الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ حكم بلا قرار

نجيب بلحيمر ـ حكم بلا قرار

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

لا يعرف التلاميذ والطلاب والأساتذة متى ستفتح المدارس والجامعات، لا يعرف الموظفون والمتقاعدون متى سيتمكنون من سحب رواتبهم ومعاشاتهم دون عناء، لا يعرف الجزائريون متى ستحل مشكلة التزود بالماء والانقطاع المتكرر للكهرباء وبطء الانترنيت. كل هذه التفاصيل ليست علامات أزمة كما نزعم جميعا فالأصل في الأزمة أنها تكون طارئة ويستدعي حلها تدخلا سريعا فإن لم يحدث ذلك صارت فشلا مزمنا يتطلب علاجا جذريا بخطط محكمة.
كل ما تستطيع السلطة فعله اليوم هو تحديد تاريخ الاستفتاء على الدستور، دون أي احترام للشكليات والجوانب الإجرائية، وتقديم وعود غير قابلة للإنجاز، وعود نجدها مدونة في بيانات مجلس الوزراء بصيغة "أمر رئيس الجمهورية"، ويبدو أن السلطة لا تفرق بين فعلي "أمر" و "قرر".
يأمر تبون بحل مشكلة تدفق الانترنيت "فورا" ويخرج وزير الاتصالات ليتحدث عن توسيع حزمة الذبذبات قبل أن تعثر وسائل الدعائية على زبون محتمل للنظام يتولى مهمة تكذيب الحقائق، وخلاصة القصة أن لا أحد بوسعه أن يقول لمن "أمر" بأن ما يطالب به مستحيل التحقيق، وأن الوضع القائم اليوم هو نتيجة لـ "أوامر" سابقة مستحيلة التنفيذ من قبيل تخفيض أسعار النت بزيادة سرعة التدفق التي يستفيد منها المشتركون. 
هذه عينة بسيطة من تحويل "القرار" الذي هو في الأصل بديل مدروس ومؤسس على معطيات علمية وواقعية وإحصائيات مؤكدة، إلى مجرد "إعلان" يهدف إلى إقناع الناس بأن هناك من يحكم ويتابع ويحل المشاكل الطارئة والمتراكمة، وينسى من يفعل هذا أن أثر "الإعلان" لا يمكن أن يدوم أكثر من أيام معدودات خاصة إذا كان مشفوعا بكلمة "فورا".
نتذكر غضب بوتفليقة وصراخه في وجه وزير النقل الراحل مغلاوي عندما زار مطار الجزائر الدولي الجديد وقوله له "انت تكذب علي"، وقبله عمليات "إنهاء المهام" على المباشر وبحضور كاميرات التلفزيون العمومي قبل أن تظهر الملحقات الخاصة كما كان يفعل الوزير الراحل يحيى قيدوم، وما درج عليه الولاة بعد ذلك من سلوك مشين بالتواطؤ مع مراسلي قنوات تلفزيونية تتزلف للسلطة بإظهار الحزم الكاذب لمسؤولين فاشلين ينحرون من هم دونهم في المسؤولية لتبييض صورة قاتمة يعرفها المواطن جيدا.
لم تكن تلك الشطحات المنقولة عبر التلفزيون لتحل أي مشكلة، وعندما جاءت الأزمات الكبرى من قبيل كورونا لم تجد السلطة غير الهروب والتنصل من المسؤولية.. خطاب متناقض وغياب تام لأي خطة أو تصور مع فشل في تقديم معلومة دقيقة انتهى بالهروب من المواجهة وإلقاء الأمر كله على ما تسمى بالسلطات المحلية وعلى رأسها الوالي، نظام شديد المركزية يتذكر فجأة فضائل اللامركزية وقدرة المسؤول المحلي على تسيير أزمة كبيرة، لكن الاكتشاف متأخر ولا يمكن أن تظهر آثاره الإيجابية بالسرعة التي ترجوها سلطة عالقة في مأزق كبير، وبدل أن يحل "تكليف" الولاة المشاكل زادها تعقيدا ليكتشف الجزائريون انهم يعيشون حالة ضياع تنذر بوضع ما قبل الدولة. 
على مستويات أعلى يبدو الوضع أكثر تعقيدا، السلمية أحدثت شروخا عميقة بين عصب السلطة، ومحاولات احتواء ثورة الجزائريين أدخلت تلك العصب في صراعات دمرت ما بقي من ثقة بينها، من هو في الواجهة لا يملك سلطة القرار ولا الكفاءة لاتخاذه، ومن يقف خلفه لا يشعر بالحاجة إلى المغامرة التي قد تنتهي به حيث انتهى أسلافه قبل عهد قريب، وفي الأثناء تتفاقم الأزمات وتتكاثر وتتراكم الأخطاء حتى يظهر من في السلطة بأنه لا يتوفر على الشرط الأول لممارسة الحكم وهو اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
يعود النظام الفاشل العاجز إلى حلوله القديمة التي لا يعرف غيرها، تنظيم مزيد من الانتخابات الفلكلورية، وتعديل الدستور، وتغيير كبار الموظفين، من يتولون هذه المهمة يعرفون جيدا بأنهم يتقدمون في مستنقع ومع كل خطوة يغرقون أكثر لكنهم لا يملكون من أمرهم شيئا، إنهم عالقون وخلفهم يد الجزائريين تمتد بآخر فرصة للنجاة.. عودوا إلى رشدكم قبل أن تهلكوا.

 

شوهد المقال 344 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول
image

سعيد لوصيف ـ الطفو (émergence) و ديناميكية الحراك : الشغل لمليح يطول..

د. سعيد لوصيف  من عوامل نجاح الحراك، أن لا تنحصر وظيفته فقط في مواجهة نظام توليتاري مهيمن، صادر جميع حقوق المجتمع منذ عشريات، وإنما من وظيفته
image

عثمان لحياني ـ الحراك... والغنيمة

عثمان لحياني  من يعتقد أن الحراك غنيمة فهو واهم ، وواهم من يعتبر أنه يمكن أن يقضي به مصلحة، ومن يظن أنه يمكن أن يقضي من
image

عبد الباقي صلاي ـ العلاقات الإنسانية التي أصبحت في الصفر !

عبد الباقي صلاي من السهل بناء العلاقات الإنسانية،لكن من الصعب بمكان الحفاظ عليها كما هو متعارف عليه في كل أصقاع الدنيا،والأصعب من كل هذا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats