الرئيسية | الوطن السياسي | يحيى محمد ركاج - المتلاعبون بالبشر

يحيى محمد ركاج - المتلاعبون بالبشر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. يحيى محمد ركاج 
 
خلق الله سبحانه وتعالى الملائكة من نور والشياطين من نار، فكان التنافس والصراع بينهما على عبادة الله والفوز بمرضاته وجنته، لا على الخلاف والاختلاف بينهما. وتغيرت أدوات ومحددات هذا الصراع من العبادة إلى السيطرة والسيادة والإغواء عندما خلق سبحانه وتعالى سيدنا آدم أبو البشر، ليصبح البشر هم وقود هذا الصراع وأدواته ومحدداته وأطرافه في الوقت نفسه.
وإذا نظرنا إلى التاريخ الذي وصلنا عن تطور الحضارات التي تعاقبت على حكم الأرض فإننا نجد أمثلة كثيرة جداً على إدارة هذا الصراع عبر البشر ولمصلحة بعض البشر من خلال البشر أنفسهم، عبر حروب الإبادة والقتل الجماعي والتهجير المستند على استغلال بعضهم البعض كما في حالات الإقصاء الاجتماعي وانتهاكات حقوق الإنسان والفقر المدقع وغيرها. 
وقد استمرت هذه الأفعال الشيطانية إلى يومنا هذا مع تبدل الأساليب والمظاهر المتبعة في إدارة هذه الصراعات، فكانت التنمية بمفاهيمها المتنوعة والمتطورة خلال القرن الماضي وبدايات القرن الحالي - على سبيل المثال- أحد الأدوات الرئيسة لإدارة هذا الصراع وتوجيهه، انطلاقاً من تغيير المفهوم بما يخدم السيطرة والتحكم بالأمم الأخرى والدول الأقل قوة في ميادين التنافس السيطرة على العالم، وصولاً  إلى استخدام البشر أنفسهم لتدمير ما يمتلكونه من ثروات وقيم استجابة لمتطلبات هذه الدول في تحقيق التنمية وفقاً للمفهوم الدولي الذي يتم التسويق له.
فقد تطور مفهوم التنمية نظرياً من المفهوم المرتكز على تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي إلى توسعة كافة الخيارات أمام البشر من أجل مستقبل أفضل، لكن في الميادين العملية فقد اقتصر المفهوم الإجرائي له في بادئ الأمر على تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة نصيب الفرد في الناتج المحلي والدخل القومي عبر الاعتماد على التصنيع ثم التوريد وبعدها الزراعة وتحديد النسل في إشارة للنواحي الاجتماعية ثم التوجه نحو النتائج التي تحققها هذه العملية من خلال العناية بالبشر أكثر مما كانت عليه نسبياً في السابق، ثم الاهتمام بالأسعار وتعدد الخيارات المتحاة أمام البشر في ضوء تعدد وتنوع المصطلحات المعنية بالتنمية من تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية وبشرية وانسانية وثقافية وسكانية ورقمية وغيرها من المصطلحات والمفاهيم الكثيرة..
وقد استثمرت الدول المهيمنة على المجتمع الدولي هذا التطور بشكل فعال في إبادة وقتل وتهجير البشر، حتى أصبحنا نتوقع بين ليلة وضحاها ظهور مصطلح جديد يُعنى بالتنمية الدموية أو بتنمية العنف والقتل والإبادة، أو بالتنمية المستندة على أساس المذاهب والطوائف والأقليات خدمة لأهداف الدول المستبدة والمتحمة في العالم، إذ تشير وقائع التاريخ الحديث إلى أنه ومنذ سقوط جدار برلين اندلع ما يقارب الثلاثين صراعاً أو عاتداءً مسلحاً امتداداً من يوغسلافياً وصولاً إلى دول شرق المتوسط بما تشهده هذه الأيام من قتل وتدمير، وتشير هذه الوقائع إلى ما هو أفظع من هذا بكثير عند العودة إلى ما قبل هذا التاريخ من القرن نفسه، وجميع هذه الحوادث كانت موظفة تحت الستار الوهمي للتنمية من أجل البشر.
ولعل المفارقة الأكثر غرابة واستهجاناً في الاستخفاف بعقول البشر تحت ستار التنمية هو أن التنمية التي يسعى العالم المثالي لتطبيقها تقوم على توسعة خيارات البشر من أجل مستقبل أفضل وترتكز على الإهتمام بالبشر وتنميتهم من خلال البشر ولأجل البشر، وليس تطوير قدرات البشر من أجل قتل البشر من خلال البشر.
إن ما شهدته البشرية ولا تزال تشهده عموماً أو ما وصل إلينا عبر التاريخ المدون يشير إلى تميز الحياة الدولية على وجه الأرض بالظلم والقتل والإبادة في سبيل السيطرة والتفوق، وتشير أيضاً إلى استغلال الأخلاق والمثاليات والتنمية من أجل تحقيق هذا الهدف، وما يحدث في منطقتنا العربية في هذه الأيام عموماً، وفي سورية ومصر واليمن وليبيا وتونس والعراق ولبنان على وجه الخصوص ليس إلا آداة جديدة في التلاعب بالبشر ولكن بشكل أكثر خصوصية من ذي قبل، فالهدف هذه المرة هم القوميون العرب ومن قد يساندهم في استقلال إراداتهم وحياتهم، وأيضاً مسلموا الشام ومصر لما يشكلونه من حاضن حقيقي وسليم للعروبة ومتطلبات استدامة سيادتها.
 
 باحث في السياسة والاقتصاد

شوهد المقال 1224 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية
image

كمال الرياحي ـ #سيب_فارس اطلقوا سراح الدكتور فارس شكري الباحث والمترجم

كمال الرياحي  #سيب_فارس نطالب السلطات الجزائرية الإفراج الفوري على الكاتب والمترجم والناشط المجتمعي الأستاذ فارس شرف الدين شكري والاهتمام بمكافحة الفيروس

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats