الرئيسية | الوطن السياسي | أبو يعرب المرزوقي - حكم الأعراب بآلة الإرهاب

أبو يعرب المرزوقي - حكم الأعراب بآلة الإرهاب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.أبو يعرب المرزوقي

استعمال المخابرات لآلة الإرهاب ليس خاصا بما يجري عندنا نحن العرب والمسلمين. ولا هو بالأمر العرضي في أدوات الفعل عند الأنظمة الاستعمارية. إنما الخاص هو أنها مضاعفة لأنها تستعمل مباشرة ممن ولوهم علينا من العملاء ونخبهم ومنهم بصورة غير مباشرة لمساندتهم خوفا من فشلهم. فعادة ما تكون آلة الأرهاب آلة في يد الاستخبارات الأجنبية لتخريب بلد من البلدان اعدادا لاستعماره أو لمنع تحرره أو لإخضاع قياداته حتى تستجيب لإرادة مستعمل الآلة. لكنها تزداد قوة عندما توظف استخبارات البلد نفسها ونخبه لأداء المهمة فتضاعف من قوة التأثير لأن المواطن يصبح مطلق القيود, فلا يكاد يتحرك أو يتنفس دون أن يكون خاضعا لسلطان شبه مطلق لهذه الأجهزة القمعية. وقد مرت هذه الآلة بمرحلتين :
 
1-أولاهما أقرب إلى العمل بالتخريب المادي المباشر عن طريق مصالح مختصة في التخريب شبه الحربي. 
2-والثانية أقرب إلى العمل بالتخريب الثقافي غير المباشر عن طريق ما يسمى عادة بالمجتمع المدني الممول أجنبيا.
 
إن أداة الإرهاب الاستعماري اليوم هي آلة ذات ذراعين مادية ورمزية. والجامع بينهما هو الفساد وشراء الضمائر بالمال السياسي العابر للقارات. إنها آلة حرب ذكية ذات نموذج بايولوجي لغزو الجسم الحي المستهدف بزرع الجراثيم والفيروسات التي تنخره من الداخل. فالاستعمار يستعمل أبناء الجماعة المستهدفة طابورا خامسا جندا لذراعيه الإرهابيتين (العنيفة واللطيفة) استعمالا يغنيه عن اللجوء إلى الغزو بالجيوش ويقلل من كلفته إنجازا ويزيد في ديمومته بقاء. ولجوؤه إلى الغزو المباشر كما يفعل في الوطن العربي ودار الإسلام علته أن حصانة الأمة لها من القوة الروحية ما حال دون تمكينه من الاندساس الفعال بما يكفي للتغلب على إرادة الأمة ما اضطره إلى الغزو المباشر. 
إن هذه الأداة الإرهابية هي التي سيطر بفضل بذراعيها الاستعمار الغربي عامة والولايات المتحدة خاصة على العالم. وبها أسقطوا جل الأنظمة التي كانت تحاول التحرر أو أجبروها على أن تتحول بالتدريج إلى أنظمة مخابراتية لتحمي نفسها في البداية. ثم تحولت بالتدريج إلى أنظمة تقمع شعوبها لتبقى حتى صارت شعوبها عندها متهمة جميعا بكونها أدوات مؤامرة مخابراتية أجنبية. ولولا هذه الأداة الإرهابية بذراعيها لما تمكنت الولايات المتحدة من الإطاحة بالاتحاد السوفياتي (التخريب المخابراتي العسكري والثقافي).
 
خاصية الإرهاب المستعمل ضد المسلمين
لكن ما يميز استعمال آلة الإرهاب في الوطن العربي ودار الإسلام هو أنه أصبح أداة حكم للأنظمة العميلة ونخبها المستلبة. فعندنا وضدنا لم يقتصر استعمال الإرهاب على ما يقوم به الغازي بواسطة هاتين الذراعين لتحقيق مآربه بل هو صار يؤدي وظيفتين أخريين دون أن يكون وحيدا إذ هو يضيف إلى الاستعمال الوارد الاستعمال الداخلي للأنظمة المستبدة والفاسدة ونخبها:
1-الوظيفة الأولى هي إرهاب الشعوب وتخويفها حتى تقبل بالاستبداد والفساد لئلا تؤيد محاولات تحريرها منهما وغالبا ما يكون الإرهاب وسيلة تشف فيزداد زخمه بعد كل محاولة تحرر تقدم عليها الشعوب لأنها تجرأت فثارت: مثال سوريا الآن ومثال الجزائر في عشرية القرن الماضي.
2-الوظيفة الثانية خدمة الاستعمار باتهام المقاومين من أجل التحرر لمساعدة الاستعمال الوارد للإرهاب بصنفيه والحصول على السند الأجنبي الذي هو أيضا مؤلف من صنفي الإرهاب للبقاء في الحكم في غياب الشرعية الأهلية: مثل مصر وليبيا حاليا وما قد ينتظر تونس قريبا.
 
المتوقع في تونس بعد الانتخابات الرئاسية
ولعل ما يخطط له النداء بذاته ثم خاصة بتأثير من اليسار المندس فيه واليسار المحيط به (وقد أعلن بعضهم على ذلك بعد في تصريحاتهم وتهديداتهم) هو الإعداد لهذا السيناريو سواء نجح المرزوقي أو لم ينجح. وطبعا فمعركتهم ليست مع المرزوقي أو حزبه لأنهما لا يمثلان شيئا يذكر بل المستهدف هو الإسلاميون بالأساس.فهم المنافس السياسي الوحيد ا لذي يخيفهم على امتيازاتهم المستمدة من الاستبداد والفساد. 
لكن السيناريو قد لا يكون مستهدفا الإسلاميين وحدهم بل هو يستهدف حتى الدساترة في النداء. فالمشترك هاتين القوتين هو أن الإسلاميين دساترة ثعالبيين ويوسفيين بالأساس والدساترة دساترة بورقيبيين بالأساس. لكنا الصفني له علاقة وطيدة بالوطن والأمة واعتزاز بتراثهما وغيرة على مستقبلهما واستقلالهما : الاختلاف بينها في ذلك كمي وليس كيفيا. أما اليسار وأصحاب التحديث المستبد فإنهم قد أسهموا في اسقاط بورقيبة لرفضه مغامراتهم في تجفيف المنابع. كما أسهموا في أسقاط ابن علي لما شعروا بأنه بدأ يتخلص منهم. لذلك فإسهامهم في الثورة لم يكن لي لإيمان بقيم الحرية والكرامة. والدليل البين هو عودتهم السريعة للحلف مع بقايا نظامه لمواصلة فهمهم الكاريكاتوري للحداثة والعلمانية والعدالة الاجتماعية فهمهم الذي حول هذا الأبعاد إلى صدام حضارات مع الإسلام معتبرين إياه العدو الأول في تماه مرضي مع الأعداء التاريخيين للأمة. والفرق الوحيد بين الحالتين حالتي نجاح المرزوقي أو فشله هو التسريع في تنفيذ الانقلاب أو الارجاء لحين: 
1-فإذا نجح المرزوقي فإن المآل سيكون شبيها بما جرى في مصر أي الانقلاب الصريح والسريع وربما في الشهر الأول بعد الانتخابا. ولن يتوقف الأمر عند الإطاحة به بل سيطاح بالمجلس والدستور.
2-وإذا لم ينجح فسيكون الحال التأجيل مع مواصلة الانقلاب النقابي البطيء حتى يستعيد الحكم الراجع السيطرة من جديد في المناطق التي انطلقت منها الثورة والتي رفضته خلال الانتخابات.
 
ما العمل؟
والشباب بجنسيه سواء كان من الإسلاميين أو من غيرهم ممن أخلص للثورة بحق وكان متحررا من الاستعمار الذهني بما يترتب عليه من تبعية لسخفاء التحديثيين الموالين للاستعمار يريد علاجا لهذه الوضعية دون أن يتغافل عن حال الإقليم المعادي للثورة والحلف الدولي المعادي لعودة المسلمين إلى التاريخ أمة حرة غير تابعة وقادرة على التعامل الندي مع غيرها من الأمم. والمعلوم أن الجواب عن سؤال : ما العمل؟ مشروط بالجواب عن سؤالين آخرين متقدمين عليه: 
1-كيف نفهم ما يجري في الوضع العربي والإسلامي الراهن وما علاقة مطالب الثورة بمطلب الاستئناف التاريخي الكوني للأمة.
2-وهل للثورة مشروع واضح وقيادات بارزة وذات إمكانات استرايتيجية مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الثورة المضادة؟ 
فإذا انطلقنا من الوضعية التونسية-ومثلها كل أقطار الوطن التي عاشت ثورة الحرية والكرامة وتعاني من تعثرها الحالي بسبب ما بين الثورة والاستئناف من علاقة فهمها الغرب وعملاؤه من الأنظمة والنخب وأدركوا ما يمكن أن تمثله مستقبلا من توازن يحرر المنطقة كلها من الاستعمار فيجعلها ندا- أمكننا الإشارة إلى أمر مضاعف يقدم إجابة أولية تمكن من فهم الوضع ومن تحديد رسالة الثورة التي ستعين القيادات والاستراتيجية. وإذن ففيها إشارة إلى أن الوضعية رغم تأزمها فهي لصالح الثورة:
قوة الماضي والتبعية القيمية : 
فبين أن النداء الذي يسيطر عليه اليسار في تونس لا قوة له بذاته قابلة لأن يبنى عليها مستقبل الخيار البورقيبي المكمل للخيار الثعالبي أي بناء تونس على مصالحة بين شقي الدستور القديم والحديث بحيث يمكن للإسلامي والحداثي أن يمثلا المحافظة والتقدم في نفس المشروع الذي هو تحقيق الصلح بين قيم الإسلام المتحررة من الانحطاط الذاتي وقيم الحداثة المتحررة من التبعية الاستعمارية. 
لكن سيطرة اليسار على النداء تجعله تابعا لابن علي وليس لبورقيبة. ولذلك فهما يمثلان الماضي الذي وقعت عليه الثورة مشروعا تحرر منه الشعب التونسي: التحديث الغبي لابن علي ليس بورقيبيا والتجفيف السخيف لحلفائه من اليسار ليس تقدميا , بل هما جزء من الذراعين الإرهابيتين جهاز التخريب المادي (جهاز المخابرات : ابن علي) وجهاز التخريب الرمزي (جهاز المجتمع المدني الممول أجنبيا : اليسار) الذراعين اللتين وصفنا .
ومن ثم فلا مستقبل لهما مهما تغولا لحينٍ استفادةً من الثورة العربية المضادة التي تمثل تعجيز الثوار واعتمادا على السند الاستعماري بالغزو غير المباشر الذي وصفنا. ذلك أن القوة الوحيدة التي لهما هي بقايا العادات التي نتجت عن عقود الاستبداد والفساد اللذين وقعت عليهما الثورة واللذين ما كانا ليعودا بهذه السرعة لولا القوة المستعارة من الوضع الإقليمي (خوف الأنظمة العميلة التي تحالفت لتحمي نفسها من الثورة وتمولهم في تعثيرها) والدولي (حاجة الاستعمار لمنع تحرر شعوب المنطقة والمسلمين وعودتهم لدورهم التاريخي في المنطقة وفي العالم).

 

قوة المستقبل والتحرر القيمي.
وبين أن الثورة بفضل شبابها بجنسيه تمثل القوة الحقيقية قوة المستقبل لأنها أولا تعبر عن تحرير الإنسان عامة ولأنها تستأنف رسالة الأمة بتخليصها من رواسب الانحطاطين: 
الانحطاط الذاتي ممثلا بالنخب التي تشوه قيم الإسلام.
والانحطاط المستورد ممثلا بالنخب التي تشوه قيم الحداثة.
ومن ثم فالثورة بحاجة إلى التحرر من هذين الانحطاطين لتحقيق شروط المصالحة بين القيم فتتجاوز صدام الحضارات الداخلي وتمر إلى المعارك السياسية السوية. لذلك فالعلاج الذي نحتاج إليه هو تدعيم التجربة الديموقراطية الناشئة وذلك بتشجيع التحرر من تأثير النخب الممثلة للتطرفين الأصلاني والعلماني في الصفين المتصارعين لأنهما يقدمان صدام الحضارات المرضي بين نموذجين مجتمعيين. وكلا هذين النوعين من النخب مرفوض من المجتمع وهو أقلية لا تكاد تذكر ولذلك فكلاهما يعتمد العنف :
1-أولهما يريد تحديث الناس بالقوة وفرض تصوره المشوه لقيم الحداثة والتقدم أعني ما ينتج عن الانحطاط الاستعماري الذي ورثه: القوة الرمزية وقوة الدولة. 
2-والثاني يريد أسلمة الناس القوة وفرض تصوره المشوه لقيم الإسلام والأصالة أعني ما ينتج عن الانحطاط الذاتي الذي ورثه: القوة المادية وقوة الثورة على الدولة. 
وإذن فكلاهما يمثل خطرا على لحمة الجماعة وعلى تماسك الدولة لأنه لا فرق بين تشويه نوعي القيم في وعي الجماعة بأحد هذين الكاريكاتورين القيمين ولا فرق كذلك بين تحريف دور الدولة عند الحداثي المزيف والثورة على دورها عند الإسلامي المزيف. وفي كل الأحوال فهما يتغاذيان : كلاهما يغذي الثاني ويعيش بالزعم أنه يحمي الجماعة:
1-إما باسم تصور منحط لقيم الإسلام خلطا بينها وبين قيم الجاهلية أو
2-باسم تصور منحط باسم الحداثة خلطا بينها وبين قيم الاستعمار. 
فهذا الصدام الحضاري يحول دون التطور السوي في الجماعة قيما وذهنيات ويحول دون التنافس السياسي السوي من أجل بناء دولة تعنى بوظائفها الأساسية أعني حماية الجماعة ورعايتها من حيث حاجاتها الأساسية وقيمها المشتركة.

فالتحرر من الصدام الحضاري يجعل الخلافات السياسية مفيدة لأنها تحقق شروط التنافس في الخيرات في حين أن الصدام الحضاري يحول الجماعة إلى حرب التهديم الذاتي المتواصل: 
واحدة تهدم الماضي لظنها أنه لم يعد صالحا بإطلاق 
والثانية تهدم المستقبل لظنها أنه فاسد بإطلاق. 
والإطلاقان عدميان يمنعان الحياة السوية التي هي مراجعة دائمة للذات مراجعة تصل بين الحي من الماضي والحي من المستقبل ليكون الحاضر إبداعا حيا لجماعة ذاتية التشريع وغير تابعة.
 
 تونس في 2014.11.27 

 

شوهد المقال 1409 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats