الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة الثلاثاء على قناتي فرانس 5 و القناة البرلمانية التابعتين لشبكة فرانس تلفزيون العمومية، وأشارت الخارجية الفرنسبة إلى حرصها على استقرار العلاقة مع الجزائر. 
هذا الرد يكشف توصيفا غير متناسب مع قرار الجزائر باستدعاء السفير للتشاور، وهي خطوة لرفع سقف الاحتجاج بعد استنفاذ الخطوة السابقة عندما تم استدعاء السفير الفرنسي لدى الجزائر للاحتجاج على تدخل أحد المحللين عبر قناة فرانس 24 العمومية هي الأخرى. 
وفي العلاقات الدبلوماسية يعبر استدعاء السفير للتشاور عن حالة متقدمة من التوتر بين طرفي العلاقة، أما الخطوة التي تليه في حالة استمرار التوتر فهي سحب السفير الذي يعني خفض درجة التمثيل الدبلوماسي أو قطع العلاقات بصفة كاملة. 
من الناحية الواقعية يبدو استدعاء السفير للتشاور بسبب بث أشرطة وثائقية تتناول الشأن الجزائري قرارا غير متناسب مع الحدث، ويعكس تماثل الرد الفرنسي مع ما قاله السفير الفرنسي للمسؤولين في الخارجية الذين استدعوه في وقت سابق للاحتجاج على حادثة مماثلة، عدم تحقيق الاحتجاج من الطرف الجزائري لما هو منتظر منه، وهذا يستدعي السؤال الأهم: ماذا بعد الرد الفرنسي؟ 
يعرف الرسميون الجزائريون، كما الفرنسيين، بأن العلاقة بين البلدين معقدة وتحكمها شبكة مصالح متداخلة على مستويات عديدة، سياسية واقتصادية وثقافية وإنسانية، ومهما حدث من أزمات فإنه يتم تجاوزها في صمت، ودون إطلاع الرأي العام الذي يبدو اليوم المستهدف الأول بإعلان الموقف. 
لا يمكن توقع اي تنازل من جانب فرنسا بخصوص حرية وسائل الإعلام وخطها التحريري، ولا فرق هنا بين الإعلام العمومي والخاص، وليس من المتوقع على الإطلاق أن تقدم الجزائر على خطوة تصعيدية أخرى بسبب عدم الاستجابة الفرنسية، ثم إن استدعاء السفير للتشاور لم يصاحبه أي مطلب واضح كشرط لعودته، بل إن بيان وزارة الخارجية الذي أعلن القرار حرص على اتهام اطراف لم يسمها بالسعي إلى المساس بالعلاقة بين البلدين، وهي قراءة غريبة تبرئ فرنسا الرسمية ضمنا لكنها تحتج عليها باستدعاء السفير للتشاور. 
الأرجح في هذه الحالة هو أن السفير سيعود دون أن تخبر السلطات الجزائريين بيوم عودته ولا سبب عودته، وهو ما سيقلل من مصداقية الحملة الإعلامية المركزة منذ يومين ضد فرنسا، وهي حملة ستبقى من طرف واحد، لكن ليست وسائل الإعلام المحلية وحدها التي ستخسر مزيدا من مصداقيتها، بل ستتضرر السلطة الجزائرية أيضا بعد أن حولت قضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للجزائر إلى مادة للاستغلال السياسي المحلي. 
سواء اتفقنا أو اختلفنا حول الدوافع الحقيقية للقرار الجزائري فإن جولة في الإعلام الفرنسي تؤكد لنا الإجماع على ربط القرار بالوضع السياسي الداخلي كما فعلت جريدة لوموند التي يعمل لديها مخرج الفيلم مصطفى كسوس، أو كما كتبت لوباريزيان، في حين اختارت لوفيغارو أن تنطلق من فكرة ان نظاما شموليا لا يمكنه أن يفهم حرية الصحافة، لكن ليس الإعلام الفرنسي وحده من اتخذ هذا الموقف، فحتى وكالة أسوشيتد برس الأمريكية اختارت أن تذكر بمكانة الجزائر في مجال حرية الصحافة والتي تضعها في المرتبة 164 ضمن قائمة تضم 180 دولة وقد جاء التذكير في خاتمة البرقية التي نشرتها عن خبر استدعاء السفير ورد فرنسا عليه، وقد اعادت نيويورك تايمز نشر البرقية وستعيد نشرها جرائد أمريكية وعالمية أخرى كما هي. 
الخلاصة هنا هي أن القرار الذي كان يفترض أن يثير الانتباه الى أزمة دبلوماسية تحول إلى تنبيه إلى الوضع الداخلي فيما يتعلق بالحريات والوضع السياسي بصفة عامة، وهذا هو الثمن الخارجي للأثر الداخلي الذي تبحث عنه السلطة من خلال قرار استدعاء السفير. 
لم يسبق أن تم تسيير العلاقات الدولية للجزائر بهذه الطريقة، وهنا يجب التنبيه إلى التعليق الذي نشرته وكالة الأنباء أمس وأعادت قراءته قنوات التلفزيون والذي يصل إلى حد اتهام أحد مرشحي انتخابات 12/12 بتلقي تمويل فرنسي، وهي تهمة تتطلب تدخل القضاء وتفرض طلب توضيحات من الجانب الفرنسي. 
في الأخير يمكن العودة إلى الطريقة التي سيرت بها الجزائر أزمة العلاقة مع مصر في 2009 وكيف انتهت تلك الأزمة، لنعرف إلى أي مدى تغير سلوك الدبلوماسية الجزائرية وفي أي اتجاه.

 

شوهد المقال 423 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الشرق الاوسط ما بعد أمريكا

أ.د. وليد عبد الحي قبل 25 سنة بالضبط ، وتحديدا في أكتوبر من عام 1996، في العدد 126، من مجلة السياسة الدولية التي ينشرها مركز الدراسات
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 127 حس السلمية الإنساني ومقدمات موجة رابعة مبكرة!

نصرالدين قاسم في الأسبوع السابع والعشرين بعد المائة من الحراك الشعبي المحاصر بترسانة السلطة الأمنية والقانونية في معظم ولايات الوطن، بلغ هيجان وباء كورونا وبطشه بالجزائريين
image

عبد الجليل بن سليم ـ سيكولوجية التجسس في دول الموز

د.عبد الجليل بن سليم  هذه الايام قالك أجري أجري المغرب يتجسس علينا ببرنامج جابتو من الدولة الغير شرعية و هز و حط، و ظهر هدوك الناس المختصين
image

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

أ.د .وليد عبد الحي من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:The Portable World Bible
image

عبد الجليل بن سليم ـ التشيلي درس أخر في الإنتقال الديمقراطي

د. عبد الجليل بن سليم  قبل شهرين حدثت إنتخابات في التشيلي و هي إنتاخابات من أجل إختيار أعضاء المجلس التأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد
image

طيبي غماري ـ بين شعب وشعب: ونار جهنم التي يريد المخزن اشعالها في شمال إفريقيا وجزر الكناري

د. طيبي غماري  مشكلة الدبلوماسيين العرب انهم لا ينطقون عن الهوى، وإنما هو وهي يوحى، من طرف الجهات التي تصنع المطر و الجو الجميل، ولهذا تأتي
image

عثمان لحياني ـ محمد سايكس بيكو... محاولة لفهم العقل المغربي

عثمان لحياني  كل الأنظمة في المنطقة المغاربية مسؤولة بقدر ما على الاخفاق في البناء وفتح المغاليق وايجاد المخارج وتفكيك الأزمات، من الطبيعي أن تأجيل فك المشكلات
image

بادر سيف ـ مع زرداشت في خلوته

بادر سيف         إلى الأعلى،،إلى ياس الجبل أريد أن ألهو و العب بفضيلة أسماءك المختارة لا بتلك العوالم التي أرعبت أناي أما الفضيلة الأرضية فهي مصونة
image

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01).

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01). المسؤولون يغالطون الوالي،، والوالي يقدم وعودا لم تتحقق. وزارة الصحة مسؤولة عن
image

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 126 الاجتماعية بعد السلمية الحل بالعنف ينذر بحرق البلاد

د.نصرالدين قاسم سجل الأسبوع السادس والعشرون من الحراك الشعبي الحضاري سلسلة من الأحداث تدين السلطة وتضعف حجتها، وتؤكد خطأ سياساتها وانحراف ممارساتها،وتقوي شوكة السلمية وتثبت صواب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats