الرئيسية | الوطن السياسي | مخلوف عامر - أئمة الفِقْـه،متى سَيُصبح الاختلاف رحمة؟

مخلوف عامر - أئمة الفِقْـه،متى سَيُصبح الاختلاف رحمة؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 د. مخلوف عامر 

 

 

عادة ما  نسمع من الشيوخ الذين احتكروا علم الدين على مر الزمن أن المذاهب الأربعة في الدين الإسلامي لا تختلف إلا في الجزئيات والفروع. ما يعني أنهم لا يختلفون إلا فيما يُعدُّ ثانوياً بالقياس إلى الأصول التي هي مرجعهم جميعاً وفي مقدمتها القرآن والسنة.

لكن الظروف المختلفة التي عاشها الأئمة تترك بصماتها على تأويلاتهم وقد تؤدي بالإمام إلى اتخاذ مواقف تتجاوز الفرع إلى الأصل وربما تتناقض تماماً مع فقيه آخر.

فلمَّا استوْلى الأمويون على الحكم وجعلوه وراثياً لجأت أحزاب المعارضة  إلى العراق بعيداً عن دمشق عاصمة الخلافة وقريباً من الفرس والشيعة عامة من المناوئين لبني أمية. وهو ما سيجعل العراق تتميز بنوع من التعددية وحرية الرأي. بينما أراد الأمويون لمنطقة الحجاز أن تلزم الحياد أفضل من أن تنضم إلى المعارضة فغرقت مُدُنها الرئيسة في اللهو والمجون وظهر  ممثلو الغزل الإباحي تعبيراً عن تلك الأجواء فكان "عمر بن أبي ربيعة" في مكة و"الأحوص" في المدينة" و"العرجي " في الطائف. وهي المراكز التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية قبل هذا التحوُّل بوقت قصير، وارتدَّت بادية الحجاز إلى عاداتها وتقاليدها فنشأ فيها ما  يعرف بالغزل العذري أو العفيف.

يقدم "عبد الرحمن الشرقاوي"  شذرات من سِيَر مجموعة من الأئمة والفقهاء في كتابه(شخصيات إسلامية، أئمة الفقه التسعة) ومنهم: زيد بن علي زين العابدين-جعفر الصادق-أبو حنيفة النعمان-مالك بن أنس-الليث بن سعد-الشافعي-ابن حنبل – ابن حزم-العز بن عبد السلام.

و"عبد الرحمن الشرقاوي" أديب وصحفي مصري معروف بكتبه الإسلامية ومؤلفاته المسرحية ومنها: (الحسين ثائراً) و(الحسين شهيداً) و(مأساة جميلة بوحيرد)، وكان من المشاركين في إعداد سيناريو فيلم الرسالة.

يعطينا في كتابه هذا نبذة من سيرة كل فقيه، سأقتصر على مواقف منها، من شأنها أن تبيِّن  للقارئ الكريم كيف أن الموقف من الحاكم ليس قضية فرعية ولا ثانوية كما هو الموقف من المرأة ومن الفقر والاستعباد وغيرها من المسائل التي بحثها الأوائل انطلاقاً من النصوص ورغبة منهم في تطبيق أحكام الشريعة. فلماذا اختلفوا في قضايا جوهرية؟ ولماذا ننحاز اليوم إلى رأي دون آخر ولو  كان يخالف العقل؟

فـ"زين العابدين" الفقيه الفارس، اشترط في الحاكم الشورى والمبايعة والعدل، والإمام جعفر الصادق كان يرى أن السارق إذا أقدم على السرقة لحاجة، فإن الحاكم هو المسؤول وهو الذي يجب أن تقطع يدُه، وحارب الزهَّاد لأنهم في نظره يشجِّعون على الفقر.

ويروى عن "أبي حنيفة" أنه كان يحب أمه ويُقدِّرها ويأخذها لتصلِّي وراء الفقيه الذي تريد وأفتى بأن  الإسلام يبيح للمرأة أن تتولَّى كل الوظائف بلا استثناء حتى القضاء.كما أفتى بأن الوزير لا تصحُّ شهادتُه لأنه يقول للخليفة (أنا عبْدك) .((فإن صدق فهو عبد ولا شهادة له ، وإنْ كذب فلا شهادة لكاذب)).ثم أوْصى بأن يُدفن في أرض  طيبة لم يغتصبْها خليفة.

فأما الإمام  "مالك" فلأنه  عاش في المدينة فقد آثر الحياد وابتعد عن الخوْض في الصراع السياسي وكان يكره الجدال، لذلك عندما طلب إليه "هارون الرشيد" أن يناظر "أبا يوسف" صاحب "أبي حنيفة" قال: (( إن العلم ليس كالتَّحريش بين البهائم والدِّيَكَة))ص:79. ومن آ رائه أن من يَبْني جداراً في ملكه ليمنع الشمس عن غيره فهو مُعْتد آثم وإنْ زعم أنه يحمي أهل بيْته من أعين الجيران. ورفض الاعتراف بالحديث القاضي بصيام الأيام البيض لأنه يؤدي إلى زيادة رمضان. لكنه قال أيضاًُ بما جلب إليه السخرية حين رأى أن الحمل قد يسمر ثلاث سنوات حيث وجد فيه الناس حافزاً على الفساد. وكان ممَّن خالفه في هذا الفقيه"الليث بن سعد" وخالفه أيضاً في أن "مالك" كان يعتدُّ  بالنسب في الزواج بينما يرى "الليثّ أن كل مسلم كفء لكل مسلمة. ولا يصح قتل الشركاء في الجريمة، بل يجب أن تقتصر على الفاعل الأصلي.

 أصدر " الليث " كتاباً فيما اختلف فيه مع الإمام"مالك فلمَّا عاتبوه على ذلك قال: (( إن أرسطو تعلَّم الحكمة من أفلاطون ثم خالفه قائلا : إن أفلاطون  صديقي والحق صديقي، فإنْ تنازعا فالحق أوْلى بالصداقة))ص:126. وقف ضدَّ هدْم الكنائس وناصر أهل الذّمّة اعتماداً على الحديثيْن النبويَيْن، قوله: ((من آذى ذمِّياً حُدَّ يوم القيامة بسياط من نار))وقوْله: ((من آذى ذمِّياً فأنا خصْمُه))، علماً بأن "الليث بن سعد" كان يتقن العربية والقبطية واليونانية واللاتينية.

الإمام الشافعي رأى أن الزوجة تستحق نصف المهر عند الطلاق، وأن أهل المدينة ليسوا حجَّة على المسلمين مادام الصحابة قد انتشروا في كل الأقطار وعلَّموا الناس. حثَّ على الشورى وعلى طاعة الحاكم من قبل الرعية إذا اختارتْه بحرية وألا تطيعه إذا هو انحرف. بينما يرى "أحمد بن حنبل" أن طاعة الحاكم واجبة  ولو كان جائراً تفادياً للفتنة وإضعاف الدولة. وأن نصيحة الحاكم أوْلى من الثورة عليه. واشترط فيه أن يكون من قريش. ولقد تشبَّث بتطبيق الحديث إلى درجة أنه طلب إلى زوجته أن يتسرَّى بجارية أسوة بالرسول لما تسرَّى بمارية القبطية وكان له ذلك.

كان "ابن حنبل" يميل إلى التسليم أكثر مما يحب الجدال، لذلك قال: (( الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظراً ازداد حيرة)).ص:187

فأما "ابن حزم" فقد قال:: ((مذهبان انتشرا بقوَّة السلطان: مذهب أبي حنيفة في المشرق، ومذهب مالك في المغرب))ص:234، ولذلك خالف إجماع الفقهاء وأئمة المذاهب في كثير من المسائل ومنها أنه أفتى بحق المرأة في تولي سائر الوظائف كالقضاء والإفتاء، وحرَّض الجياع والعبيد على أن يقاتلوا من أجل حقوقهم ،وضرورة استرضاء الأبناء غير الشرعيين لأنهم ضحايا المجتمع الفاسد، وقال بكروية الأرض اعتماداًُ على الآية: ((ويكوِّر الليل على النهار ويكوِّر النهار على الليل))، فهاجم الفقهاء الذين قالوا إن الأرض تقف على قرن ثور .

تعرَّض "ابن حزم" للمضايقة وأُحرقت كتبه ، فقال:

فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي    تضمنه القرطاس، بل هو في صدري

يسير معي حيث استقلت ركائبي      وينزل إنْ أنزل، ويدفن في قبـري

ومن مواقف  العز بن عبد السلام، أن الحكام البغاة لا ولاية لهم، ومراعاة الأسبقية في تحصيل المصالح ، فإنقاذ غريق أسبق من الصلاة، ودفع المشقَّة واجب فيجوز لبس المخيط في الحج والطيب والدهن وقلم الأظفار، وترك الوضوء من قِبل المرأة إذا كان يؤثر على جمالها.

يتبيَّن من هذه النماذج وغيرها مما لم أذكر، أن الأئمة ينطلقون جميعاً من أصل واحد ولكن قراءاتهم مختلفة فمن عاش في العراق ليس كمن عاش في الحجاز  وليس كلاهما كمن عاش في مصر. فطبيعة الظروف تملي على الفقيه والمفتي تأويلا قد لا يخطر على بال آخر. 

وهم على اختلاف آرائهم، منهم من سُجن ومنهم من عُذّب ومنهم من مات شهيداً أو فُرضت عليه  إقامة جبرية. وفي كل الحالات، كانت السلطة هي من يلاحقهم مستندة إلى فتاوى فقهاء من أتباعها، وتنتصر للمذهب الذي يُكرِّس بقاءها.

فإذا كان المذهب المالكي هو المسيطر في منطقة المغرب، وسيْطر كما يقول "ابن حزم" بقوة السلطان، فقد كان مرفوضاً في زمن مضى من قِبَل أهل المنطقة ((ما يفسّر تقلّبهم بين التبعية للخلافة الإسلامية المركزية تارة، والاستقلال عنها تارة أخرى من خلال الفِرق الإسلامية والدول المتتابعة ( الرستميون، الفاطميون، الزيريون، الحماديون، المرابطون، الموحدون، الزيانيون ...) وتقلبهم بين الإسلام السنّي والمذهب الخارجي والمذهب الشيعي ثم الخارجي ثم المالكي مرات ومرات، هو رفضهم للممارسات التي كانت تأتيها الأنظمة باسم الإسلام)عن: بل( ألفرد)- الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ص:178. 

وكثيرا ما جعلوا هذه الممارسات محلّ سخرية واستهزاء كما قـال شاعر في الفقهاء الموالين للمرابطين :

      ((أهل الريـاء لبستموا ناموسكم            كالذئب أدلج في الظـلام العاتـم

      فملكتموا الدنيا بمذهب مـالك            وقسمتموا الأموال بــابن القاسم))

تُفْضي بنا هذه المذاهب المختلفة والمواقف المتناقضة أحياناً، إلى أن نتأكَّد من حقيقة ثابتة وهي: أن الشريعة ليست- في نهاية المطاف- سوى تأويلات بشرية للنص، فما وافق العقل منها فهو مقبول وما لم يوافقْه فلا حاجة لنا به. وحينها فقط يصبح الاختلاف رحمة بالفعل وليس مجرد شعار يوهِمُ بتسامح لا وجود له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجع: الشرقاوي ،عبد الرحمن ، شخصيات إسلامية، أئمة الفقه التسعة، دار اقرأ، بيروت-لبنان.

شوهد المقال 1522 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats