الرئيسية | الوطن السياسي | محمد بديع الباي ..................... ماذا لو انتخبنا قضاتنا

محمد بديع الباي ..................... ماذا لو انتخبنا قضاتنا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

محمد بديع الباي 


الفكرة تنطلق من مبدأ أن البحث الدائم عن احسن الطرق لتسيير الشأن العام و تطويرها هو من المهام الأساسية لكل إنسان و هي ليست حكرا على احد, كما أن جهاز القضاء يعتبر اهم مؤسسة في الدولة تصلح الدولة بصلاحه و تفسد بفساده, و الهدف الأساسي من وراء طرحها هو توفير اكبر قدر من الأريحية للقاضي في ممارسة مهامه, بعيدا عن كل الضغوط الناجمة عن ضرورة الولاء لمن عينه. 

في البداية, و لتوضيح مقترح انتخاب القضاة انتخابا مباشرا على غرار انتخاب الرؤساء و نواب البرلمانات و المسئولين المحلييين, ارى انه من الضروري التطرق لبعض الأمثلة التي يتضح فيها مدى خضوع القضاء للسلطة السياسية, من خلال النهاية التي آلت اليها الكثير من القضايا و التي شدت انتباه الرأي العام في الدول التي كانت مسرحا لها, و من اهمها فضيحة شركة "انرون" في الولايات المتحدة, التي كان مديرها صديقا للرئيس جورج بوش, ما مكن مسئوليها من الأفلات من العقاب على الرغم من جسامة الأفعال التي ارتكوبها, و دائما في الولايات المتحدة و فضيحة التحرش الجنسي التي كان بطلها الرئيس بيل كلينتون خلال فترة ممارسة مهامه, فقد اوقف مجلس الشيوخ مسار اقالته من الرئاسة تمهيدا لمحاكمته, و حتى و ان حوكم بعد نهاية عهدته, فقد كان الحكم الذي اصدرته المحكمة في حقه بعيدا جدا عن الصرامة المعروفة لدى القضاء في الدول الغربية عندما يتعلق الأمر بقضايا التحرش الجنسي.

فرنسا تتخذ من الحرية و المساواة شعارا مقدسا, و يعتبرها الكثيرون مثلا يحتذى به في الديمقراطية و احترام حقوق ألإنسان، مع ذلك لم تخلو هي ايضا من مظاهر تدخل السلطة السياسية في توجيه تحقيقات و احكام القضاء, من خلال الأحكام "الرمزية" التي صدرت في حق ابطال اكبر قضايا الفساد المالي و الرشوة, التي طالت مسئولين كبار في الدولة على غرار وزير الخارجية السابق رولان دوما في قضية شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة الفرنسية آنذاك "الف", و كذا الامتياز الذي حضي به مؤخرا الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك, عند محاكمته في قضية الوظائف الوهمية حين كان عمدة لبلدية باريس قبل ان يصبح رئيسا لفرنسا, حيث قضت المحكمة في غيابه ( مع ان حضوره ضروري في هذا النوع من القضايا حتى و ان اقتضى الأمر ان يصدر القاضي ضده امرا بالضبط و الإحضار ) بتسليط عقوبة مع وقف التنفيذ في قضية اختلاس لا غبار عليها .

بالمقابل, يتعامل القضاء في احيان كثيرة بمنتهى القسوة عندما يتعلق الأمر بمحاكمة خصوم من هم في السلطة, فقد شاهدنا سرعة القضاء المصري في اصدار احكام قاسية جدا في حق طلبة لم يرتكبوا جرما او جناية تستحق ان يحكم عليهم بقضاء 17 سنة وراء القضبان, و شهدنا ايضا طبيعة التهم الموجهة لخصوم السلطة الحالية و مدى افتقار هذه التهم لأي ركائز مقنعة, في حين ان نفس القضاء منح البرائة لمسئولين كثيرين من الصعب ان تقتنع ببرائتهم من مختلف تهم الفساد و الأجرام التي وجهت اليهم.

لقد حرصت من خلال تقديم امثلة مختصرة و من بلدان مختلفة, التوضيح ان مفهوم استقلال و نزاهة القضاء يبقى مفهوما مثاليا يصعب تطبيقه على ارض الواقع, فولاء اي مسئول معين للسلطة التي عينته واقع غير قابل للنقاش, و جهاز القضاء مختلف من حيث طبيعة مهامه عن كافة الأجهزة الأخرى في الدولة, فهو منوط به الفصل في كل النزاعات مهما كانت طبيعتها و درجة اهميتها و كذا اهمية الشخصيات و الهيئات المنتازعة , و هي مهام تقتضي حيادية يصعب توفرها في ضل الهيمنة غير المعلنة للسلطة على جهاز القضاء, و من هنا فأن فكرة ان يكون القضاة منتخبين مباشرة من الشعب يمكن ان توفر للقاضي اريحية كبيرة في ممارسة مهامه, دون التقيد بمنطق الولاء للجهات التي عينته, فالمسئول المنتخب بطريقة شفافة و نزيهة يمارس مهامه بعقلية مختلفة تماما عن المسئول المعين.

قد تبدو الفكرة غريبة, و قد يقول البعض انها لو كانت عملية و قابلة للتطبيق لعملت بها دول كبرى سبقتنا في مسعاها لتكريس مبدأ استقلال و نزاهة القضاء, اعتقد ان البحث و تطوير الآليات اللازمة لضمان اداء افضل لمختلف مؤسسات و اجهزة الدولة, لم تكن يوما حكرا على جنس معين من البشر, غاليليو قال ان الأرض مستديرة و دفع ثمن ذلك غاليا جدا, مع ان العلم انصفه في ما بعد و اثبت صحة ما قال, لست غاليليو و لا أريد ان القى نفس مصيره, و لكني قطعا اريد ان تلقى الفكرة التي اقترحتها نفس مصير فكرة غاليليو.

 

 

Twitter : @mobadielbey

.

شوهد المقال 2354 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats