الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ دولة القانون ليست بحاجة إلى أساطير

نجيب بلحيمر ـ دولة القانون ليست بحاجة إلى أساطير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

القضاء ليس بخير.. هذه خلاصة ما جرى اليوم؛ وكيل الجمهورية بمحكمة سيدي محمد يدفع ببراءة المتهمين ويقول إن القضاء في الجزائر الجديدة سيستقل، والكلام يبدو أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى المرافعة القانونية، فممثل الحق العام ليس بحاجة لإعلان موقفه هذا فهو ملزم بتطبيق القانون كما يطالب بذلك المحامون وعامة الجزائريين.
وصف ما حدث بمحكمة سيدي محمد بالتاريخي هو الآخر لا يبشر بخير، فالأصل أن يكون القضاء مستقلا وعلى ذلك ينص الدستور، ثم إن وكيل الجمهورية هذا هو نفسه الذي أمر بإيداع متظاهرين الحبس فيما عرف بقضية رفع الراية الأمازيغية التي خيمت على أحكامها أجواء سياسية مشحونة، وأصدر القضاة بشأنها قرارات متناقضة كشفت عمق المأساة التي يعيشها القضاء، مأساة كشف الجانب الأهم منها القضاة أنفسهم.
في اليوم نفسه أجلت محكمة الدار البيضاء محاكمة السجين السياسي فضيل بومالة لأسبوعين آخرين بما يجعل حبسه احتياطيا يمتد لأكثر من خمسة أشهر بتهم يصفها المحامون بالفضفاضة، وبدا قرار المحكمة كحلقة في سلسلة الاستعمال الكيدي للقضاء من أجل تحييد من تعتبرهم السلطة "مشوشين" ليصبح القضاء أداة للتغييب من الساحة السياسية، ولتتحول أحكامه إلى آلية لربح الوقت أو تبديده.
ما قاله وكيل الجمهورية أمام هيئة محكمة سيدي محمد اليوم يؤكد هذا التناقض، ليس بين أحكام مختلف القضاة فحسب، بل بين قول القاضي وسلوكه أيضا، وقد تم استعمال هذه التناقضات للدفاع عن السلطة ونفي تدخلها في عمل القضاء، فسمعنا من المتدخلين في وسائل الإعلام من يقول لو كانت هناك املاءات عن طريق الهاتف فلماذا لم يرن هاتف قاضية عنابة التي برأت حامل الراية وآمرت بإعادة المحجوزات لصاحبها؟ ولماذا لم يرن هاتف قاضي محكمة باب الواد الذي نطق بحكم مماثل لفائدة مجموعة من الشباب المعتقلين بنفس التهمة؟ والحقيقة أن هذا السؤال ينطوي على مغالطة، فالأصل في القضاء الاستقلالية عن السلطة التنفيذية، والقول بأن القضاة لا يطبقون القانون فيه تجاهل لأشكال مختلفة من الضغط تتراوح بين الاملاء المباشر والقرارات التي قد تطال من يعتبرون خارجين عن الصف، وتضاف إليها الاجواء المشحونة التي تجعل إصدار الأحكام لا تراعي الا القانون شجاعة كبيرة تستحق التنويه من قبل الدفاع وعائلات المتهمين وسائر المواطنين، وقد تعودنا على سماع عبارات الشكر للقضاة تتردد على ألسنة من ثبتت براءتهم بما يوحي ان تطبيق القانون صار استثناء.
الأصل ألا يحتاج القاضي الى الشجاعة لتطبيق القانون فتلك مهمته التي تدفع له الدولة مقابلا للقيام بها، ثم ان القانون يحميه في كل الأحوال، لكن كل هذا مجرد كلام نظري لا أثر له في الواقع، فالقاضي يخشى تطبيق القانون، وقد يستفيد مقابل إصدار احكام في اتجاه معين يحبذه من يصدرون الأوامر الفوقية، وكل هذا ناتج عن وضع سياسي يجعل الدولة تسير خارج القانون، وهذه حقيقة أقر بها الخطاب السياسي يوم اعتمد مصطلحات من قبيل "العصابة" و"القوى غير الدستورية" لوصف من يتولون مناصب سامية في الدولة.
ان مطالبة القضاة بتطبيق القانون دون الالتفات إلى مسؤولية السلطة القائمة في ضرب استقلالية القضاء هي في حقيقتها دعوة إلى استمرار وضع يقوم على فرض ارادة الاقوى دون مراعاة للقانون، وبدل ذلك سيكون من النزاهة السعي إلى تغيير نظام سياسي قائم على الهيمنة على المجتمع بالقمع والرشوة وخنق الحريات، فمعركة الحرية الكفيلة بتحرير المجتمع يجب أن تضع تفكيك هذا النظام كهدف أساسي من خلال بلوغه يتحرر القضاء والاعلام والجامعة وهي القطاعات التي تستعمل الآن لكسر إرادة الجزائريين في التغيير وإعاقة تنظيم المجتمع بما يسمح للنخب الجديدة بفرض نفسها كقوى سياسية مؤثرة.
الجزائر اليوم ليست بحاجة إلى بطولات فردية في القضاء والاعلام وسائر القطاعات بقدر ما هي بحاجة إلى بناء نظام جديد يقطع مع مفهوم للحكم يقوم على إخضاع المجتمع بالقوة والإكراه.

 

شوهد المقال 64 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في
image

محمد هناد ـ مواصلة النظام الجزائري استغباء الشعب ..يوم الأخوة بين الشعب والجيش ؟؟

 د. محمد هناد   1. الرئيس عبد المجيد تبون يقرِّر «تخليد الذكرى الأولى لحراك 22 فبراير» ! 2. الرئيس عبد المجيد تبون «يعلن يوم 22 فبراير يوما وطنيا
image

زهور شنوف ـ عام الصوت المرفوع.. "قولولهم" 22 فبراير ثورة شعب

زهور شنوف  خلال عام الثورة هزم الجزائريون الغلق وتحدوا الاعلام المؤدلج.. قاموا بثورتهم الاتصالية بشكل عبقري وفعالية وابداع كبيرين.. رفعوا شعاراتهم ودافعوا عن خياراتهم..
image

أمينة بومعراف ـ واش صار ليوم الثلاثاء 52 بالجزائر العاصمة ؟

أمينة بومعراف  الثلاثاء مسيرة الطلبة انطلقنا من ساحة الشهداء كيما مالفين، كان غاشي عيطنا مطالب مختلفة كيما مالفين كلش جايز أنتيك، حتى لحقنا la
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats