الرئيسية | الوطن السياسي | فضيل بومالة - هكــــذا أفكــــر التخـلف كايديــولوجيــــا !

فضيل بومالة - هكــــذا أفكــــر التخـلف كايديــولوجيــــا !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
فضيل بومالة 

 



 

يبدو أنه من السهل تفسير وفهم أسباب انهيار الحضارات وانحطاط الإمبراطوريات وتفكك الأمم والدول، بيد أنه من الصعب رسم خطط واستراتيجيات ناجعة لقيامها وإقلاعها وتحولها إلى قوى عظمى فاعلة في التاريخ والعالم. والأمر هنا بنظري ينطبق على الاجتماع البشري كله·· وثنيات وعقائد توحيدية·· علمانية وفلسفات مختلفة. هكذا نفهم الصين وفارس واليونان وروما وحضارة الإسلام والغرب اليوم·

 

وإذا كانت لحظة الميلاد والإقلاع هي النقطة الحاسمة في مسار هاته الأمة أو تلك، فإننا تخصيصا لا نركز إلا على عصرنا الذهبي أو لحظة الأفول· وهنا تحديدا تولدت عندنا عقدتي انفصام خطيرة، عقدة الماضوية من حيث العظمة وفي مقابلها عقدة الفشل وعدم القدرة على الانطلاق من جديد. وعليه، فثنائية الحضارة/التخلف وما ينجر عنها من أدبيات وخطاب قد أسرت (وما زالت) ذاكرتنا ووعينا وعقلنا وسلوكنا وردود أفعالنا·
وعلاوة على ذلك تظل تلك الثنائية وكأنها الدواء الذي انتهت مدة صلاحيته،فاقد لأي فعالية في العلاج وقادر على التسبب في أمراض أخرى قاتلة. بمعنى أن الحضارة عندنا (وكم كانت عظيمة وإنسانية) وقد استمرت قرونا طويلة قد خلت، تقدم على أنها إما أصل غرب اليوم (في جل علومه أو ابداعاته أو موازية له وبديلا عنه· أما التخلف فيقدم كنتيجة واضحة وبسيطة السبب فيها هو الغرب الاستعماري ذاته أو الأنظمة الحاكمة الاستبدادية لمراحل ما بعد الاستقلال الوطني·

 

 

إن فكرة النهضة في عالمنا العربي الإسلامي أقدم من حيث الزمن والسؤال من أخواتها في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا (ثورتي 1776 و1789) واليابان (حركة مايجي 1868)، غير أنها لم تؤت ثمارها إلا فيما قل وندر. أما تراكمات الانحطاط والتبعية والتخلف، فازدادت أحجامها وتجذرت أسبابها أكثر فأكثر· مرد ذلك لدى التيار الديني هو تعطيل الإسلام والجري وراء أفكار مستوردة تتنافى وقيمنا وروحنا الحضارية· أما التيار الوطني، فيوعز الأمر إلى الاستعمار والاحتكار وفساد السلطة·· غير أن الحركة الليبرالية ترجع الخلل إلى مبرري الدين والاستعمار معا كونهما يخفيان الحقيقة، وتركز على عوامل تحرير الإنسان والعقل والعمل السياسي والاقتصاد.
ربما تتداخل هذه العوامل جميعها وغيرها، والنقاش مطروح منذ ما يزيد عن القرنين إلا أنني، ولا أزعم البتة الحسم في الموضوع، أعتقد أننا لم نقارب التخلف إلا من خلال مظاهره وليس بوصفه ظاهرة في حد ذاتها· ودليل ذلك أننا لا نتحدث عنه إلا بالمقارنة مع الآخر المتحضر·· ومن ثم ظل السؤال مطروحا ''لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟'' وما يزيد الأمر تعقيدا ويصل به حد المأزق كوننا نعي تخلفنا بقدر ما نتصور أننا نتوفر على كل الشروط لتجاوزه وإحداث قطيعة معه· أما النتيجة فلا تحتاج إلى بيان واستدلال· لقد أصبحنا نستهلك شروط الإقلاع لنكرس التخلف وتستنفذ قوانا وطاقاتنا لتنميته!

 

إن ظاهرة التخلف (وهي كل لا يتجزأ) ترتبط في تصوري بالبنى الذهنية والنفسية للإنسان في عجزه تحدبدا عن الانتقال من ''الطبيعة'' إلى ''الثقافة'' أولا· . وعليه، فالثورة الحقيقية على التخلف يجب أن تدور رحاها في مجالات الانساق التي تأسست عليها عقولنا ومدركاتنا وطبائع نفوسنا وارتكاساتها· وإذا لم يحدث ذلك، فإن الاستثمار أيا كان سيكون في التخلف وليس أبدا في النمو والارتقاء·

 

إن ما عرفناه من شتى أنواع الصدمات والانتكاسات لم تصنع فينا للأسف الشديد لا وعيا جديدا ولا رؤية مختلفة لذاتنا والعالم، ولم تنتج لدينا عمليا منظومة قيمية ومؤسساتية بديلة غير تلك التي استوردناها جاهزة بدون فهم أو تحكم.
إن فشل الإيديولوجيات الماركسية والليبرالية والإسلاموية في بلداننا لم ينجر عنه تخلف تراكمي فحسب وإنما جعل من ظاهرة التخلف ذاتها إيديولوجيا ونظام نسقي في الحكم ونمط حياة.

 

إن التخلف بهذا المعنى أصبح فلسفة اجتماعية وثقافة مؤسساتية وعقلية جماعية . فالتخلف عندنا لم يعد فقط فقرا وجهلا ومرضا، إنما أصبح آليات وأجهزة وطرق للإدارة والتفكير· لقد بنى لنفسه جهازا مناعيا وسلطة أخلاقية وقوانين ردعية، والأخطر من ذلك أنه صار مغلفا بمظاهر المدنية والحداثة والحضارة المعاصرة· ففي الوقت الذي مازلنا فيه في مراحل ما قبل العقل و الدولة والسياسة والحداثة، تجدنا أصحاب مجالس برلمانية(لاتشرع) وحكومات(معتوهة لا تحكم) وجامعات(لا تفكر) و وديمقراطيات(لا شرعية لها) وإعلام (غير حر) و··· إلخ·

إن تكيفنا الطوعي أو الإجباري مع ظاهرة التخلف جعلنا أدوات وآليات لإعادة إنتاجه واستمراره في السياسة والاقتصاد والثقافة وفي كل شيء.

 

إن رؤوس أموالنا الرمزية والمادية الحقيقية قد عوضت بمرجعيات أخرى تنطلق من التخلف وتنتهي إليه، فالتدين في فهمنا ومعاملاتنا قتل الدين كمشحذ للإنسان والتاريخ·· والريع قتل الإنتاج والاقتصاد·· والإدارة بالفساد قتلت السياسة والرشاد في الحكم·· والأحادية قتلت الاختلاف والموالاة قتلت إرادة التغيير و الشعوذة أجهزت على العقل وهكذا·
إن التخلف البنيوي فينا هو إيديولوجيتنا الحقيقية و''لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم''·تغيير بالقطائع الجذرية وبناء بدائل حقيقية ترفع تحديات الراهن والقادم و تقطع نهائيا مع كل موروث ماضوي مريض وقاتل.

 

شوهد المقال 1539 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ ميلاد

خديجة الجمعة  واقترب ميلادي فما هي إلا أيام تفصلني عنه. أحببت عيد ميلادي، لأنه ليس فقط عيد ميلاد يغنى به . لا بل وبالصدفة البحتة .
image

الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور الشيخ عشراتي

الوطن الثقافي   منذ سنة بالضبط خسرت البيض ركنا من أركانها، وارتاح الكثير من الجبناء لرحيل قلم أزعجهم كثيرا، لمس الراحل كل النقاط بكل شجاعة، ولم يخش
image

أحمد سليمان العمري ـ كورونا المتحوّر: هل اللقاح فعّال ضد الطفرة الجديدة؟

د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف  يُعتبر عيد الميلاد هذا العام في بريطانيا هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. قبل أيام من نهاية الفترة الانتقالية لخروج الأخيرة
image

وجيدة حافي ـ ما ذنب الحُكومة إذا لم يتحرك الملك والرئيس

وجيدة حافي كل الشعوب العربية تُطالب بإسقاط حُكوماتها وتغيير وزرائها عند أي زلة أو خطأ بسبب فشلهم في تحقيق التنمية
image

عفاف الصادق ترشة ـ هالة عبسي وتغيير نظرة المرأة السوفية للرياضة

عفاف الصادق ترشة    المتتبع للتغيرات الإجتماعية الحاصلة خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الجزائري وفي ولاية الوادي تحديداً ، تأثيراً ملموساً على نظرة المجتمع السوفي الصحراوي "
image

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

د. رشيد زياني شريف  يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992،
image

مريم الشكيلية ـ وجوه متشابهة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان  يا سيدي....الحزن توأم الشتاء وبملامح خريفية......عندما يغزوك الحزن تنكمش مشاعرك ويتقلص فرحك...كذا الشتاء يجعلك متشبثا" بدفئ سترتك ويديك متشابكة وكأنها تشعل
image

.شكري الهزَّيل ـ ذباب الاستبداد والفساد!!

د.شكري الهزَّيل تبدو الأمور أحيانا كثيرة خارج النص واحيانا بكامل نصها وأخرى بلا نص ولا معنى ولا فحوى عبر ازمان تزمَّنت زمانها وأماكن تمكَّنت مكانها
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats