الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ خلاصة الواقعية ..إلا استمرار الثورة السلمية

نجيب بلحيمر ـ خلاصة الواقعية ..إلا استمرار الثورة السلمية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

باسم الواقعية يقال إن هذه الثورة السلمية كانت موجة أولى من التغيير حققت مكاسب وستأتي موجات أخرى لتحقق المزيد، ومن هذا المنطلق سيتعين علينا القبول بالأمر الواقع الذي يعني جملة ما فرضته السلطة بالقوة رغم استمرار المظاهرات السلمية منذ عشرة أشهر. 
الأمر الواقع كان الانتخابات التي فرضت بالقوة ومن خلالها تم تنصيب عبد المجيد تبون في الرئاسة، ولا بد من التذكير بأن الذين اختزلوا مطالب الشعب في تنظيم انتخابات قدموا التنازلات تلو الأخرى؛ انتقلنا من توفير شروط الانتخابات النزيهة الى القبول بحوار يونس وسلطة شرفي إلى القبول بخمسة مرشحين يمثلون النظام الذي ثار الشعب من أجل تغييره، تنازل هؤلاء عن مطلب تنحية الباءات فوجدوا انفسهم أمام تبون رئيسا. 
هذه التنازلات لم يقدمها الشارع، واستمرار المظاهرات هو إعلان صريح برفض سياسة الأمر الواقع، وعدم اعتراف صريح بشرعية ما أفرزته المهزلة الانتخابية، لكن هناك من يدعو إلى مزيد من التنازل باسم الواقعية، ولا نعرف أصلا ما الذي يملكه الشارع حتى يتنازل، فالتظاهر ما زال محظورا، والإعلام غير حر، والقواعد التي تحكم العمل السياسي لم تتغير، بل إن وجوه العهد البوتفليقي هي التي تتولى الآمر في جميع المجالات وعلى المستويات كافة، فماذا يعني التنازل في هذه الحالة؟ يعني ببساطة التوقف عن التظاهر، وهذه أولوية السلطة التي لم تتغير منذ 22 فيفري الى اليوم، لكن هذا المطلب يمرره البعض اليوم باسم الواقعية والتدرج من خلال الانشغال بدعوة مبهمة للحوار، ومن خلال الدعوة إلى إنشاء أحزاب جديدة استعدادا للانتخابات التشريعية. 
ماذا يعني توقف المظاهرات بالنسبة للسلطة؟ يعني التقاط الأنفاس والتفرغ لإعادة تنظيم القواعد الاجتماعية للنظام وتجديد الشبكات التي يعتمد عليها، وتجنيد وجوه جديدة تحمل صفة الشباب وتنتسب إلى الثورة السلمية. 
لماذا لا يمكن لأحزاب جديدة آن تغير الخارطة السياسية؟ لسبب بسيط وهو ان قواعد اللعبة لم تتغير وهذه القواعد تقوم على اختراق الشرطة السياسية لكل الأحزاب والنقابات والجمعيات، وحتى إمكانية إنشائها أصلا كما حدث في السابق، وهذا سيمنح النظام واجهة جديدة دون أن يغير قواعد الممارسة التي لا وجود لها في الدستور. 
ما يعزز هذا السيناريو هو الإصرار على جعل عملية التغيير تبدأ من السقف بدل ان تنطلق من الأساس، ففرض رئيس بالطريقة التي رأيناها سيختصر الأمر في تعديل الدستور الذي لن يغير في الوضع شيئا، والدليل في التعديلات الكثيرة السابقة، في حين أن الأحزاب ستبقى رهينة القواعد غير المكتوبة التي تحكم السياسة. 
تفصيل بسيط قد يكون التأمل فيه مفيدا، ذهب سيدي السعيد من اتحاد العمال وجاء مكانه لعباطشة، تسليم مشعل في الواجهة من شيخ إلى شاب، لكن الممارسات لم تتغير، ويصلح نموذج اتحاد العال للقياس بالنظر الى تطابق حالته مع عشرات التنظيمات التي برزت في المسيرات "العفوية" المساندة للانتخابات. 
الفضاء العام لم يتحرر، والتضييق على الحريات لا يحتاج إلى دليل، وتوقف المظاهرات سيغلق الشوارع نهائيا وستختفي معه كل الهوامش التي ظهرت بفضل الثورة السلمية. 
استمرار المظاهرات السلمية يعني تكثيف الضغط على السلطة من أجل افتكاك تغيير حقيقي، قد يبدو الأمر مثاليا، ويستغرق وقتا طويلا لكن الحقيقة هي ان الصبر ضريبة السلمية. 
الحرب النفسية التي تشنها وسائل إعلام السلطة هدفها كسر عزيمة المتظاهرين، وهي في حقيقتها دليل قوي على الضغط الذي تمثله المظاهرات على السلطة التي لم تكسب المعركة ولم تنجح الى اللحظة في فرض الامر الواقع الا كخطاب وصورة تكلف صناعتها مزيدا من فقدان المصداقية وتعمق أزمة الشرعية. 
الثورة السلمية ليست خيار فئة او طرف سياسي أو تيار إيديولوجي بل هي التزام وطني يهدف إلى انقاذ الجزائر من نظام يحاول ان يجدد واجهته وأدواته للاستمرار لمزيد من الوقت. 
على الواقعيين ان يتذكروا نتائج تنازلات 1995 و 1997، و1999، وعليهم ان يتذكروا جيدا أن هذه الفرصة التاريخية إذا ضاعت فإنها ستفسح المجال لنظام راهن على خطاب الكراهية والتفرقة الذي أحدث شروخا عميقة في النسيج الاجتماعي وهو عازم على الذهاب إلى غاية تقسيم البلاد من أجل الاستمرار. 
خلاصة الواقعية إنقاذ الجزائر فوق كل اعتبار، ولن ينقذها إلا استمرار الثورة السلمية.

 

شوهد المقال 336 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats