الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ "ممكن" حمروش في مواجهة "صمم" السلطة

نجيب بلحيمر ـ "ممكن" حمروش في مواجهة "صمم" السلطة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نجيب بلحيمر
 
من يقرأ المساهمات السابقة لرئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش سيجد أن التحذيرات التي أطلقها في مقاله الذي نشرته اليوم جريدة الخبر تتكرر في كل مرة، اليوم أيضا خصص القسم الأكبر من التحليل لتصحيح ما يراه قصورا في الفهم وقلة في استيعاب حقيقة الأزمات والمخاطر التي تواجهها الدولة، وقد جعل توصيفه للوضع القائم، وحديثه عن الحريات مقدمة لطرح عرض سياسي على من بيدهم السلطة اليوم.
العرض في الفقرة التالية " من حق أي كان أن يعبر عن أمله وأن يقترح وأن يكون له طموح أو أن يتوقع مكافاءات. لكن في مجال ما يخص الدولة والحكم، فإن الخيار السياسي وحقائق الوضع وما هو ممكن هي العناصر الحاسمة التي يعتد بها فقط. وهذا يفرض بالضرورة حتمية اللجوء إلى الممارسة السياسية وفن الممكن فيها. إن مسار إعداد أي توافق سياسي أو تحقيق أي تراض هي من موروثات فن الممكن مشفوعة بجسارة الإيمان وجرأة الوضوح.
كل مسار سياسي هو إرادة وخيار وغاية، لأنه بمجرد الشروع في تجسيد أي مسار سياسي سيتغذى هذا المسار من حيويته السياسية الذاتية للوصول لغايته دون حاجة لإحداث أي فراغ في السلطة. يسمح مثل هذا المسعى بإعادة بناء الثقة والحصول على دعم ومساندة إضافية وإقامة روابط سياسية واجتماعية بينة."
في هذه الفقرة جملة عناصر:
أولا: أن الحل يجب أن يطلق من حقائق الوضع أي أن يتسم بالواقعية.
ثانيا: أن يكون الهدف إطلاق مسار توافق سياسي يقوم على التراضي.
ثالثا: أن يكون الحل نتيجة لحيوية سياسية ذاتية للمسار الذي يتم إطلاقه بما يعني أن النتائج لا تحدد سلفا ولا يفرضها طرف ( والجهة التي تفرض في هذه الحالة هي السلطة)، وهذا يعني أنه ليس هناك خطة جاهزة للتنفيذ بل حوار شامل ومفتوح ينتج خطة.
رابعا: لن تكون هناك حاجة لإحداث أي فراغ في السلطة، بما يعني أنه لن يكون من شروط الحل التراجع عن النتائج التي أفرزتها خارطة السلطة التي جرى فرضها منذ بداية الحراك والتي أدت إلى تنصيب عبد المجيد تبون رئيسا.
خامسا: الهدف المتوخى هو انخراط أغلبية الجزائريين في هذا المسار الذي يعني في النهاية بناء منظومة الحكم على أسس جديدة وبشكل توافقي.
هذا العرض الذي يقدمه حمروش ليس جديدا، فقد سبق له أن أكد على ضرورة البحث عن حل بعيدا عن الانتخابات وفكرة المرحلة الانتقالية، وهو هنا ينطلق من قراءته لطبيعة نظام الحكم والقوى المؤثرة فيها، فالانتخابات لم تحل أزمات منظومة الحكم في السابق لأنها في الحالة الجزائرية ليست آلية للتغيير أو التحكيم، والمرحلة الانتقالية تثير مخاوف السلطة من "الفراغ" كما ظهر في طريقة معالجتها للوضع بعد الثورة السلمية. هنا يقدم حمروش اقتراحا خاصا يقوم على إطلاق مسار حقيقي وواعي يقوم على إشراك الجميع دون استثناء من أجل التوصل إلى توافق، وهذا دون العودة إلى ما قبل انتخابات 12/12.
قبل أن يصل حمروش إلى طرح هذا العرض يقدم توصيفا مخيفا للوضع القائم أوجزه بالقول: "نحن أمام فراغ سياسي تنظيمي رهيب وشنيع. ليس هنالك هيكل مؤسساتي أو سياسي عدا مصالح الأمن والإدارات الإقليمية (أدوات القانون والخدمات) وهي الوحيدة المتجاوبة والتي تتمتع بمصداقية مؤكدة. وليس هناك تنظيم سياسي أو نقابي يتمتع بالشرعية التنظيمية الأكيدة ولا تمثيل اجتماعي يحظى بالتقدير والتصنيف بما في ذلك تلك التنظيمات الحزبية التي تتغطى بهالة "الثورية" أو تلك التي تتفاخر بدورها أو بمساهمتها في الماضي. كما أنه ليس لأي هيكل اقتصادي أو مالي قائم قدرة الإدارة والحث أو التأثير بشكل حاسم في الاقتصاد الوطني."
لعل هذا التوصيف، خاصة ما تعلق بالفراغ السياسي والتنظيمي، هو الذي يجعل حمروش يعتقد أن الحل الآمن يجب أن يأتي من داخل السلطة شرط أن يكون واقعيا، والواقعية هنا تعني الأخذ بعين الاعتبار المعطيات التي أفرزها الحراك، وحقيقة الفشل المزمن الذي تعاني منه السلطة التنفيذية على المستويات كافة، والفشل في حل أزمة الشرعية عن طريق الحلول الأحادية المفروضة، وأن الضمانة الوحيدة لتماسك الجيش ووحدته هو الشعب كما أثبته الحراك.
كيف يصبح هذا المسار ممكنا ومثمرا؟ يمهد للأمر حسب حمروش إطلاق الحريات بتصحيح النظر إليها على أنها ضمانة لديمومة الدولة وحماية لها من التدخلات الخارجية، ويمر ذلك أولا عبر تصحيح النظر إلى الحريات والسلطات المضادة والرقابة باعتبارها ضمانات لاستمرار الدولة واستقرارها وحماية للمسؤولين والحكام من الانحراف وتحصين للدولة من التدخلات الخارجية. الحريات هي التي تسمح للمجتمع بتنظيم نفسه بما يؤهل الديناميكية السياسية التي تنتج عن المسار الذي يتم إطلاقه لبناء حل توافقي يقوم على التراضي.
يبدو حمروش وفيا لرؤيته للتغيير من داخل النظام، وهو لا يمل من تكرار تحذيراته ودعوته إلى إطلاق مسار حقيقي لتغيير نظام الحكم والبناء على أسس سليمة، وهذا يضعنا أمام سؤال آخر، ما هي احتمالات استجابة السلطة إلى هذا العرض. الإجابة لا تبنى على تصورات نظرية بقدر ما تحكمها سوابق السلطة في التعامل مع العروض والاقتراحات التي قدمت لها، بما فيها أفكار حمروش نفسه، وهنا يجب الاعتراف بأن السلطة لن تستجيب ليس لأنها لا توافق ولكن لأنها لا تملك آلية للإصغاء والتفكير في الحلول خارج ردود الأفعال الآلية التي تتحرك مع كل أزمة والتي تتلخص في ثلاث خطوات ( تنحية مسؤولين ثم إجراء انتخابات، واعتماد دستور جديد).
ليس لدى حمروش ما يدفعه كمقابل للسلطة، وهو، عكس ما يتهمه كثير، لا ينتظر منها شيئا، لكن طرحه يقوم على قبول الأمر الواقع الذي فرضته السلطة والانطلاق إلى الأمام في مسار آخر، وهذا ينطوي على مخاطرة، لأن مفهوم السلطة للقوة ورؤيتها لموازين القوى يجعلها تختزل الواقع في ما فرضته بالقوة، وهذا يعني إمكانية إفراغ أي مسار من محتواه في منتصف الطريق وهو ما حذر منه بالقول: "معلوم أنه يمكن إيقاف أي مسار سياسي توافقي أو تراض، حتى بعد إطلاقه، لكن لا يمكن تحويل مجراه وعكسه، حتى وإن تعرض للتضليل أو أغرق في المزايدات والأطماع".
بقيت نقطة أخرى وهي أن التطرف الذي يطبع سلوك السلطة جعلها في حالة قطيعة تامة مع المجتمع، وهذا أمر مخيف في سياق ظرف سياسي واقتصادي عصيب لا يمكن النجاة من مخاطره إلا بالعودة إلى السياسة بوصفها فنا للممكن.

شوهد المقال 104 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

حورية في 06:36 28.09.2020
avatar
والله في المقا ل و افكار السيد حمروش هي نفسها بمثا بة

حلول واقعية. اعادة تشكيل الاحزاب و النقابات، وتكون روحها و خصاءصها مستوحات من مواصفات الحراك من كل الجوانب.اما بالنسبة المؤسسات خاصة الاقتصادية التي اشار إليها لازم ان تكون الأذن الصناعية لمشاكل المجتمع والحراك
،
حورية في 06:58 28.09.2020
avatar
من الواضح ان المشهد الحكومي باين للعيان،هناك محاولات
من طرف ا لحكومةولكن غير ملموسة بالنسبة للشعب.و من جهة اخرى يلاحظ محاولات الثورة المضاضة من خلال فبرك
ة إعلانات لتحطيم مكتسبات الحراك(تصريح حنون)مثلا
لماذا ليس هناك جواب من الحكومة فيما يخص الهجرة الغير ااالشرعية(الحرقة) كان من المفروض دراسة اجتماعية لمعرفة المنطقة الإطار تضررا لاشراع في الفور انشاء مشروع اقتصادي صغير او متوسط الحجم الشباب.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ شعب عاطفي شعب عنيف شعب سخون ماذا نحن بالضبط ؟!!

د.عبد الجليل بن سليم  دائما عندما التقي بشخص غير جزائري و يكون من المشرق، عندما نقولو بلي أنا جزائر يقول أهل الجزائر دمهم حامي، شعب سريع
image

وليد عبد الحي ـ اليمين الأوروبي والعنف

أ.د.وليد عبد الحي ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل محفزات
image

نوري دريس ـ الحل السحري للسلطة في الجزائر

د. نوري دريس   الأمر الذي يزعج السلطة منذ بداية الحراك, هو رفض الجزائريين للانخراط في احزاب قائمة او تأسيس احزاب جديدة تمثل وتتحدث باسم الجزائريين
image

عثمان لحياني ـ صدفة المفارقة بين أكبر مسجد في افريقيا ورئيس يعالج خارج الجزائر

عثمان لحياني  الصدفة التي تجمع في يوم واحد ، بين افتتاح جامع الجزائر الأعظم للصلاة ، وهو منجز لاشك قيم في عنوانه وعمرانه. وبين نقل الرئيس
image

رشيد زياني شريف ـ عندما لا تعني أكثر من نعم

د. رشيد زياني شريف  السياسة ليست علوم دقيقة ولا تنجيم ولا ...نوايا فحسب، بل قراءة متأنية بناء على تجارب متراكمة ونظرة اسشرافية، من اجل تحقيق الهدف
image

ابتسام ابراهيم الاسدي ـ رسالة سماء

ابتسام ابراهيم الاسدي        رسالة سماء عندما لاحتْ خيوطُ الليل .. و اوشك الغروب ان يزولَ بكتْ غيوم العصر البرتقالية بدموعٍ
image

أحمد سليمان العمري ـ الصراع الأذري الأرميني: أسبابه ومآلاته

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف نزاع إقليم «ناغورني قره باغ» وهي جمهورية «أرتساخ» غير معترف بها دولياً، ذات الأغلبية الأرمينية. طالبت باستقلالها عن أذربيجان والانضمام إلى
image

فضيلة معيرش ـ مصطفى حمدان شاعر قضية شغلته على امتداد عقود من الزمن

فضيلة معيرش  شاعر يتقن التعبير عن قضايا الذات والإنسان ، يتميز شعره بعمق الأفكار وإن عَبَرَ عنها بأسلوب سهل سلس وكلام واضح ، تأثره بالشّعر التقليدي
image

عادل السرحان ـ لاصلاة إلا في محراب آمون

عادل السرحان                  لاصلاة إلا في محراب آمون وجوهٌ تتلاشىخلف  أحدابِ  الزمان  وأماكنُ  يبتلعها  الغياب تلو الغياب نشيجٌ يتعالى يُفْزِعُ طيور الذكرى  بأعشاش الحنين ثمَّةَ من يحاولون العبور الى الضفة الأخرى فتجرهم  كلاليبُ
image

محمد محمد علي جنيدي ـ لنور النور

محمد محمد علي جنيدي           لِنُورِ النُّور لِنُورِ النُّورِ أنْوَارٌ وخَيْرُ العِلْمِ أسْرَارُ ومَنْ رَامَ الرِّضَا الوَافِي  رَسُولُ اللهِ مُخْتَارُ يَدُ الرَّحْمَنِ تَرْعَاهُ ولَنْ

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats