظ على مكانة الحزب العتيد في رسم خارطة طريق ما بعد بوتفليقة و ذلك بتنصيبه رئيس فعلي للحزب و كسب ولاءات الشخصيات الوطنية و التكنوقراطية في مهمة البحث عن ضمان بقاء الوضع القائم و توجيه ما يجب أن يكون .
و من الطرف الأخر تسعى أحزاب المعارضة لمواكبة التغيرات الحاصلة في النسق السياسي, و محاولة المساهمة في رسم خطوط المرحلة القادمة, لكن أؤكد على أن منطق المعارضة لأجل المعارضة سيظل المانع الوحيد أمام كيانات أفرغت من محتواها في سبيل بلوغ السلطة, أو معاكسة رجالاتها لأجل الاستفادة من معادلة "خالف تعرف" ,و الحصول على حقائب وزارية أقل ما يقال عنها هي عملية مقايضة لأجل كسب السلم السياسي , و ما يبدو لقارئ المشهد السياسي الجزائري أنّ أحزاب المعارضة اختلفت عن نظيراتها في الدول المتقدّمة, على غرار النظام البريطاني التي تتحوّل فيه المعارضة إلى حكومة "ظلّ", في حالة فشلها في بلوغ الأغلبية و هي حكومة موازية تعمل على طرح البديل السياسي للحفاظ على ديمومة و حيوية النظام السياسي ,من منظور التفاعل الإيجابي داخل النظام و مناصفة الوظائف التعبوية و خوض غمار التجنيد السياسي, الذي نشهده نحن في الجزائر فقط قبيل الحملات الانتخابية, مما يؤكد غياب احتكاك الحزب السياسي بمجتمعه, و غياب واقع العملية الممارستية للحزب السياسي في بناء قاعدة شعبية تؤمن بتوجهات الحزب و أفكاره ,زيادة على ذلك يظهر لنا عدم وجود عامل الجوهرية في خطابات و برامج الأحزاب السياسية, و عدم تقديم بدائل فعلية بمعالجة الأزمة السياسية و المشاركتية في الجزائر .
وكذلك تكمن جدلية السلطة و المعارضة في الجزائر, في مواطن التشابه بين فلسفة السلطة و الحزب السياسي الذي يفترض فيه تجسيد الديمقراطية, حيث نلاحظ أزمة القيادة الحزبية و الانفراد السلطوي داخل هياكل الأحزاب حيث باتت تجسّد الدكتاتورية في حدّ ذاتها, و هذا من منطلق تمسّك غالبية القياديين في أحزاب المعارضة في الجزائر بالبقاء على هرم الحزب دون منح هامش للمشاركة و التجديد و التداول على سلطة الحزب , إذن نحن أمام أحزاب تطالب بالديمقراطية المحكوم عليها بالإعدام في معاقلها , و هذا ما يزيد تأزّم واقع التنافس الحزبي في مساره الديمقراطي ,و كذا يؤكّد على عقم توجهات الأحزاب السياسية التي زادت هزائمها في عملية استقطاب الطبقة الشعبوية, و تزايد حجم الهوة بين التيارات السياسية المفترض فيها تمثيل المواطن و بين هذا الأخير, و الارتقاء بتطلعاته فما بالكم بسلطة غابت عن التفاعل المجتمعي .
من هنا يبدأ البحث عن حلّ جذري و جدّي في إشكالية الأحزاب السياسية, سواء على مستوى الحدّ من مشكل التضخّم الحزبي, وكذا تقنين العمل الحزبي من زاوية بعث إستراتجيات لتفعيل دور المؤسسات الغير الرسمية , و إشراكها في تصميم السياسات التنموية, مع تطوير و تنمية روح الرقابة الذاتية في عملية تسيير و هيكلة الحزب السياسي, و فتح مجال للتداول السلطوي الداخلي, و تشبيب على مستوى قياداته و تبنّي أسلوب توافقي بين الأحزاب السياسية لضمان خدمة المصلحة العامة كقاعدة عامّة , على الأقل في مرحلة ما بعد الوضع القائم حيث ستشهد الجزائر فترة نقاهة على مستوى الساحة السياسية .
 
باحث أكاديمي مهتم بالشؤون السياسية و القضايا الدولية 
جامعة معسكر -  الجزائر 

شوهد المقال 2984 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وفاة الأديب العماني مبارك العامري ..رحمه الله

الموت هو مرحلة الواقع الوحيد الذي لايتغير في هذه الحياةوهو يوم موالي لما بعده...لكن من أثره باقي وفعله قائم "لايموت"مرهق ومؤلم جداً هذا الخبر ومع
image

رضوان بوجمعة ـ ذهب بوتفليقة و بقي النظام الذي فرضه...

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 174   يمر اليوم عام كامل على تنحي عيد العزيز بوتفليقة من رئاسة الجزائر بعد 20سنة من ممارسة الحكم،
image

عثمان لحياني ـ مراجعات الضرورة ..الصحافة والثرثرة

عثمان لحياني  وجدت نفسي أسأل مجرد سؤال ، كم حظي بونجمة وولد عباس مثلا من مقابلة في القنوات والصحف وبكم حظي عالم النازا نور الدين
image

العربي فرحاتي ـ في هذه الذكرى ..كم كنا سنكون سعداء ؟؟

د. العربي فرحاتي   نحن اليوم على مسافة سنة كاملة من فرض تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور على الشعب والالتفاف على مشروع الحراك وتحريفه عن
image

عثمان لحياني ـ من ثقب ابرة .. بوتفليقة

 عثمان لحياني اختار بوتفليقة لنفسه هذه النهاية غير موفقة سياسيا برغم تاريخ حافل ، بعدما أرسى على مدار 20 سنة تقاليد حكم هي خليط سياسي
image

السعدي ناصر الدين ـ فكرت..ترددت..ثم قررت ان أقول : المحاكمات الجائرة للأحرار

 السعدي ناصر الدين  كانت الجمعة 56 المصادفة لـ13مارس2020 فرصة كبيرة لتوسيع وتعميق النقاش الذي بدأ في اوساط الثورة السلمية قبل ايام لوقف المسيرات من اجل
image

رضوان بوجمعة ـ الحجر الصحي و العطب السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 173. خرج عبد المجيد تبون رئيس الدولة مرة أخرى في قصر المرادية وهو يستقبل من اختارهم ممن يحاورونه، وقد
image

لخضر بن شيبة ـ الحراك الجزائري في زمن كورونا

لخضر بن شيبة   تعليق التظاهر خدمة للجميع… بسبب التهديدات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، كان يوم 20 مارس / آذار 2020 أول جمعة بدون مسيرات شعبية
image

سليم بن خدة ـ ثمة ما يدفع إلى نوع من التفاؤل...العدد في تصاعد في الجزائر لكن لا داعي للذعر والتهويل

 د . سليم بن خدة  العدد في تصاعد، هذا كان منتظرا، لكن لا داعي للذعر والتهويل، و لا يعني أننا نهون من الأمر، فعلى عموم
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats