الرئيسية | الوطن السياسي | مخلوف عامر - الإسلام السياسي، خِطابان، ودوَّامة واحدة

مخلوف عامر - الإسلام السياسي، خِطابان، ودوَّامة واحدة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.مخلوف عامر 
 
 
قلتُ يوما في كتابي عن الدولة الإسلامية: ((إن تنظيمات الإسلام السياسي متمايزة فيما بينها ، وهي تتفاوت من حيث التشدُّد والليونة. ففي التقسيم العام هناك جناح يتبنى فكرة التعجيل بالانقضاض على السلطة (...)بينما يرى الجناح المعاكس أن الوصول إلى السلطة يقتضي شيئا من التريُّث وبالتدريج نظرا لقلة الإمكانات في أيدي الإسلاميين)) . إنَّ الذي كان يبدو مجرد كلام نظري بالنسبة لكثيرين ، ها نحن نرى أن التجربة قد بيَّنتْه بشكل ملموس ويكفي أن نتأمل قليلا ما جرى في الجزائر ثم في مصر، بحكم أن المساريْن متشابهان من حيث طبيعة النظام الذي يشدُّ شعرة معاوية بين الإسلامويين والشيوعيين، والتراجع عن التوجُّه السياسي السابق باستعمال تيار الإسلام السياسي (السادات-الشادلي) وأخيراً محاولة احتوائهم عن طريق السماح لهم بإنشاء أحزاب دينية وإشراكهم في الانتخابات برلمانية ورئاسية. لكن للتيار الإسلاموي منطقه الخاص الذي يتبنَّاه في الدعاية والتجنيد.
منطق الجناح المتشدِّد:-إن النظام الحاكم قد بلغ درجة من الفساد والتعفُّن بحيث يستحيل إصلاحه من الداخل.- ولقد وصل درجة من الضعف غير مسبوقة ما يمثل فرصة لنا قد لا تتكرَّر- إن الرأي العام ساخط على النظام وهو يتحيَّن الفرصة للانقضاض عليه.- من الضروري أن نستغل نقمة الشعب على هذا النظام الفاسد قبل أن يدبَّ اليأس في نفوس الناس ويتخلَّوا عن فكرة الجهاد.- إن الطرف الديمقراطي الكافر يعاني تفكُّكا واضحاً وسوء انضباط فلا يمكنه اليوم أن ينافسنا.
-وأكبر سند لنا، إنما هو كتاب الله الذي يحضُّ على الجهاد في آيات كثيرة
منطق الجناح "المعتدل":
-إن ما يبدو على النظام من ضعف لا ينبغي أنْ يغرَّنا إذ مازالت فيه مؤسَّسات قادرة على المقاومة وخاصة المؤسسة العسكرية.-في حالة استيلائنا على السلطة، فإننا سنرث ركاماً من المشاكل نعجز على حلِّها-وينبغي أن نعترف بأننا لم نمارس الحكم من قبل وتجربتنا في التسيير ضعيفة- إن عجزنا عن حل المشاكل الكثيرة يصبح تهمة ضد المسلمين والإسلام معاً.-فمن الأصلح لنا أن نتدرَّج في الوصول إلى السلطة بالوسائل العصرية الممنوحة-إن المشاركة في الانتخابات من شأنه أنْ يُطَمْئن الرأي العام بأننا لسنا ضد الديمقراطية.-وبعدما تخفُّ وطأة المشاكل الاجتماعية ستتهيَّأ الظروف بشكل أفضل لتطبيق الشريعة.
الخلاصة:
إنهما الاتجاهان الأساسيان في العالم كلِّه رغم كثرة التفرُّعات والتلوُّنات. وهما يشكلان جناحيْن لجسد واحد هذا الذي نسمِّيه الدولة الدينية. أحدهما يشكل رأس حربة بِوَجْه مخيف ينشر الرعب، والآخر يظهر بوجه التوسُّط والاعتدال وممارسة الديمقراطية. ففي نهاية المطاف، فإن الجناح المتشدِّد يصطدم بالمؤسسة العسكرية ويرفضه الرأي العام أيضاً بسبب ما يرتكبه من فظائع. فيكون كمَنْ قال عنه الشاعر:كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليوهنها.... فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ فأما الجناح الذي يتظاهر بالاعتدال، فإنه يبدو للرأي العام انتهازياً منافقاً، ثم إنه إذا كان ينتظر أن تتحسَّن الأوْضاع بوسائل أخرى غير الشريعة، فما الداعي إلى تطبيقها لاحقاً.إنهما يتبادلان المواقع، وهي الدوَّامة التي تجعل هذا الطرف يُفَرِّخ ذاك باستمرار، وإنهما- وإن اختلفا إلى حد التناحر أحياناً- إلا أن ذلك لا ينفي كونهما ينتميان إلى مشروع واحد. وهو الوصول إلى السلطة وتطبيق الشريعة. ولا مخرج من هذه الدَّوَّامة إلا بأنْ يصبح المعتقد قضية شخصية بلا واسطة فيها بين الإنسان وخالقه، لا من شيخ ولا من حزب. فالله من الغنى بحيث لا يحتاج إلى تنظيم سياسي ليدافع عنه مهما تفنَّن هذا التنظيم في اختيار التسميات البرَّاقة والمؤثِّرة.

شوهد المقال 1045 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل
image

ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

د . ناصر جابي  كنت دائما مقتنعا بأهمية القراءة الجيلية ـ الديمغرافية للحياة السياسية في الجزائر. لما تملكه من قوة تفسير تاريخي. عندما يتعلق
image

نوري دريس ـ الحرية السياسية

 نوري دريس    الحرية السياسية هي أن تعيش تحت دولة القانون. الذين يعيشون في مناطق (انسحبت بشكل نسبي) منها سلطة الدولة لحسابات سياسية, لا يعيشون الحرية,
image

حميد بوحبيب ـ دائرة الطباشير الابتدائية : أبجد،هوز،حطي، كلمن... A.b.c.d.e.f.g...

د. حميد بوحبيب طلاسم اللغة ومفاتيحها ، منذ فجر ظهور المدرسة نتلقاها على أيديهم الهشة الناعمة ...هم ...هم المعلمون ، شيوخا تاع ليكول...les instituteurs...تصادفهم كل صباح
image

نجيب بلحيمر ـ الأسبوع الأخير من سنة أولى ثورة سلمية:

 نجيب بلحيمر  - منع ندوة صحفية للإعلان عن تنظيم لقاء لناشطين- قمع مظاهرة للمعلمين - تعيين كريم يونس في منصب وسيط الجمهورية الرسائل: - النظام يمنع المجتمع من تنظيم
image

عمار جيدل ـ الحراك الجزائري في ذكراه الأولى

د. عمار جيدل  حال حول حراكنا المبارك، وبقي وفيا لمبادئه المنشئة ثابتا غير مبدّل، متشبّثًا بسلميته، هذه السلمية التي أبهرت العالم وبيّنت بوضوح
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك.....الوعي الشعبي .....أو هناك بناء جديد لضمير الخلقي الجماعي

 عبد الجليل بن سليم  منذ بداية الحراك و في كل التدخلات الصحفية لاشخاص سواء كانوا مع حراك الشعب أو كانوا مع النظام يتكلمون على الوعي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats