الرئيسية | الوطن السياسي | أبو يعرب المرزوقي - في رشد القيادة و بعد النظر

أبو يعرب المرزوقي - في رشد القيادة و بعد النظر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.أبو يعرب المرزوقي

 

من المعلوم أن الحركات الإسلامية عاجزة عن المعركة الكبرى-وهي معذورة لهول ما يحاك ضد الاستئناف الإسلامي. لذلك فمن المفروض أن تنطلق من مفهوم المطاولة لا المناجزة في الصراع السياسي الذي لا ينبغي دفعه لأن يصبح صراعا حاميا وتبريده بأكبر قدر ممكن لإعطاء الوقت للوقت.

فالمطاولة تقتضي دائما الكثير من الدهاء والمناورة بحيث إن أفضل طريقة لتحقيق ذلك كان ينبغي أن تكون القبول التام بلعبة الديموقراطية والتخلي عن المشاركة في الحكم بمستواه العام والاستعاضة عنه بالسعي الحثيث للتجذر في مصادر الحكم ودعائم الشرعية أعني المجتمع المدني النقابي والاقتصادي والمنظماتي وفي التمثيل الجهوي كالبلديات ومجالس الولايات والمؤسسات التعليمية وخاصة الجامعية. كان من المفروض تكوين الشبكات التي تنافس ما أعاد التجمع إحياءه للنجاح في الانتخابات.

لكن التردد بين الخيارين مع العلم بعسر الإقدام على خوض المعركة الكبرى بسبب الوضع التونسي الخاص-أي تعميم الثورة المتحرة من الجغرافيا التي فرضها الاستعمار حتى لا يستفرد العدو بالثورات الواحدة بعد الأخرى- فإن المطلوب على الأقل هو تثبيت ما تم تحقيقه لا تركه يتحول إلى أداة في يد من يغرر بالقواعد الشعبية للإسلام السياسي الذي ما يزال غضا.

فالإسلام السياسي يعاني خاصة مما قد يفسد عليه كل عمل ثوري مدني تقدمي حقيقي يمكن من استئناف دور الإسلام بما هو رسالة تسعى لتحقيق العدل والمساواة والحرية والكرامة للمواطنين. إنه يعاني من الحرب الداخلية في صفوفه بين الجهاديين الذين يكفرون بكل ما هو سياسي والديموقراطيين الذين لا حول لهم ولا قوة مجتمعيا لأن الاعتماد على الخطاب الديني وحده لا يمكن أن يؤسس لعمل سياسي حقيقي وهو أمر بينه ابن خلدون جلي البيان.

فهذه الحرب الداخلية تنخر كيان كل الحركات الإسلامية فتفسد عليها كل استراتيجية تمكن من بناء دولة حديثة مدنية ذات مرجعية إسلامية تعمل بالقيم الكونية التي هي نفس القيم المشتركة بين العقل والنقل.لكن غياب الرشد القيادي أو عدم فهم خصائص المرحلة أو كلا الأمرين معا مع العجلة في الحصاد المتسرع جعلا القواعد تصبح مجرد نفير للمغامرين أو الطامعين أو لهما معا:

1- فبعض المغامرين يغالطون جمهور الإسلاميين كما حصل في مصر عندما كان السيسي يدفع بهم إلى إعلان الخلافة بالمزايدة في مظاهر التقوى والتدين. أما في تونس فالعكس هو الحاصل إذ أن المغامرين يغالطهونهم بالثورية الزائفة (المرزوقي) من دون شروطها لأنه ليس له وجود شعبي ولا زعامة مقنعة. وإذا نجح فسيكون سيسي تونس حتى يبقى لأنه لا قاعدة له مثل السيسي: الاعتماد على الفلول والأزلام (لا تنسوا ما قاله قبل أن الانتخابات السابقة حول موقفه من التربية في جريدة بيروتية).

2-أو بعض الطامعين في فضلات موائد أعداء الثورة ككل الذين تصدروا قوائم النهضة فأفسدوا عليها الحصول على التمثيل الجديد الذي كان يمكن أن يكون أفضل لأن الوجوه الجديدة كانت تكون اقرب إلى الشعب وليس لها ما يعاب عليها كالذي يعاب على من حكم ثلاث سنتين أو ثلاث دون تحقيق نجاح يذكر.وإذا صادف وأعطاهم السبسي ما وعدهم به فسيكون ذلك حتما من أجل تفجير الحزب الإسلامي والزيادة في حدة الحرب الداخلية بين شقي الإسلام السياسي الذي هو أصلا متفجر إلى جهاديين وديموقراطيين.

ومعنى ذلك أن هذه العناصر كلها كان ينبغي للقيادات أن تتدبرها فتنهج النهج الذي حاولنا وصفه هنا وحتى قبل المغامرة الأولى عندما تعجلت الحركة فحولت ما كان انتخابات تأسيسية إلى انتخابات نيابية فحكمت دون شروط الحكم الدنيا أعني قبل أن تكون قد جذرت وجودها في المجتمع المدني: وهو ما كان يشترط ألا تكون متحملة لمسؤولية الحكم التي تؤدي بالضرورة إلى الاستثناء من المجتمع المدني الذي هو بالجوهر مجتمع معارض للمجتمع السياسي الحاكم (لا المعارض).

أملي الوحيد هو أن تكذب الوقائع المقبلة هذه التحليلات خاصة والتاريخ ليس بالضرورة بالأمر الذي يقبل الاستنتاج المنطقي من مقدمات هي المعطيات الراهنة التي قد تتبدل بسرعة. إذ يكفي أن يفهم الخليج أن حربه على الإسلام السياسي ستقضي عليه لأنها مساعدة لأعدائه الحقيقيين الذين هم إيران وإسرائيل والعسكر الذي يعتمد عليه في مصر وليبيا حتى تنقلب الوضعية لصالح الإسلاميين.
وعندئذ فيكفي أن يتخلى الجهاديون عن عماهم الاستراتيجي وتكوين الإمارات القروسطية وأن يتخلى الإسلاميون الديموقراطيون عن الخلط بين الدعوة (العبادات) والسياسة (المعاملات) فيقدموا برامج سياسية مدنية حقيقية كما حصل في ماليزيا وتركيا: فعندها على الأقل أكون قد خسرت منطقية تحليلاتي لأن التاريخ أثبت عكسها لكن تونس تكون قد ربحت ما يعدها به المغامرون والطامعون. والله أعلم.
 
 تونس في 2014.11.23

 

شوهد المقال 1546 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats