الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ من ينقذ ما بقي من الدولة ؟

نجيب بلحيمر ـ من ينقذ ما بقي من الدولة ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر

 

 

أول زيارة لرئيس أجنبي إلى الجزائر منذ تنصيب عبد المجيد تبون أثمرت حادثة دبلوماسية، فقد أخرج الرئيس التركي طيب رجب أردوغان إلى العلن جانبا من الحديث الذي دار بينه وبين نظيره الجزائري الذي نسب إليه قوله إن فرنسا قتلت خمسة ملايين جزائري أثناء احتلالها للجزائر، وشرح أردوغان في كلمة ألقاها أمام قيادات حزبه في أنقرة كيف طلب من تبون تزويده بوثائق تاريخية تثبت هذه الجرائم حتى يقدمها لماكرون ليعرف جيدا الماضي المظلم لبلاده.
هذا الكلام نشرته جريدة "البلاد" الموالية للسلطة واعتبرته إنجازا عظيما في إطار الصراع التركي الفرنسي الذي يخدم مصلحة الجزائر ويمكن أن يساعدها على انتزاع الاعتذار الفرنسي عن الجرائم الاستعمارية في حق الشعب الجزائري، كما نقله موقع القناة من خلال ترجمة للمقطع الذي يتحدث فيه أردوغان عن هذه القضية، وبعد كل هذا أصدرت وزارة الخارجية بيانا يتحدث عن إخراج حديث تبون عن سياقه، ويذكر بحساسية موضوع الذاكرة، وأن مثل هذه التصريحات لا تخدم الجهود التي تبذلها الجزائر وفرنسا من أجل معالجة هذه القضايا.
الاستنتاج الأول الذي نخرج به مما جرى أن تبون، وكما ظهر في لقائه مع الصحافة وكما قدمته حملته الانتخابية، لا يملك الحد الأدنى من ثقافة الدولة، ويبدو واضحا أنه ما زال متأثرا بتلك الخطابات الشعبوية الجوفاء التي طغت على الخطاب الرسمي في مرحلة السعي لفرض الانتخابات بالقوة، من الواضح أنه يستلهم ثقافته من الإعلام الرديء والشعبوي الذي ارتكزت عليه السلطة منذ 22 فيفري، ولهذا نجد آثار تلك الأطروحة الساذجة عن إنهاء الوصاية الفرنسية، والقضاء على اللغة الفرنسية، والتوجه نحو شركاء جدد، في حديث تبون، وهذا يعني ببساطة أن لا وجود لفريق حقيقي يحيط بالرجل ويقدم له العناصر الضرورية لتشكيل رؤية واضحة عن المهمة التي يتولاها وما يجب أن يفعله عندما يقابل نظراءه الذين سيزورونه أو سيزورهم هو، ومن الواضح أنه لا يفرق بين حديث المجالس الخاصة وما يقال في لقاءات رسمية مع رؤساء أجانب.
محاولة تصحيح الخطأ أظهر خللا آخر، فقد جاء الرد من وزارة الخارجية بدل أن يصدر عن رئاسة الجمهورية باعتبار أن ما تحدث عنه أردوغان هو كلام دار بين رئيسين وفي إطار رسمي، ثم إن الدستور يضع الرئيس باعتباره المسؤول الأول عن السياسة الخارجية، وتولي الخارجية الرد يزيد في تشويه الصورة بدل إصلاحها، وقبل هذا كان البيان قد نسب إلى الرئاسة وتداولته وسائل الإعلام قبل أن ينسب إلى الخارجية.
هذا من حيث الشكل، أما من ناحية المضمون فالكارثة تبدو أعظم..
تكشف لنا هذه الحادثة أن تبون ليست لديه أي تصور على حقيقة الصراعات الدولية في منطقتنا، فالمعلوم أن الخلاف بين أنقرة وباريس عميق وقديم حيث تعتبر تركيا أن فرنسا لعبت دورا أساسيا في عرقلة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وقد أخرج الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي هذا الأمر إلى العلن عندما قال صراحة بأنه لا يتصور أن تصبح للاتحاد الأوروبي حدود مع سوريا، ويضاف إلى هذا الدعم الفرنسي متعدد الأشكال للكرد، وقد وصل الصراع مداه عندما اعتمد البرلمان البرلمان الفرنسي قانونا يجرم إنكار إبادة الأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد عمد أردوغان إلى تذكير فرنسا بشكل منتظم بجرائمها في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية.
يرى البعض أن المناكفات بين أنقرة وباريس تخدم الجزائر في مسألة الذاكرة، لكن الحقيقة أن هذه الورقة تستعمل في حرب كلامية تخفي صراع مصالح سواء تعلق الأمر بالنفوذ في شرق المتوسط، أو بالدور التركي في سوريا والعراق، والأهم من هذا الدور التركي المتعاظم في ليبيا، وبالنسبة للجزائر هذا هو الأهم على الإطلاق، وهنا لا بد من الاعتراف بأن حديث تبون إلى أردوغان يظهر عدم إلمام مخيف بحقيقة الصراعات في بلد يعتبر أمننا مرتبطا به بشكل مباشر، وإذا كانت تركيا تعتبر فرنسا من أهم العوائق أمامها في ليبيا فإن حديثا جانبيا بين تبون وأردوغان وضع الجزائر في موقع منطقة النفوذ واللاعب الثانوي بين قوتين كبيرتين.
لقد سبق لأحمد أويحيى أن وصف حديث أردوغان عن جرائم الاستعمار بأنه متاجرة بدماء الجزائريين، وقد قال ذلك الكلام بصفته الحزبية، والحقيقة أن ذلك الموقف الرسمي وهو يعبر عن رفض الجزائر التحول إلى ورقة في يد تركيا التي لا يجوز لها استعمال قضايا في العلاقات الثنائية الجزائرية الفرنسية بما يظهر الجزائر كبلد ضعيف أو منقوص السيادة وللأسف وجب الاعتراف أن حديث أردوغان الأخير يكرس هذه النظرة تماما مثلما أشار إليها طلبه من المستشارة الألمانية دعوة الجزائر إلى مؤتمر برلين.
إن الصورة التي يقدمها تبون لنظرائه تعكس حالة سلطة ضعيفة ورديئة، وهو أمر سينعكس سلبا على مصالح البلاد الحيوية، ويؤكد مرة أخرى أن خيار فرض رئيس ضعيف لن يحقق النصر على الثورة السلمية بقدر ما يهزم الجزائر كدولة ويسيء إلينا كأمة، وأولوية الجزائريين اليوم يجب أن تكون وقف هذا الانهيار.

 

شوهد المقال 313 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر
image

حكيمة صبايحي ـ التاريخ السخيف الذي نعيش في لحظتنا الراهنة ..من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟

حكيمة صبايحي  من يملك الحق في سحب الجنسية من الجزائريين؟ هل نعيش في مملكة، إذا لم يعجب أحدنا الملك وحاشيته، تبرأ منا، وسحب منا الجنسية؟ ويمكنه
image

عبد الجليل بن سليم ـ سحب الجنسية .. دولة هشة....fragile state

د. عبد الجليل بن سليم   سحب الجنسية ....يعني أنه هناك ..... دولة هشة....fragile stateعندما تحمل في يدك قطعة بسكوت و تريد أن تقسمها نظريا انقسامها سهل
image

نوري دريس ـ حول السلطة و منطقها

د.نوري دريس   تعتقد السلطة ان الحراك يقوم به سكان المدن ( الشبعانين), و ان سكان المناطق الريفية( الذين يشكلون ما تسميه السلطة سكان مناطق الظل) غير
image

عثمان لحياني ـ التطهير " التجريد من الجنسية الجزائرية "

عثمان لحياني  "التطهير" والتجريد من الجنسية أسلوب فاشي تلجأ اليه الأنظمة الفاشلة التي همين عليها العقل الأمني. خطورة القانون تتعلق بعدم وجود معرف قانوني وفلسفي واضح
image

العربي فرحاتي ـ " ماكان اسلامي ..ماكان علماني "

د. العربي فرحاتي   من باب ".. لا تقف ما ليس لك به علم.. " أو من باب ..لا تسأل عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .."فلو
image

حارث حسن ـ زيارة البابا وفكرة الأمة العراقية

د . حارث حسن   قرأت اليوم الكثير من الاراء العراقية حول زيارة بابا الفاتيكان الى العراق، تنوعت بين المحتفل والمرحب والمتشكك والرافض، لكن كنت مهتماً ان
image

نصرالدين قاسم ـ جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر حقوق ضائعة ليس وراءها مُطالب

نصرالدين قاسم اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعذيب الجيش الفرنسي الشهيد علي بومنجل واغتياله، ليضع حدا لادعاءات الاحتلال بفرية الانتحار.. ماكرون اعترف بذلك رسميا أمام أحفاد
image

محمد هناد ـ هل تريد السلطة تحويل الجنسية الجزائرية إلى ملكية، تهبها وترفضها لمن تشاء !

د. محمد هناد  علمنا أن وزير العدل قام بعرض قانون الجنسية 86-70 على اجتماع الحكومة بهدف تعديله في اتجاه «استحداث نظام التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats