الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ حمروش ضيفا عند تبون.. عندما يخون السلوك التحليل

نجيب بلحيمر ـ حمروش ضيفا عند تبون.. عندما يخون السلوك التحليل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 نجيب بلحيمر  

 

لم يكلف مولود حمروش نفسه عناء إصدار بيان يشرح فيه للرأي العام الدوافع التي جعلته يلبي دعوة عبد المجيد تبون وما دار في اللقاء الذي أصدرت الرئاسة بشأنه بيانا لا يختلف في شيء عن ذلك الذي أصدرته عقب لقاء مماثل جمع تبون بعبد العزيز رحابي رغم أن ذهاب حمروش إلى الرئاسة أثار من الأسئلة ما لم يثره ذهاب رحابي الذي حرص على إصدار بيان لا يتقاطع في شيء مع البيان الصادر عن مضيفه.

 

هناك أسباب موضوعية تجعل المتابعين للشأن السياسي يتساءلون عن التقدير الذي يقف وراء تلبية حمروش لدعوة تبون، فآخر موقف معلوم للرجل يعود إلى الخامس أكتوبر الماضي عندما وقف عند باب بيته يشرح لمن جاءوا يطلبون منه الترشح لانتخابات 12/12 الأسباب التي تجعله يرفض هذا الاقتراح، وقد مثل قوله " حتى لو انتخبت غدا وصرت رئيسا بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب فلن أستطيع فعل شيء" خلاصة رؤيته للانتخابات وكيفية عمل النظام في الجزائر، رؤية تنسجم تماما مع ما عبر عنه عشية الانتخابات الرئاسية في 2014 عندما رفض التعليق في ندوة صحفية على العهدة الرابعة بحجة ان الانتخابات في الجزائر ليست آلية للتغيير أو التحكيم، وعندما طرح عليه أحد الصحافيين سؤالا عن موقفه من العهدة الرابعة رد بالقول " لو أجبت على سؤالك سأخون التحليل الذي قدمته في بداية هذه الندوة"، واليوم يعيد قراره بتلبية دعوة الرئاسة طرح سؤال كبير عما إذا لم يخن مولود حمروش تحليله الذي اكتمل بصورة غير مسبوقة في المساهمة التي نشرتها جريدتا الخبر والوطن يوم 04 سبتمبر 2019 تحت عنوان "في الحوار وفي الوطنية" والتي طبعها ذلك الحكم المفزع عن النظام الذي لخصه في قوله: "السيستام" الجزائري ليس نموذجا وهو لا يشبه أي "سيستام" آخر. إنه "اللاسيستام"، يدعى "سيستام" للإشارة لتعقيدات كل ما يتنكر له. إنه "سيستام" قاتل للحرية معادٍ للسياسة معادٍ للنضال ومعادٍ للحكم الراشد، معادٍ للمؤسسات ومعادٍ للتنظيم ومعادٍ للوطن"، وعلى أساس هذا التوصيف اعتبر حمروش أن الحراك يمثل فرصة تاريخية لإنقاذ البلاد وحماية الجيش وإطلاق ما يسميه "مشروع الجزائر" على أسس حدد بعض معالمها في تلك المساهمة.
موقف حمروش من انتخابات 12/12 يقوم على أساس التشخيص الدقيق الذي قدمه مفصلا قبل شهر من ذلك، وعلى النقيض منهما تأتي تلبيته لدعوة تبون كسلوك يمكن وصفه، ودون أدنى مبالغة، بأنه خيانة للتحليل المتسق الذي ظل يقدمه للوضع السياسي خلال السنوات الأخيرة، خيانة تجعل التوفيق بين القول إن الرئيس المنتخب لا يستطيع فعل شيء والذهاب للحديث مع رئيس حول ما يجب فعله أمرا مستحيلا، فما الذي استجد حتى يصبح الاجتماع بتبون فرصة لفعل شيء ما؟ 
لا يمكن الاطلاع على نوايا السلطة، لكن يمكن قراءة سلوكها من خلال الإشارات التي تطلقها، وهذه الإشارات تتلخص أولا في الطريقة التي جرت بها الانتخابات أولا، وتشكيل الحكومة ثانيا، وخارطة الطريق التي يجري تنفيذها اليوم ثالثا، ومن خلال الاستمرار في أجواء الغلق السياسي والإعلامي والتضييق على الحريات رابعا، وهذه المؤشرات مجتمعة تؤكد أمرا واحدا وهو أن الهدف الأساسي الذي ما زالت السلطة تسعى وراءه اليوم هو إنهاء الثورة السلمية، وهنا قد يطرح السؤال عن مسؤولية حمروش عن كل هذا وعلاقته به، والإجابة هي أن هذه المسؤولية تتصل بقوله إن استمرار الحراك السلمي ضمانة للجزائر وحماية للجيش، والتوقيت الذي جاءت فيه هذه اللقاءات، وطريقة ترتيبها والإعلان عنها، يجعلها جزء من جهود السلطة لإنهاء الثورة السلمية التي تتعرض لهجوم غير مسبوق من خلال استهداف معنويات المتظاهرين، ثم إن هذه اللقاءات جزء من فرض الأمر الواقع وتجاوز مأزق الشرعية الذي كرسته انتخابات12/12 بدل أن تحسمه، ولا نجد في سلوك السلطة ما يوحي بأن النظام لم يعد معاديا للوطن، أو أن الحاجة إلى ضمانة الثورة السلمية انتفت.
بقيت قراءة متفائلة يتمسك بها الواثقون في حصافة رؤية حمروش للوضع السياسي، وتبرر هذه القراءة اللقاء بامتلاك الرجل لمعطيات عن تحول في موقف النظام، أو في مركز الثقل فيه، وقد يكون هذا التحول مرتبطا بتغير في أدوار أشخاص فاعلين، لكن عيب هذه القراءة انها ترتكز هي الأخرى على خيانة تحليل حمروش للنظام السياسي الجزائري والذي يقوم في جزء منه على تحجيم دور الأشخاص.
كل هذا يدفع إلى الاعتقاد بأن لقاء الاثنين قد يكون مجرد رد على دعوة قدر من وجهت له انه لا يمكن ردها، ربما لاعتبارات تتعلق بمفهومه للدولة والموقف من مؤسساتها، وحتى هذا التفسير الموغل في التبسيط والسذاجة لا يعفي من النظر في الثمن الذي دفع كمقابل للحفاظ على الشكليات بتعزيز سطوة نظام يسير بالبلاد نحو الأسوأ، وإرسال إشارات خاطئة في اتجاه شارع مصر على الصمود في وجه مناورات تريد إغلاقه بصفة نهائية والعودة إلى ما قبل 22 فيفري، ومهما يكن فإن ما يجري من خلال هذه اللقاءات يؤكد مرة أخرى أن المجتمع صار أمام ضرورة تجاوز فكرة "الرجل المعجزة" أو "شخصية التوافق" التي يمكنها حسم القضايا بضربة واحدة، ولعل السائرين على مسار التأسيس كل جمعة، كما قال حمروش ذات يوم، فهموا اليوم أنهم مرغمون على تقرير مصيرهم بأنفسهم، وإذا أرادوا الاستفادة من الأفكار والمساهمات فلا شيء يرغمهم على التعلق بالأشخاص خاصة إذا استعصى على السلوك أن يتبع الفكرة.

 

شوهد المقال 94 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ الدرس الثاني من وحي الخيانة الوطنية خديعة التغيير في ديانة الوصوليين

د. حكيمة صبايحي  ستحاول مرارا، عندما تصاحب العاطلين، المقاومة، ستجهد اجتهادك كي تغير نأمة في نأمة مسألة، وبكلٍ روحٍ للمثابرة، ستخلق مبادرة تلو المبادرة،
image

سعيد لوصيف ـ ليس من تقاليد الثورات الانتحار..

د. سعيد لوصيف   ابحثوا عن الخطابات في نضالاتكم ، ولا تبحثوا عنها في صالونات فارغة لا تملك رؤى و لا استراتجيات.. ابحثوا عن مأسسة مؤسسة رئاسية، ومؤسسات
image

السعدي ناصر الدين ـ المهنة : استاذ الهوية : متشرد

 السعدي ناصر الدين  عندما شاهدت تقريرا مصورا بثته قناة " الجزائرية " عن محمد استاذ اللغة الالمانية الذي رحّلته حملة الترحيل الى العراء في العاصمة،
image

نوري دريس ـ التسلط عشيق الريع

د.نوري دريس  ربما يمكن للسلطة ان تجادل في عدم فصل العلم في أخطار استغلال الغاز الصخري على البيئة, وربما تدعي ان التقنية تطورت بشكل
image

أحمد سعداوي ـ أحزاب السلطة العراقية ومليشياتها وتعاملها مع ثورة تشرين

أحمد سعداوي    منذ البداية تعاملت أحزاب السلطة ومليشياتها مع تظاهرات تشرين على أنها مشكلة، وليست أعراضاً لمشكلة أو مشاكل أعمق.وما زالت حتى الساعة تنظر إليها على
image

رضوان بوجمعة ـ الرئيس يسجل ضد مرماه !

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 150   اللقاء الذي جمع الرئيس عبد المجيد تبون بمدراء ورؤساء تحرير الاجهزة الإعلامية العمومية والخاصة، أمس، كشف عن وجود استخفاف كبير
image

محمد هناد ـ حكومة جزائرية تفتقد للشجاعة

  د. محمد هناد   كما هو معلوم، من عادة الحكومات التي تعاني ضائقة مالية أن تلجأ إلى أسهل طريق لإعادة الروح إلى خزينتها وذلك من خلال
image

العربي فرحاتي ـ خطر التفاهة .. وثقافة "سقد واعقب"

د. العربي فرحاتي  كما عرفنا من تقدم العلوم الفيزيائية أن للفوضى نظام ..أنقلت التفكير من حالته التبسيطية التسطيحية إلى التعقيد والعمق..فإن "التفاهة" حسب "
image

وليد عبد الحي ـ معارك الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ أن نشر Leon Carl Brown دراسته عام 1984 حول النظم الاقليمية المخترقة تزايدت أدبيات " النظم الاقليمية المخترقة " والتي
image

فوزي سعد الله ـ فن "الحوفي"...من بساتين وديار تلمسان إلى قاعات العروض الموسيقية

فوزي سعد الله   "...الحوفي صيغة تعبيرية شعرية شفوية شعبية من نَظْمِ النساء في تلمسان العتيقة، ظهر خلال القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة قبل أن ينتقل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats