الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ السياسة بين القصر والشارع

نجيب بلحيمر ـ السياسة بين القصر والشارع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

يلتحق ساسة تباعا بقصر الرئاسة تلبية لدعوات تصلهم من شاغل القصر للقاء يدور حول "حوار" ما، تصدر البيانات التي تؤكد من خلالها الرئاسة ان تبون استقبل ضيفه في اطار الحوار حول الأوضاع القائمة وما يجب اتخاذه من خطوات، ويذكر الضيف بسقف المطالب التي "لا تنازل عنها" مع إغفال واضح لحقيقة أن هذه المطالب تم تجاوزها فعليا وانها لا يمكن ان تؤسس لأي تصور لبناء الدولة، أو تكون مدخلا لانتقال حقيقي نحو الديمقراطية.
سبق لرئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور أن لبى دعوة تبون، وقالت الصحافة نقلا عن "مقربين" منه بأنه تفاجأ بالبيان الذي سارعت الرئاسة إلى إصداره بعد اللقاء، والمفاجأة هنا هي تعبير عن مرارة الشعور بالاستغلال السياسي الذي تعرض له رجل بقي مصرا على رفض الانخراط في أي مبادرة تصدر عن السلطة وظل ثابتا على القول بأن الموضوع الوحيد الذي يمكن بحثه مع من يمثلون السلطة هو الصيغة التي تمكن هذا النظام من الرحيل، وكل هذه المواقف المدعومة برفض تولي مناصب رفيعة تمت التغطية عليها ببيان يتحدث عن لقاء مع شاغل القصر دون أن يتضمن أدنى إشارة إلى ما طرحه الضيف من شروط ومطالب.
يستفيد المدعو اللاحق وهو السفير والوزير الأسبق عبد العزيز رحابي من "المقلب" الذي ذهب ضحيته سابقه إلى القصر، فيقرر إصدار بيان يفصل فيه مواقفه وما قاله لمن دعاه، فالأمر يتعلق بالحفاظ على الحد الأدنى الذي يدفع شبهة التواطؤ مع السلطة والتموقع و"بيع الحراك"، وهذا كله احتياط للقادم لأن الطريق ما زال طويلا وليس من الحكمة استنزاف الرصيد ما دام الشارع حيا واللاعب الأساسي لا يبدي أي نية في مغادرة الميدان قريبا.
في كل هذا أين نحن من مشروع الانتقال نحو الديمقراطية وإطلاق عملية بناء الدولة التي تمثل جوهر مطالب الثورة السلمية؟
تطلق النخب السياسية ممثلة في الأحزاب والشخصيات المكرسة إعلاميا إشارات شديدة السلبية، فتلبية دعوة تبون في الظروف الحالية لن تكون إلا تزكية لمسار فرض الأمر الواقع من خلال القول بأن مسألة الشرعية تم تجاوزها، وأن دعوة "الحوار" الغامضة تلقى الاستجابة، وهذه الرسالة موجهة الى "الشركاء" المحتملين، وقد تم التركيز بدءا على المحسوبين على "الحراك" من الشخصيات لتكون الرسالة واضحة باتجاه المتحمسين لتمثيل الشارع للاسراع في الالتحاق قبل ان يفوت الأوان ويبتعد الآخرون أشواطا في التموقع، وهكذا يتحول المدعوون إلى أدوات لكسر الثورة السلمية وفرض الأمر الواقع، ولا يمكن تبرئة المشاركين من هذه المسؤولية بذريعة الخطأ في التقدير والتدبير. 
أصل المشكلة هو أن هذه الشخصيات تعلمت ممارسة السياسة وفق ما فرضه النظام من توازنات وقواعد منذ الاستقلال والتي كرست مبدأ "السياسة من دون شعب" وقد أثبتت شهور الثورة السلمية أن هذه النخب عاجزة عن التحول إلى نموذج آخر في التفكير والممارسة يقوم على اعتبار الشعب اللاعب الأساسي على الساحة السياسية، ويتجلى هذا العجز اليوم في هذه المساهمة في التطبيع مع الأمر الواقع المفروض بالقوة، وتمرير مشروع إجهاض التغيير الذي بدأت ملامحه تتضح مع تنصيب لجنة مكلفة بتعديل الدستور الذي سيتم تمريره من خلال "حوار" مميع ومعوم يفضي إلى استفتاء يكون الغرض منه غلق الباب في وجه أي مشاركة للجزائريين في تقرير مصيرهم بل يختزل دورهم في منح الشرعية بأثر رجعي لشاغل القصر الذي أتى إلى المنصب بقوة السلطة لا بشرعية صاحب الشأن الحقيقي.
يحاول المهرولون إلى القصر تقمص دور المعارض الصلب من خلال التذكير بمطالب معروفة مثل إطلاق سراح معتقلي الرأي، وتحرير الفضاءات السياسية والإعلامية، ووقف الاستعمال السياسي للقضاء، والحقيقة أن هذه المطالب، باستثناء تحرير المعتقلين، لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن خطة واضحة للانتقال الديمقراطي، خطة تؤكد السلطة على رفضها جملة وتفصيلا، بل إن الحديث عن الحوار بعد الخطوات التي أقدم عليها تبون منذ تنصيبه تحول إلى مجرد مغالطة الهدف منها فرض الأمر الواقع.
لقد كانت الميزة الأساسية لسلوك نخبة متخلفة عن إيقاع الشارع محاولة التكيف مع مطالب السلطة والخضوع للسقف الذي وضعته للتغيير، وهكذا كانت الخطيئة الأولى بجعل الانتخابات المدخل الوحيد للتغيير كما أرادت السلطة، وصولا إلى السعي للبناء على نتائج هذه الانتخابات المهزلة، وبين المحطتين جاءت مبادرات وبيانات بدءا من مبادرة عين بنيان في 6 جويلية مرورا بجملة بيانات كانت كلها محاولات للتطابق مع ما تريده السلطة التي حركت سقفها بما يتناسب مع نتائج مناوراتها وما أسفر عنه استعمال القوة بمختلف أشكالها.
إن الواقع الذي ينطلق منه السياسي الحقيقي هو الذي تفرضه التوازنات الفعلية على الأرض والتي ترسمها القوة الأساسية في أي دولة وهي الشعب، لكن النخب في الجزائر تفضل أن تسير خلف التوازنات المفروضة بالإكراه والمراوغة من سلطة فاقدة للشرعية والسند الشعبي، ومهما بدت السلطة في موقع قوة في اللحظة الراهنة فإن العجز عن استشراف المستقبل يخرج من دائرة الأهلية لممارسة السياسة ويحيل على دورة تكوينية في الشارع ستكون مفتوحة بداية من غد الجمعة.

 

شوهد المقال 98 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ الدرس الثاني من وحي الخيانة الوطنية خديعة التغيير في ديانة الوصوليين

د. حكيمة صبايحي  ستحاول مرارا، عندما تصاحب العاطلين، المقاومة، ستجهد اجتهادك كي تغير نأمة في نأمة مسألة، وبكلٍ روحٍ للمثابرة، ستخلق مبادرة تلو المبادرة،
image

سعيد لوصيف ـ ليس من تقاليد الثورات الانتحار..

د. سعيد لوصيف   ابحثوا عن الخطابات في نضالاتكم ، ولا تبحثوا عنها في صالونات فارغة لا تملك رؤى و لا استراتجيات.. ابحثوا عن مأسسة مؤسسة رئاسية، ومؤسسات
image

السعدي ناصر الدين ـ المهنة : استاذ الهوية : متشرد

 السعدي ناصر الدين  عندما شاهدت تقريرا مصورا بثته قناة " الجزائرية " عن محمد استاذ اللغة الالمانية الذي رحّلته حملة الترحيل الى العراء في العاصمة،
image

نوري دريس ـ التسلط عشيق الريع

د.نوري دريس  ربما يمكن للسلطة ان تجادل في عدم فصل العلم في أخطار استغلال الغاز الصخري على البيئة, وربما تدعي ان التقنية تطورت بشكل
image

أحمد سعداوي ـ أحزاب السلطة العراقية ومليشياتها وتعاملها مع ثورة تشرين

أحمد سعداوي    منذ البداية تعاملت أحزاب السلطة ومليشياتها مع تظاهرات تشرين على أنها مشكلة، وليست أعراضاً لمشكلة أو مشاكل أعمق.وما زالت حتى الساعة تنظر إليها على
image

رضوان بوجمعة ـ الرئيس يسجل ضد مرماه !

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 150   اللقاء الذي جمع الرئيس عبد المجيد تبون بمدراء ورؤساء تحرير الاجهزة الإعلامية العمومية والخاصة، أمس، كشف عن وجود استخفاف كبير
image

محمد هناد ـ حكومة جزائرية تفتقد للشجاعة

  د. محمد هناد   كما هو معلوم، من عادة الحكومات التي تعاني ضائقة مالية أن تلجأ إلى أسهل طريق لإعادة الروح إلى خزينتها وذلك من خلال
image

العربي فرحاتي ـ خطر التفاهة .. وثقافة "سقد واعقب"

د. العربي فرحاتي  كما عرفنا من تقدم العلوم الفيزيائية أن للفوضى نظام ..أنقلت التفكير من حالته التبسيطية التسطيحية إلى التعقيد والعمق..فإن "التفاهة" حسب "
image

وليد عبد الحي ـ معارك الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ أن نشر Leon Carl Brown دراسته عام 1984 حول النظم الاقليمية المخترقة تزايدت أدبيات " النظم الاقليمية المخترقة " والتي
image

فوزي سعد الله ـ فن "الحوفي"...من بساتين وديار تلمسان إلى قاعات العروض الموسيقية

فوزي سعد الله   "...الحوفي صيغة تعبيرية شعرية شفوية شعبية من نَظْمِ النساء في تلمسان العتيقة، ظهر خلال القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة قبل أن ينتقل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats