الرئيسية | الإفتتاحية | لا ينقص الجزائر إلا رجال دولة

لا ينقص الجزائر إلا رجال دولة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 إسماعيل القاسمي الحسني

 

 الجزائر دولة لا يمكن تجاهل قيمتها إلا من قبل مكابر أو جاهل بالفعل، فقد باتت بعد تقسيم السودان أكبر الدول العربية مساحة، يعمرها ما يربو عن أربعين مليون نسمة، تقدر مراكز مختصة أن نصف مليون على الأقل يشكلون مادة رمادية متميزة، نصفه أي 250 ألف هاجرت لتثبت كفاءة عالية و إمكانات استثنائية علمية و معرفية في كل القطاعات، و منها قطاع التكنولوجيا و الطاقة، و كليهما يشكلان عصب الاقتصاد المعاصر.

 كما تتميز الجزائر بطبيعة جغرافية بديعة، جمع فيها الخالق سبحانه ما تفرق في غيرها، من شواطئ ساحرة تزيد عن 1400 كلم طولا (حسب آخر تقرير لوكالة نازا)، متعددة المناظر فمنها ذات الخلجان و منها الصخرية و الرملية، و منها ما يعانق غابات الصنوبر الحلبي و نخيل كاليفورنيا؛ هذا الوصف المقتضب ليس لحشو الكلام، و إنما هو عنوان عريض و قوي لإمكانات سياحية هائلة، فإذا علمنا بأن السياحة في تونس الشقيقة مثلا، يزيد دخلها السنوي لخزينة الدولة عن عشر مليارات دولار، دون احتساب تشغيل اليد العاملة و سواها، و هي لا تزيد إمكاناتها عن خمس قدرات الجزائر، علمنا أننا نتحدث عن 100 مليار دولار قد تعود على هذا الوطن من الاستثمار السياحي فحسب، الذي يشكل الشريط الشمالي فقط، دون أن نشير إلى جبال تيكجدة المغطاة بشجر الأرز و جبال الونشريس، و غابات الشريعة و الحمامات المعدنية الطبيعية التي تملأ هذه المساحات، و المغارات العجيبة سواء في تلمسان أو جيجل أو بجاية مدينة ابن خلدون و البحيرة الفاتنة في أم البواقي؛ و غيرها من المواقع الأثرية الغنية، من تيمقاد إلى قلعة بني حماد إلى القصبة العتيقة في العاصمة، و آثار الرومان في تيبازة و ما لا يمكن حصره في مقال. خلاصة القول دون الحديث عن السهول و صحراء الجزائر التي تستهوي الكثير، يمكن لقطاع السياحة لو استثمر جديا أن يزيد دخله السنوي عن 100 مليار دولار بكثير، و هو رقم يكاد يكون ضعف دخلها من البترول و الغاز. و الحال أن دبي مثلا تهدف لبلوغ 150 مليار دولار بحلول عام 2015 كدخل من النشاط السياحي، و هي التي لا تكاد تقاس إمكانياتها بتلكم التي تتمتع بها الجزائر سعة و تنوعا و جمالا.

 فضلا عن هذا تتميز الجزائر بسهوب و سهول شاسعة خصبة، لطالما كانت مطمعا للعدو شمال البحر الأبيض المتوسط، خاض من أجل احتلالها حروبا طاحنة على امتداد أربعة قرون الخالية، ذلك لمردوديتها الفلاحية، حتى لقبت الجزائر من أجلها بـ "سلة غذاء" أوروبا، و هي تعدل كذلك ثلاثة أضعاف مساحة الزراعة في المغرب الشقيق، ما يعني بعملية حسابية، أن هذا البلد له إمكانات تجاوز الاكتفاء الغذائي إلى مستوى مناكفة الإنتاج الأوروبي في عقر داره، و في السوق الإفريقية و آسيا الوسطى، خاصة و أن لطبيعة هذا البلد الإنتاج الفصلي، و هو ما يعني إنتاج خضروات في غير فصلها بشكل طبيعي، مثل الطماطم في أقصى الجنوب و غيرها؛ و ملخص هذه الثروة، أن الجزائر لها من الإمكانات الفلاحية ما يزيد عن حاجتها الغذائية إلى التصدير بما لا تقل قيمته عن عشرات المليارات من الدولارات، لو تم فعلا استثمارها بشكل جاد.

 موقع الجزائر الجغرافي الاستراتيجي، يمثل بوابة أوروبا على القارة الإفريقية، كما يمثل المعبر الأقرب  و الأمثل لهذه القارة إلى نظيرتها العجوز، ما يعني حتما إمكانية بناء منظومة خدماتية لتنقل البضاعة، تشكل رافعا اقتصاديا في غاية الأهمية، و لا شك أن دخله بالعملة الصعبة يكون عاملا رئيسا في دفع عجلة النمو الاقتصادي بشكل لافت، نقول هذا الكلام و بين أعيننا مثل الإمارات العربية التي استثمرت هذا الجانب تحديدا، ليعود بما يزيد عن 75% من مجمل دخلها العام، فضلا عن البترول طبعا.

 هذه بعض من عناوين مقدرات دولة الجزائر، التي تؤكد العلوم الاقتصادية و أبجديات العمليات الحسابية، أن استثمارها يجعل منها واحدة من أقوى الدول الاقتصادية، و يمكنها احتلال المراتب الأولى على مصاف الدول المتقدمة دون نزاع؛ غير أن واقع الحال يشير مع الأسف الشديد لعكس ذلك تماما؛ فقطاع السياحة مجمد بشكل مخيف، و قطاع الفلاحة متعثر بصورة مشينة، و أما الخدمات فتكاد اصطلاحا تكون منعدمة في قاموس المسيرين هنا في الجزائر، و الواقع المرير يؤكد أن اعتماد هذا البلد اقتصاديا أو بعبارة اصح ماليا يقتصر على البترول و الغاز فحسب، ذلك أنهما يمثلان 97% من الدخل العام للدولة؛ ليرتفع سؤال جدي مفاده: ما سبب ذلك؟.

 بكل صراحة و موضوعية، إذا كان ما سبق ذكره لا يمكن إنكاره علميا، فلا تفسير لحال الجزائر المتردي، و تدهور معيشة مواطنيها، و انكماش قدرتهم الشرائية، فضلا عن تعطل آلة الإنتاج بشكل لا تخطئه عين بصير، فلا تفسير لهذه الحال في ظل ثروات طائلة و إمكانات هائلة، إلا لانعدام رجال "دولة" بما تحمله هذه الكلمة من دلالة و معنى، يتعاطون بمسؤولية مع ما أنيط بهم، و يتحملون عن وعي واجباتهم إزاء ما تتطلبه حاجة الوطن و المواطن، و ما تقتضيه متغيرات العصر و تطوراته؛ هذا الكلام ليس من باب إلقاء التهم جزافا، أو محاولة لاستفزاز قيادات هذا البلد للفت انتباههم إلى الكاتب كما يتوهم بعضهم، بل هو ما سمعته شخصيا من وزير جمعني به لقاء مطول، يتقلد مسؤولية وزارة سيادية، حين عبر لي بكل وضوح و صراحة عن رأيه بخصوص مقالاتي في صحيفة القدس العربي، قائلا:" إن نقدك البناء لا يمكن إلا أن نثمنه، لكني أشفق عليك حين توجه إلينا الخطاب على أننا رجال دولة، و الحال أننا لسنا كذلك". صدق معالي الوزير، فهو و زملاءه من السلطة التنفيذية - و كذلكم التشريعية و القضائية      و الأمنية- منقطعون عن واقع الوطن و الشعب، بل يمكنني القول إنهم يعيشون في الفضاء الخارجي، على هامش التاريخ و الجغرافيا و الواقع برمته....و لن تنهض الجزائر إلا برجال دولة بحق.

 

- فلاح جزائري

ismailelkacimi@gmail.com

 

 

 

شوهد المقال 2239 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats